ثالثا: الأمور التي لا يصح التوكيل فيها بالإتفاق

الإسلام > الشركات والإجارات > أركان الوكالة > ثالثا: الأمور التي لا يصح التوكيل فيها بالإتفاق

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

ثالثا: الأمور التي لا يصح التوكيل فيها بالإتفاق - الأقوال والأدلة

ثالِثًا: الأُمورُ التي لا يَصحُّ التَّوكيلُ فيها بالاتِّفاقِ:

التَّوكيلُ في الصَّلاةِ:

أَجمَع أهلُ العِلمِ على أنَّه لا يَصحُّ التَّوكيلُ ولا النِّيابةُ في الصَّلاةِ بحالٍ؛ لأنَّ المَقصودَ مِنْ العِبادةِ البَدنيَّةِ إتْعابُ البَدَنِ وقَهْرُ النَّفسِ الأمَّارةِ بالسُّوءِ، وامتِحانُ المُكَلَّفِ، ولا يَحصُلُ بفِعلِ النَّائِبِ، ولأنَّ المَصلَحةَ التي اشتَمَلَتْ عليها هي الخُضوعُ والخُشوعُ وإجلالُ الرَّبِّ وإظهارُ العُبوديةِ له، ولا يَلزَمُ مِنْ خُضوعِ الوَكيلِ خُضوعُ المُوكِّلِ؛ فإذا فَعلَها غيرُه فاتَتِ المَصلَحةُ التي طَلبَها الشَّارِعُ مِنْ كلِّ مُكَلَّفٍ.

ولأنَّ الصَّلاةَ مِنْ الواجِبِ الذي تُعُبِّدَ به الإنسانُ في عَينهِ؛ لأنَّ ما تُعُبِّدَ به في عَينِه، كالوُضوءِ والصَّلاةِ، لا يَصحُّ أنْ يَنوبَ عنه في ذلك غيرُه (١).

قالَ ابنُ العَرَبيِّ رحمة الله عليه: ولا تَجوزُ النِّيابةُ فيها بحالٍ -أي: الصَّلاةِ- بإجماعِ الأُمَّةِ، وإنَّما يُؤدِّيها المُكَلَّفُ ولو بأشفارِ عَيْنَيْه، إلَّا في رَكعَتَيِ الطَّوافِ (٢).

(١) «ابن عابدين» (١/ ٣٥٥)، و «حاشية الدسوقي» (٣/ ٥٦)، و «المقدمات الممهدات» (٣/ ٥١)، و «البيان» (٦/ ٣٩٦)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٤٨٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٩٦)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٢٦)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣١)، و «الديباج» (٢/ ٣٠٥)، و «كنز الراغبين» (٢/ ٨٤٦)، و «المغني» (٥/ ٥٣)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٢٠٥)، و «المبدع» (٤/ ٣٥٨)، و «الإنصاف» (٥/ ٣٥٨)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٤١)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٠٧).
(٢) «أحكام القرآن» لابن العربي (٣/ ٢٢١).

وقالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ وسائِرُ العُلماءِ إلى أنَّ النِّيابةَ في الصَّلاةِ لا تَصحُّ بحالٍ، مَع قُدرةٍ ولا عَجزٍ؛ لأنَّ الصَّلاةَ كالإيمانِ، لأنَّها قَولٌ وعَمَلٌ ونِيَّةٌ، ثم لَم تَجُزِ النِّيابةُ في الإيمانِ إجماعًا، فلَمْ تَجُزْ في الصَّلاةِ حِجَاجًا، فأمَّا رَكعَتا الطَّوافِ؛ فلأنَّها تَبَعٌ لِمَا تَصحُّ فيه النِّيابةُ، فخُصَّتْ بالجَوازِ؛ لِاختِصاصِها بالمَعنى (١).

قالَ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: المَقصودُ الأصلِيُّ مِنْ التَّكاليفِ الِابتِلاءُ؛ لِيَظهَرَ مِنْ المُكَلَّفِ ما سبَق العِلمُ الأزَلِيُّ بوُقوعِه مِنه مِنْ الِامتِثالِ بالصَّبرِ على ما أُمِرَ به تارِكًا هَوَى نَفْسِه، لِإقامةِ أمْرِ رَبِّه فيُثابَ، أو من المُخالَفةِ فيُعفَى عنه، أو يُعاقَبَ، فتحقَّقَ بذلك آثارُ صِفاتِه تَعالى؛ فإنَّه تَعالى اقتَضَتْ حِكمَتُه الباهِرةُ وكمالُ فَضلِه وإحسانِه ألَّا يُعذِّبَ بما علِم أنَّه سَيَقَعُ مِنْ المُخالَفةِ قبلَ ظُهورِه عن اختِيارِ المُكَلَّفِ.

ثم مِنْ التَّكاليفِ العِباداتُ، وهي بَدنيَّةٌ وماليَّةٌ ومُرَكَّبةٌ مِنهُما، والمَشقَّةُ في البَدنيَّةِ تُقيِّدُ الجَوارِحَ والنَّفْسَ بالأفعالِ المَخصوصةِ في مَقامِ الخِدمةِ، وفي الماليَّةِ في تَنقيصِ المالِ المَحبوبِ لِلنَّفْسِ، وفيها مَقصودٌ آخَرُ، وهو سَدُّ حاجةِ المُحتاجِ، والمَشقَّةُ فيها ليسَتْ به، بَلِ التَّنقيصُ، فكلُّ ما تَضمَّن المَشقَّةَ لا يَخرُجُ عن عُهدَتِه، إلَّا بفِعلِه بنَفْسِه؛ إذْ بذلك يَتحقَّقُ مَقصودُ الِابتِلاءِ والِاختِبارِ؛ فلِذا لَم تَجُزِ النِّيابةُ في

(١) «الحاوي الكبير» (١٥/ ٣١٣، ٣١٤).

البَدنيَّةِ؛ لأنَّ فِعلَ غيرِه لا يَتحقَّقُ به الِاشتِقاقُ على نَفْسِه بمُخالَفةِ هَواها بالصَّبرِ عليه (١).

وقالَ الشَّافِعيَّةُ: يُشترَطُ في المُوكَّلِ فيه أنْ يَكونَ قابِلًا لِلنِّيابةِ؛ لأنَّ التَّوكيلَ إنابةٌ، فما لا يَقبَلُها لا يَقبَلُ التَّوكيلَ، فلا يَصحُّ التَّوكيلُ في عِبادةٍ، كالصَّلاةِ والصَّومِ والِاعتِكافِ؛ وإنْ لَم تَحتَجْ إلى نِيَّةٍ؛ لأنَّ المَقصودَ مِنها ابتِلاءُ الشَّخصِ وامتِحانُه، إلَّا الحَجَّ عندَ العَجزِ، والعُمرةَ؛ لِلأحاديثِ السَّابِقةِ، ويَندَرِجُ فيهِما تَوابِعُهما، كَرَكعَتَيِ الطَّوافِ، وإنْ كانَتِ الصَّلاةُ ممَّا لا تَصحُّ فيها النِّيابةُ، وتَفرِقةِ الزَّكاةِ، والكَفَّاراتِ، وصَدَقةِ التَّطوُّعِ، وذَبْحِ الهَدايا والعَقيقةِ وشاةِ الوَليمةِ.

قالَ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: وجُملةُ الأعمالِ أنَّها تَنقَسِمُ إلى أربَعةِ أقسامٍ: قِسمٍ يَجوزُ فيه التَّوكيلُ مَع العَجزِ والقُدرةِ، وقِسمٍ لا يَجوزُ التَّوكيلُ فيه، مَع العَجزِ والقُدرةِ، وقِسمٍ يَجوزُ التَّوكيلُ فيه مَع العَجزِ، ولا يَجوزُ مَع القُدرةِ، وقِسمٍ لا يَجوزُ التَّوكيلُ فيه مَع القُدرةِ، واختَلَفوا في جَوازِ التَّوكيلِ فيه مَع العَجزِ.

فأمَّا القِسمُ الأوَّلُ … ثم ذكَره.

وأمَّا القِسمُ الثَّاني وهو ما لا يَجوزُ التَّوكيلُ فيه مَع القُدرةِ والعَجزِ، فهو ما كانَ مِنْ العِباداتِ التي وُضِعَتْ إخلاصًا، كالصَّلاةِ، أو زَجرًا، كالأيمانِ واللِّعَانِ.

(١) «شرح فتح القدير» (٣/ ١٤٥، ١٤٦).

فأمَّا الطَّهارةُ فتَنقَسِمُ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ: قِسمٍ يَجوزُ فيه التَّوكيلُ والنِّيابةُ، وهو إزالةُ النَّجاسةِ.

وَقِسمٍ لا يَجوزُ فيه التَّوكيلُ، وهو رَفعُ الحَدَثِ؛ لأنَّ المَقصودَ مِنه الإخلاصُ والعَملُ بالنِّيَّةِ، فلَو أنَّ رَجُلًا أمَرَّ على أعضاءِ رَجُلٍ بأمْرٍ ونَوَى المَغسولةُ أعضاؤُه الطَّهارةَ لِلصَّلاةِ جازَ، ولَم تَكُنْ هذه وَكالةً، وكانَتْ مَعونةً، كما يُعاوِنُه باستِقاءِ الماءِ، وبِإعارةِ ثَوبٍ.

والقِسمُ الثَّالثُ مِنْ الطَّهارةِ ما سقَط فَرضُه بفِعلِ الآخَرينَ، مِنْ غيرِ أنْ يَكونَ وَكالةً، وهو غُسلُ المَيِّتِ، وهو فَرضٌ على الكِفايةِ، فإذا فَعلَه أحَدُهم أُسقِطَ به الفَرضُ عن غيرِه، وإنْ لَم يَكُنْ وَكيلًا (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: لا يَصحُّ التَّوكيلُ في عِبادةٍ بَدنيَّةٍ مَحضةٍ لا تَتعلَّقُ بالمالِ، كَصَلاةٍ وصَومٍ وطَهارةٍ مِنْ حَدَثٍ أصغَرَ أو أكبَرَ، ونحوِه، كاعتِكافٍ وغُسلِ جُمُعةٍ وتَجديدِ وُضُوءٍ، فلا تَصحُّ الوَكالةُ فيها؛ لأنَّها تَتعلَّقُ ببَدَنِ مَنْ هي عليه؛ لأنَّ الثَّوابَ عليه لِأمْرٍ يَخُصُّ المُعتَكِفَ، وهو لُبثُ ذاتِه في المَسجِدِ، فلا تَدخُلُه النِّيابةُ.

وأمَّا الوَكالةُ في تَطهيرِ البَدَنِ والثَّوبِ مِنْ النَّجاسةِ فتَصحُّ؛ لأنَّها مِنْ التُّرُوكِ.

(١) «الحاوي الكبير» (٦/ ٤٩٧)، و «البيان» (٦/ ٣٩٦)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٤٨٩، ٤٩٠)، و «شرح مسلم» (٩/ ٩٨)، و «المجموع» (٧/ ٦٩)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٩٦)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٢٦)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣١)، و «كنز الراغبين» (٢/ ٨٤٧)، و «الديباج» (٢/ ٣٠٥).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الشركة
فصل في بيان شرائط جواز أنواع الشركة

وَشَارَكْنَا قُرَيْشًا فِي تُقَاهَا … وَفِي أَحْسَابِهَا شِرْكَ الْعِنَانِ.

(وَأَمَّا) .

الْمُفَاوَضَةُ: فَقَدْ قِيلَ: إنَّهَا الْمُسَاوَاةُ فِي اللُّغَةِ قَالَ الْقَائِلُ وَهُوَ الْعَبْدِيُّ:

تُهْدَى الْأُمُورُ بِأَهْلِ الرَّأْيِ مَا صَلُحَتْ … فَإِنْ تَوَلَّتْ فَبِالْأَشْرَارِ تَنْقَادُ

لَا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ … وَلَا سَرَاةٌ إذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا

سُمِّيَ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الشَّرِكَةِ مُفَاوَضَةً؛ لِاعْتِبَارِ الْمُسَاوَاةِ فِيهِ فِي رَأْسِ الْمَالِ وَالرِّبْحِ وَالتَّصَرُّفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ عَلَى مَا نَذْكُرُ.

وَقِيلَ هِيَ مِنْ التَّفْوِيضِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُفَوِّضُ التَّصَرُّفَ إلَى صَاحِبِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.

(وَأَمَّا) الْكَلَامُ فِي شَرِكَةِ الْأَعْمَالِ وَالْوُجُوهِ (فَوَجْهُ) قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رحمة الله عليه أَنَّ الشَّرِكَةَ تُنْبِئُ عَنْ الِاخْتِلَاطِ، وَلِهَذَا شَرَطَ الْخَلْطَ لِجَوَازِ الشَّرِكَةِ؛ وَلَا يَقَعُ الِاخْتِلَاطُ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ، وَكَذَا مَا وُضِعَ لَهُ الشَّرِكَةَ لَا يَتَحَقَّقُ فِي هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ؛ لِأَنَّهَا وُضِعَتْ لِاسْتِنْمَاءِ الْمَالِ بِالتِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ نَمَاءَ الْمَالِ بِالتِّجَارَةِ وَالنَّاسُ فِي الِاهْتِدَاءِ إلَى التِّجَارَةِ مُخْتَلِفُونَ، بَعْضُهُمْ أَهْدَى مِنْ الْبَعْضِ، فَشُرِعَتْ الشَّرِكَةُ؛ لِتَحْصِيلِ غَرَضِ الِاسْتِنْمَاءِ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَصْلٍ يُسْتَنْمَى، وَلَمْ يُوجَدْ فِي هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ فَلَا يَحْصُلُ مَا وُضِعَ لَهُ الشَّرِكَةُ فَلَا يَجُوزُ.

(وَلَنَا) : أَنَّ النَّاسَ يَتَعَامَلُونَ بِهَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ عَلَيْهِمْ مِنْ أَحَدٍ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 362 - 365

ارجع إلى أركان الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
الله أكبر