الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الوكالة > الوكالة في المساقاة والمزارعة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 17 دقيقة قراءةالواقِعِ بينَهما على ما يَتعاقَدانِه مِنْ ذلك، على أنَّ المُسلَّمَ إليه يَقومُ بما يُسلَّمُ إليه فيه مَحمولًا إلى البَلَدِ الفُلانيِّ تَوكيلًا شَرعيًّا قبلَ ذلك مِنه قَبولًا شَرعيًّا ويُكمِلُ (١).
الوَكالةُ في المُساقاةِ والمُزارَعة:
لا خِلافَ بَينِ الفُقهاءِ في أنَّه يَصحُّ التَّوكيلُ في المُساقاةِ والمُزارَعةِ، قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ويَجوزُ التَّوكيلُ في المُساقاةِ … ولا نَعلَمُ في ذلك اختِلافًا (٢).
وقالَ النَّوَويُّ رحمة الله عليه: ويَصحُّ التَّوكيلُ في طَرَفَيِ البَيعِ بأنواعِه، كالسَّلَمِ … والمُساقاةِ (٣).
وقالَ الحَنفيَّةُ: الوَكالةُ في المُزارَعةِ إمَّا أنْ تَكونَ مِنْ صاحِبِ الأرضِ، وإمَّا أنْ تَكونَ مِنْ المُزارَعِ.
إذا وكَّل صاحِبُ الأرضِ رَجُلًا بأنْ يَدفعَ أرضَه لِآخَرَ مُزارَعةً، جازَ ذلك، وكانَ لِلوَكيلِ أنْ يَدفعَها له، ويَشترِطَ أيَّ حِصَّةٍ مِنْ الخارِجِ لِرَبِّ الأرضِ؛ لأنَّ المُوكِّلَ حِينَ لَم يَنُصَّ على حِصَّةٍ مُعيَّنةٍ يَكونُ قَدْ فوَّض الأمرَ إليه في تَحديدِ هذه الحِصَّةِ مَع المُزارَعِ، فبِأيِّ حِصَّةٍ دفَعها مُزارَعةً كانَ مُمتَثِلًا لِأمرِه، مُحَصِّلًا لِمَقصودِه.
(١) «جواهر العقود» للسيوطي (١/ ١٦٧).
(٢) «المغني» (٥/ ٥٢)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٤١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٥٢).
(٣) «روضة الطالبين» (٣/ ٤٩٠)، وباقي المصادر السابقة.
وَلَكِن لا يَجوزُ لِلوَكيلِ أنْ يَدفعَها بشَيءٍ يُعلَمُ أنَّه حابَى فيه بما لا يَتغابَنُ النَّاسُ في مِثلِه؛ لأنَّ مُطلَقَ التَّوكيلِ يَتقيَّدُ بالمُتَعارَفِ.
فَإنْ دفَعها مَع هذه المُحاباةِ كانَ الزَّرعُ بينَ المُزارَعِ والوَكيلِ على شَرطِهِما، ولا شَيءَ مِنه لِرَبِّ الأرضِ، أي أنَّ الوَكالة تَكونُ باطِلةً في هذه الحالةِ؛ لأنَّ الوَكيلَ صارَ غاصِبًا لِلأرضِ بمُخالَفَتِه المُوكِّلَ، وغاصِبُها إذا دفَعها مُزارَعةً كانَ الزَّرعُ بينَه وبينَ المَدفوعِ إليه على الشَّرطِ.
ولصاحِبِ الأرضِ تَضمينُ الوَكيلِ أو المُزارَعِ نُقصانَ الأرضِ في قَولِ أبي يُوسفَ الأوَل، وقَولِ مُحمَّدٍ؛ فَإنْ ضَمِن المُزارَعُ رجَع على الوَكيلِ بما ضَمِن؛ لأنَّه مُغَرَّرٌ مِنْ جِهَتِه. وفي قَولِ أبي يُوسفَ الآخَرَ: يَضمَنُ المُزارَعَ خاصَّةً؛ لأنَّه هو المُتلِفُ، فأمَّا الوَكيلُ فغاصِبٌ، والعَقارُ عندَه لا يُضمَنُ بالغَصبِ، ثم يَرجِعُ المَزارِعُ على الوَكيلِ لِلغَرَرِ؛ فإنْ كانَ حابَى فيه بما يَتغابَنُ النَّاسُ في مِثلِه فالخارِجُ بينَ المُزارِعِ ورَبِّ الأرضِ على الشَّرطِ، والوَكيلِ هو الذي قبَض نَصيبَ المُوكِّلِ؛ لأنَّه هو الذي أجَّرَ الأرضَ، وإنَّما وجَب نَصيبُ رَبِّ الأرضِ بعَقدِه؛ فهو الذي يَلي قَبضَه، وليسَ لِرَبِّ الأرضِ أنْ يَقبِضَه إلَّا بوَكالةٍ مِنْ الوَكيلِ؛ فإنْ كانَ رَبُّ الأرضِ أمَرَ الوَكيلَ أنْ يَدفعَها مُزارَعةً ولَم يُسَمِّ سَنةً ولا غيرَها جازَ لِلوَكيلِ أنْ يَدفعَها مُزارَعةً سَنَتَه الأُولَى؛ فَإنْ دفَعها أكثَرَ مِنْ ذلك أو بعدَ هذه السَّنةِ ولَم يَدفَعْ هذه السَّنةَ لَم يَجُزْ في الِاستِحسانِ، وفي القياسِ يَجوزُ؛ لأنَّ التَّوكيلَ مُطلَقٌ عن الوَقتِ، ففي أيِّ سَنةٍ دفَعها، وفي أيِّ مُدَّةٍ دفَعها، لَم يَكُنْ فِعلُه مُخالِفًا لِمَا أمَرَه
المُوكِّلُ به، فجازَ، كالوَكيلِ بإجارةِ الدُّورِ والرَّقيقِ، ولكنَّه استَحسَنَ وقالَ: دَفْعُ الأرضَ مُزارَعةً يَكونُ في وَقتٍ مَخصوصٍ مِنْ السَّنةِ عادةً، والتَّقييدُ الثَّابِتُ بالعُرفِ في الوَكالةِ، كالثَّابِتِ بالنَّصِّ؛ فإذا دخَله التَّقييدِ مِنْ هذا الوَجْهِ يُحمَلُ على أخَصِّ الخُصوصِ، وهو وَقتُ الزِّراعةِ مِنْ السَّنَةِ الأُولَى، كالوَكيلِ يَشترِي الأُضحيَّةَ يَتقيَّدُ بأيَّامِ الأُضحيَّةِ مِنْ السَّنةِ الأُولَى.
وأمَّا إذا كانَ التَّوكيلُ مِنْ المُزارَعِ بأنْ وكَّل رَجُلًا آخَرَ بأنْ يَأخُذَ له هذه الأرضَ مُزارَعةً هذه السَّنةَ على أنْ يَكونَ البَذْرُ مِنْ المُوكِّلِ، كانَتِ الوَكالةُ جائِزةً.
وَتَسرِي أحكامُ الوَكالةِ المُطلَقةِ التي ذُكِرَتْ في الحالةِ الأُولَى هُنا أيضًا، أي أنَّ الوَكيلَ يَكونُ مُقيَّدًا بالمُتَعارَفِ عليه بينَ النَّاسِ في التَّعامُلِ، كما يَكونُ مُقيَّدًا بالشَّرعِ، فلا يَتصرَّفُ تَصرُّفًا يَضُرُّ بالمُوكِّلِ. هذا إذا كانَ التَّوكيلُ مُطلَقًا عن القُيودِ، أمَّا إذا قَيَّدَ المُوكِّلُ -سَواءٌ أكانَ صاحِبَ الأرضِ أو المُزارَعِ- وَكيلَه بقَيدٍ مُعيَّنٍ؛ فإنَّه يَجِبُ على الوَكيلِ الِالتِزامُ بهِ؛ فإذا خالَفَه بطَلتِ الوَكالةُ، إلَّا إذا كانَتِ المُخالَفةُ لِمَصلَحةِ المُوكِّلِ؛ فإنَّها تَكونُ نافِذةً في حَقِّهِ؛ لأنَّها تُعتبَرُ مُوافَقةً ضِمنِيَّةً، فالعِبرةُ في العُقودِ بالمَعاني، لا بالألفاظِ والمَباني. فلَو وكَّل صاحِبُ الأرضِ رَجُلًا لِيَدفعَ له أرضَه لِآخَرَ مُزارَعةً بالثُّلُثِ مثلًا، فدفَعها الوَكيلُ له بالنِّصفِ؛ فإنَّ الوَكيلَ هُنا يَكونُ قَدْ خالَفَ مُوكِّلَه، ولكنَّ العَقدَ يَكونُ صَحيحًا؛ لأنَّ المُخالَفةَ لِخَيرِ المُوكِّلِ ومَصلَحَتِه، فقَد عقَد له بالنِّصفِ بَدَلًا مِنْ الثُّلُثِ. لِذلك لا تَبطُلُ الوَكالةُ إذا أجازَ
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب المساقاة
باب المزارعة *
بابُ المُزَارَعةِ *
٨٨٨ - مسألة؛ قال: (وتَجُوزُ الْمُزَارَعةُ بِبَعْضِ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَرْضِ)
مَعْنَى المُزَارَعةِ: دَفْعُ الأرْضِ إلى مَن يَزْرَعُها ويَعْمَلُ عليها، والزَّرْعُ بينهما. وهى جائِزَةٌ في قولِ كَثِيرٍ من أهْلِ العِلْمِ، قال البُخَارِىُّ : قال أبو جعفرٍ: ما بالمَدِينَةِ أهْلُ بَيْتٍ إلَّا ويَزْرَعُونَ على الثُّلُثِ والرُّبْعِ، وزَارَعَ علِىٌّ وسَعْدٌ، وابنُ مسعودٍ، وعمرُ بن عبد العَزِيزِ، والقاسِمُ، وعُرْوَةُ، وآلُ أبى بَكْرٍ، وآلُ عَلِىٍّ، وابنُ سِيرِينَ. وممَّن رَأَى ذلك سَعِيدُ بن المُسَيَّبِ، وطَاوُسٌ، وعبدُ الرحمنِ بن الأسْوَدِ، وموسى بن طَلْحَةَ ، والزُّهْرِيُّ، وعبدُ الرَّحْمَنِ بن أبي لَيْلَى، وابْنُه، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ. ورُوِىَ ذلك عن مُعَاذٍ، والحَسَنِ، وعبدِ الرَّحْمنِ بن يَزِيدَ. قال البُخَارِيُّ : وعامَلَ عمرُ الناسَ على أنَّه إن جاءَ عُمَرُ بالبَذْرِ من عندِه، فلَه الشَّطْرُ، وإن جاءُوا بالبَذْرِ، فلهم كذا. وكَرِهَها عِكْرِمَةُ، ومجاهِدٌ، والنَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ. ورُوِى عن ابنِ عَبَّاسٍ الأمْرانِ جَمِيعًا. وأجَازَها الشافِعِىُّ في الأرْضِ بين النَّخِيلِ، إذا كان بَيَاضُ الأرْضِ أقَلَّ، فإن كان أكْثَرَ فعلى وَجْهَيْنِ. ومَنَعَها في الأرْضِ البَيْضَاءِ؛ لما رَوَى رافِعُ بن خَدِيجٍ قال: كُنَّا نُخَابِرُ على عَهْدِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-. فذَكَرَ أنَّ بعضَ عُمُومَتِه أتاه، فقال: نَهَى رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- عن أمْرٍ كان لنا نافِعًا، وطَوَاعِيةُ رَسُولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنْفَعُ. قال، قُلْنا: ما ذاك؟ قال: قال
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الوكالة
الباب الأول في أركان الوكالة
كِتَابُ الْوَكَالَةِ الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي أَرْكَانِ الوكالة
وفيها ثلاثة أبواب:
الباب الأول: في أركانها، وهي النظر فيما فيه التوكيل، وفي الموكل.
والثاني: في أحكام الوكالة.
والثالث: في مخالفة الموكل للوكيل.
الباب الأول: في أركانها، وهي النظر فيما فيه التوكيل، وفي الموكل، وفي الموكل الركن الأول: في الموكل. واتفقوا على وكالة الغائب والمريض والمرأة المالكين لأمور أنفسهم. واختلفوا في وكالة الحاضر الذكر الصحيح. فقال مالك: تجوز وكالة الحاضر الصحيح الذكر، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: لا تجوز وكالة الصحيح الحاضر ولا المرأة إلا أن تكون برزة. فمن رأى أن الأصل لا ينوب فعل الغير عن فعل الغير إلا ما دعت إليه الضرورة وانعقد الإجماع عليه قال: لا تجوز نيابة من اختلف في نيابته. ومن رأى أن الأصل هو الجواز قال: الوكالة في كل شيء جائزة إلا فيما أجمع على أنه لا تصح فيه من العبادات وما جرى مجراها.
الركن الثاني: في الوكيل. وشرط الوكيل أن لا يكون ممنوعا بالشرع من تصرفه في الشيء الذي وكل فيه، فلا يصح توكيل الصبي ولا المجنون ولا المرأة عند مالك والشافعي على عقد النكاح. أما عند الشافعي فلا بمباشرة ولا بواسطة: أي بأن توكل هي من يلي عقد النكاح ويجوز عن مالك بالواسطة الذكر.
الركن الثالث: فما فيه التوكيل. وشرط محل التوكيل أن يكون قابلا للنيابة مثل البيع والحوالة والضمان وسائر العقود والفسوخ والشركة والوكالة والمصارفة والمجاعلة والمساقاة والطلاق والنكاح والخلع والصلح ولا تجوز في العبادات البدنية وتجوز في المالية كالصدقة والزكاة والحج. وتجوز عند مالك في الخصومة على الإقرار والإنكار، وقال الشافعي في أحد قوليه: لا تجوز على الإقرار، وشبه ذلك بالشهادة والأيمان، وتجوز الوكالة على استيفاء العقوبات عند مالك، وعند الشافعي مع الحضور قولان. والذين قالوا: إن الوكالة تجوز على
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الوكالة)
(مسألة)
وَرُوِيَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَكَّلَ أَبَا رَافِعٍ فِي تَزْوِيجِ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ. وَوَكَّلَ عَمْرَو بْنَ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيَّ فِي تَزْوِيجِ أُمِّ حَبِيبَةَ بِنْتِ أَبِي سُفْيَانَ.
وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَكَّلَ أَخَاهُ عَقِيلًا وَقَالَ إِنَّ لِلْخُصُومَاتِ قُحَمًا وَإِنَّهَا لَتَخْلُفُ وَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَحْضُرُهَا وَإِنِّي إِنْ حضرت خفت وأن أغضب إن غَضِبْتُ خِفْتُ أَلَّا أَقُولَ حَقًّا وَقَدْ وَكَّلْتُ أَخِي عَقِيلًا فَمَا قُضِيَ عَلَيْهِ فَعَلَيَّ وَمَا قُضِيَ لَهُ فَلِي.
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَا أَحْسَبُهُ كَانَ تَوْكِيلُهُ إِلَّا عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَلَعَلَّ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ.
وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَّلَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ عِنْدَ عُثْمَانَ لَمَّا كَبُرَ عَقِيلٌ فِي شِرْبٍ كَانَ يُنَازِعُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ فَرَكِبَ عُثْمَانُ فِي نَفَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَا يَتَحَاكَمَانِ فِيهِ حَتَّى أَصْلَحَ بَيْنَهُمَا فِي الشِّرْبِ فَصَارَ هَذَا إِجْمَاعًا مِنْهُمْ عَلَى جَوَازِ الْوَكَالَةِ.
وَلِأَنَّ الْوَكَالَةَ مَعُونَةٌ إِمَّا لِمَنْ أَحَبَّ صِيَانَةَ نَفْسِهِ عَنِ الْبِذْلَةِ فِيهَا وَإِمَّا لِمَنْ عَجَزَ عَنِ الْقِيَامِ بِهَا وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مُبَاحٌ وَحَاجَةُ النَّاسِ إِلَيْهِ أَشَدُّ مَاسَّةً.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الْوَكَالَةِ فَالْوَكَالَةُ فِي اللُّغَةِ اسْمٌ يَنْطَلِقُ عَلَى الْحِفْظِ وَالْمُرَاعَاةِ لِمَا عَلَى الْوَكِيلِ مِنْ حفظ كل فِيهِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى: {أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلا} النساء: ٣٩ أَيْ حَفِيظًا.
ارجع إلى أركان الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.