الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الوكالة > توكيل المسلم الكافر في النكاح
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةأمَرَ ذِميًّا ببَيعِ خَمرٍ أو خِنزيرٍ خَلَفَه ذِميٌّ آخَرُ، وهو لا يَلي التَصرُّفَ بنَفْسِه، وبِالذمِّيِّ إذا أوْصَى لِمُسلِمٍ وقَد ترَكهُما؛ فإنَّ الوَصِيَّ يُوكِّلُ ذِميًّا بالبَيعِ والقِسمةِ، وهو لا يَلي ذلك بنَفْسِه.
والقِياسُ على تَزويجِ المَجوسيِّ مَدفوعٌ؛ فإنَّ حُقوقَ العَقدِ في النِّكاحِ تَرجِعُ إلى المُوكِّلِ، والوَكيلُ سَفيرٌ لا غيرُ (١).
٤ - تَوكيلُ المُسلِمِ الكافِرَ في النِّكاحِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في المُسلِمِ هَلْ يَجوزُ له أنْ يُوكِّلَ الكافِرَ في إيجابِ النِّكاحِ له أو لا يَجوزُ؟
فَذهَب المالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه يَجوزُ لِلمُسلِمِ أنْ يُوكِّلَ الذمِّيَّ في قَبولِ النِّكاحِ له (٢).
وذهَب الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَصحُّ تَوكيلُ كافِرٍ في إيجابِ نِكاحِ مُسلِمةٍ أو قَبولِه؛ لأنَّه لا يَملِكُ قَبولَ نِكاحِها لِنَفْسِه، فلَمْ يَصحَّ أنْ يُوكَّل فيه لِغيرِه، وكذا لا يَصحُّ عندَ الشَّافِعيَّةِ تَوكيلُ كافِرٍ مُسلِمًا في تَزويجِ ابنَتِه، ولا تَوكيلُ مُسلِمٍ مَجوسيًّا في تَزويجِ مُوَليَتِه. وهو أيضًا اتِّجاهٌ عندَ الحَنابِلةِ، قالوا: ويُتَّجَهُ فلا يَصحُّ أنْ يُوكَّل مُسلِمٌ عن كافِرٍ في نِكاحِ ابنَتِه؛ لأنَّه
(١) «العناية شرح الهداية» (٩/ ١٥٩، ١٦٠)، و «المبسوط» (١٥/ ٧١)، و «شرح فتح القدير» (٧/ ٥١٠)، و «تبيين الحقائق» (٤/ ٢٥٤)، و «حاشية ابن عابدين» (٧/ ٢٧٢)، و «درر الحكام» (٣/ ٥٥١).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٦٧)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٧٦)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٨/ ٨١)، و «مجموع الفتوى» (٣٢/ ١٧، ١٨).
مِنْ شُروطِ الوِلايةِ اتِّفاقُ الدِّينَيْنِ، إلَّا في سَيِّدٍ زوَّج أَمَتَه الكافِرةَ لِكافِرٍ؛ فيَصحُّ مُطلَقًا: أي: سَواءٌ أكانَ المُوكِّلُ الكافِرُ كِتابيًّا أم غيرَ كِتابيٍّ، كَعَكسِهِ: أي: كما لا يَصحُّ أنْ يُوكَّل كافِرٌ عن مُسلِمٍ في تَزويجِ ابنَتِه (١).
وقالَ الشَّافِعيَّةُ: وإنْ وكَّل المُسلِمُ ذِميًّا لِيَقبَلَ له النِّكاحَ على ذِميَّةٍ صَحَّ؛ لأنَّ الذمِّيَّ يَملِكُ قَبولَ نِكاحِها لِنَفْسِه، فصَحَّ تَوكيلُه فيها.
قالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: فأمَّا الكافِرُ فلا يَجوزُ أنْ يُوكَّل فيما فيه وِلايةٌ على مُسلِمٍ، ولا في نِكاحِ مُسلِمٍ، لا مِنْ جِهةِ الزَّوجِ، ولا مِنْ جِهةِ الزَّوجةِ؛ لأنَّ نِكاحَ المُسلِمِ لا يَنعَقِدُ بكافِرٍ بحالٍ، ولكنْ يَجوزُ أنْ يَكونَ وَكيلًا في نِكاحِ كافِرٍ (٢).
وَقَدْ سُئِلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميَّةَ رحمة الله عليه: عن رَجُلٍ وكَّل ذِميًّا في قَبولِ نِكاحِ امرَأةٍ مُسلِمةٍ، هَلْ يَصحُّ النِّكاحُ؟
الجَوابُ: الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمينَ، هذه المَسألةُ فيها نِزاعٌ؛ فإنَّ الوَكيلَ في قَبولِ النِّكاحِ لا بدَّ أنْ يَكونَ ممَّن يَصحُّ مِنه قَبولُه النِّكاحَ لِنَفْسِه في الجُملةِ، فلَو وكَّل امرَأةً، أو مَجنونًا، أو صَبِيًّا غيرَ مُميِّزٍ لَم يَجُزْ، ولكنْ إذا كانَ الوَكيلُ ممَّن يَصحُّ مِنه قَبولُ النِّكاحِ بإذْنِ وَليِّه، ولا يَصحُّ مِنه القَبولُ
(١) «مطالب أولي النهى» (٣/ ٤٣٣)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٣٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٠٤).
(٢) «الحاوي الكبير» (٦/ ٥٠٦)، و «العباب» (٦٨٥)، و «البيان» (٦/ ٤٠٥)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٤٩٧)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٩٥)، و «الأشباه والنظائر» (٢٩٣).
بدُونِ إذْنِ وَليِّه، فوكَّل في ذلك، مثلَ أنْ يُوكِّلَ عَبدًا في قَبولِ النِّكاحِ بلا إذْنِ سَيِّدِه، أو يُوكِّلَ سَفيهًا مَحجورًا عليه بدُونِ إذْنِ وَليِّه، أو يُوكِّلَ صَبِيًّا مُميِّزًا بدُونِ إذْنِ وَليِّه، فهذا فيه قَولانِ لِلعُلماءِ في مَذهبِ أحمدَ وغيرِه، وإنْ كانَ يَصحُّ مِنه قَبولُ النِّكاحِ بغيرِ إذْنٍ، لكنْ في الصُّورةِ المُعيَّنةِ لا يَجوزُ لِمانِعٍ فيه، مثلَ أنْ يُوكِّلَ في نِكاحِ الأَمَةِ مَنْ لا يَجوزُ له تَزوُّجُها، صَحَّتِ الوَكالةُ.
وأمَّا تَوكيلُ الذِّميِّ في قَبولِ النِّكاحِ له فهو يُشبِهُ تَزويجَ الذِّميِّ ابنَتَه الذِّميَّةِ بمُسلِمٍ، ولو زوَّجها بذِميٍّ جازَ، ولكنْ إذا زوَّجها بمُسلِمٍ ففيها قَولانِ في مَذهبِ أحمدَ وغيرِه، قيلَ: يَجوزُ، وقيلَ: لا يَجوزُ، بَلْ يُوكِّلُ مُسلِمًا، وقيلَ: لا يُزوِّجُها إلَّا الحاكِمُ بإذْنِه، وكَونُه وَليًّا في تَزويجِ المُسلِمِ، مِثلُ كَونِه وَكيلًا في تَزويجِ المُسلِمةِ.
وَمَنْ قالَ: إنَّ ذلك كلَّه جائِزٌ، قالَ: إنَّ المِلْكَ في النِّكاحِ يَحصُلُ لِلزَّوجِ، لا لِلوَكيلِ، باتِّفاقِ العُلماءِ، بخِلافِ المِلْكِ في غيرِه؛ فإنَّ الفُقهاءَ تَنازَعوا في ذلك، فمَذهبُ الشَّافِعيِّ وأحمدَ وغيرِهِما أنَّ حُقوقَ العَقدِ تَتعلَّقُ بالمُوكِّلِ، والمِلْكُ يَحصُلُ له، فلَو وكَّل مُسلِمٌ ذِميًّا في شِراءِ خَمرٍ لَم يَجُزْ، وأبو حَنيفةَ يُخالِفُ في ذلك، وإذا كانَ المِلْكُ يَحصُلُ لِلزَّوجِ، وهو المُوكِّلُ لِلمُسلِمِ، فتَوكيلُ الذِّميِّ بمَنزِلةِ تَوكيلِه في تَزويجِ المَرأةِ بعضَ مَحارِمِها، كَخالِها؛ فإنَّه يَجوزُ تَوكيلُه في قَبولِ نِكاحِها لِلمُوكِّلِ، وإنْ كانَ لا يَجوزُ له تَزوُّجُها. كَذلك الذمِّيُّ إذا وُكِّلَ في نِكاحِ مُسلِمٍ، وإنْ كانَ لا يَجوزُ له تَزويجُ المُسلِمةِ، لكنَّ الأحوَطَ ألَّا يَفعَلَ ذلك؛ لِمَا فيه مِنْ النِّزاعِ، ولأنَّ النِّكاحَ فيه شَوْبُ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوكالة
فصل في بيان حكم التوكيل
اشْتَرِ لِي دَارًا لَا يَصِحُّ؛ لِأَنَّ بَيْنَ الدَّارِ وَالدَّارِ تَفَاوُتًا فَاحِشًا فَإِنْ عَيَّنَ الدَّارَ يَجُوزُ وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ الثَّمَنَ جَازَ أَيْضًا وَيَقَعُ عَلَى دُورِ الْمِصْرِ الَّذِي وَقَّعَ فِيهِ الْوَكِيلُ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ.
وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّوْكِيلُ بَعْدَ بَيَانِ الثَّمَنِ حَتَّى يُعَيِّنَ مِصْرًا مِنْ الْأَمْصَارِ وَلَوْ قَالَ: اشْتَرِ لِي دَارًا فِي مَوْضِعِ كَذَا، أَوْ حَبَّةَ لُؤْلُؤٍ أَوْ فَصَّ يَاقُوتٍ أَحْمَرَ وَلَمْ يُسَمِّ الثَّمَنَ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ التَّفَاوُتَ مُتَفَاحِشٌ وَالصِّفَةَ لَا تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِحَالِ الْمُوَكِّلِ فَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ الثَّمَنِ وَإِنْ كَانَ اسْمُ مَا وَقَعَ التَّوْكِيلُ بِشِرَائِهِ لَا يَقَعُ إلَّا عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ يُكْتَفَى فِيهِ بِذِكْرِ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا الصِّفَةُ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا تُرْكِيًّا، أَوْ مِقْدَارُ الثَّمَنِ بِأَنْ قَالَ: اشْتَرِ لِي عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ الْجَهَالَةَ تَقِلُّ بِذِكْرِ أَحَدِهِمَا، وَبِحَالِ الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الصِّفَةَ تَصِيرُ مَعْلُومَةً بِذِكْرِ الثَّمَنِ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا وَإِذَا ذَكَرَ الصِّفَةَ يَصِيرُ الثَّمَنُ مَعْلُومًا بِحَالِ الْآمِرِ، فِيمَا يَشْتَرِيهِ أَمْثَالُهُ عَادَةً حَتَّى إنَّهُ لَوْ خَرَجَ الْمُشْتَرِي عَنْ عَادَةِ أَمْثَالِهِ لَا يَلْزَمُ الْمُوَكِّلَ.
ارجع إلى أركان الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.