الإسلام > الشركات والإجارات > انتهاء الوكالة > ثالثا: موت الوكيل
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةثالِثًا: مَوتُ الوَكيلِ:
لا خِلافَ بَينِ فُقهاءِ المَذاهبِ على أنَّ الوَكالةَ تَبطُلُ بمَوتِ الوَكيلِ؛ لأنَّ المَوتَ مُبطِلٌ لِأهلِيَّةِ التَصرُّفِ، ولا تُورَثُ الوَكالةُ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وتَبطُلُ الوَكالةُ بمَوتِ أحَدِهِما، أيَّهما كانَ -الوَكيلَ أو المُوكِّلَ- وجُنونِه المُطبِقِ، ولا خِلافَ في هذا كلِّه فيما نَعلَمُ (١).
رابِعًا: جُنونُ الوَكيلِ أو المُوكِّلِ:
لا خِلافَ بَينِ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ -إلَّا قَولًا يُحكَى عندَ الحَنابِلةِ (٢) - في أنَّ الوَكالةَ تَبطُلُ بالجُنونِ مِنْ أحَدِهِما، الوَكيلِ أوِ المُوكِّلِ، إذا كانَ مُطبِقًا، أي: مُستَوعِبًا؛ لأنَّه خرَج عن أنْ يَكونَ مِنْ أهلِ التَصرُّفِ، فبطَلتِ الوَكالةُ بذلك؛ لأنَّ الوَكيلَ يَتصرَّفُ مِنْ طَريقِ الآمِرِ وبِجُنونِه يَبطُلُ أمْرُه، فيَحصُلُ تَصرُّفُه بغيرِ أمْرٍ، فلا يَجوزُ.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وتَبطُلُ الوَكالةُ بمَوتِ أحَدِهِما، أيَّهما كانَ -الوَكيلَ أوِ المُوكِّلَ- وجُنونِه المُطبِقِ ولا خِلافَ في هذا كلِّه فيما نَعلَمُ …
(١) «المغني» (٥/ ٧١)، والمصادر السابقة.
(٢) قالَ المرداويُّ في «الإنصاف» (٥/ ٣٦٨): وتبطلُ بالجُنونِ على الصحيحِ مِنْ المَذهبِ، وعليهِ أكثرُ الأصحابِ. قالَ في «المُغنى والشَّرح»: تبطلُ بالجُنونِ المُطبِقِ بغَيرِ خلافٍ عِلمْناهُ، وجزَمَ بهِ في «الهداية، والمذهبِ، والمستوعبِ، والخلاصةِ، والنَّظمِ» وغَيرِهم، وقدَّمه في «الفروع» وغَيرِه، وقيلَ: لا تبطلُ بهِ، وأطلَقَهُما في «التلخيصِ، والمحرّرِ، والرّعايتَينِ، والحاويَيْنِ، والفائقِ».
ومتى خرَج أحَدُهما عن كَونِه مِنْ أهلِ التَصرُّفِ، مثلَ أنْ يُجَنَّ أو يُحجَرَ عليه لِسَفَهٍ، فحُكمُه حُكمُ المَوتِ؛ لأنَّه لا يَملِكُ التَصرُّفَ، فلا يَملِكُه غيرُه مِنْ جِهَتِه (١).
إلَّا أنَّهم اختَلَفوا في حَدِّ الجُنونِ المُطبِقِ.
فعندَ أبي يُوسفَ -وهو مَحكِيٌّ عن أبي حَنيفةَ- أنَّ الجُنونَ المُطبِقَ ما يَستَوعِبُ الشَّهرَ؛ لأنَّ هذا القَدْرَ أدنَى ما يَسقُطُ به عِبادةُ الصَّومِ، فكانَ التَّقديرُ به أَوْلَى.
وعن أبي يُوسفَ رحمة الله عليه: ما كانَ أكثَرَ مِنْ يَومٍ ولَيلةٍ؛ لأنَّه تَسقُطُ به الصَّلَواتُ الخَمسُ.
وعندَ مُحمَّدٍ رحمة الله عليه: حَدُّه ما يَستَوعِبُ الحَوْلَ؛ لأنَّ المُستَوعِبَ لِلحَوْلِ هو المُسقِطُ لِلعِباداتِ كلِّها، فكانَ التَّقديرُ به أَوْلَى (٢).
(١) «المغني» (٥/ ٧١).
(٢) «بدائع الصنائع» (٦/ ٣٨)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٧٧)، و «الاختيار» (٣/ ١٩٦)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٩٣، ٤٩٤)، و «اللباب» (١/ ٥٦٢)، و «مجمع الأنهر» (٣/ ٣٣٩)، و «الهندية» (٣/ ٣٦٧، ٣٦٨)، و «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٥/ ٨٣)، و «منح الجليل» (٦/ ٤١٧)، و «البيان» (٦/ ٤٥٥)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٥٢٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٢١٧)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٦٢)، و «كنز الراغبين» (٢/ ٨٧٠)، و «الديباج» (٢/ ٣٢٣)، و «المغني» (٥/ ٧١)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٢١٣)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٤٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥١٧)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٤٥٨).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الوكالة
فصل في بيان ما يخرج به الوكيل عن الوكالة
مَالِ نَفْسِهِ، يَرْجِعُ بِمَا قَضَى عَلَى الْمُوَكِّلِ؛ لِأَنَّ الْآمِرَ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْ مَالِ غَيْرِهِ اسْتِقْرَاضٌ مِنْهُ، وَالْمُقْرِضُ يَرْجِعُ عَلَى الْمُسْتَقْرِضِ بِمَا أَقْرَضَهُ.
وَكَذَلِكَ الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ مِنْ غَيْرِ دَفْعِ الثَّمَنِ إلَى الْوَكِيلِ تَوْكِيلٌ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ وَهُوَ الثَّمَنُ وَالْوَكِيلُ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ: إذَا قَضَى مِنْ مَالِ نَفْسِهِ، يَرْجِعُ عَلَى الْمُوَكِّلِ.
فَكَذَا الْوَكِيلُ بِالشِّرَاءِ، وَلَهُ أَنْ يَحْبِسَ الْمَبِيعَ؛ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ مِنْ الْمُوَكِّلِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الثَّلَاثَةِ، وَعِنْدَ زُفَرَ: لَيْسَ لَهُ حَبْسُهُ.
(وَجْهُ) قَوْلِهِ أَنَّ الْمَبِيعَ أَمَانَةٌ فِي يَدِ الْوَكِيلِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ فِي يَدِهِ فَالْهَلَاكُ عَلَى الْمُوَكِّلِ حَتَّى لَا يَسْقُطَ الثَّمَنُ عَنْهُ وَلَيْسَ لِلْأَمِينِ حَبْسُ الْأَمَانَةِ بَعْدَ طَلَبِ أَهْلِهَا، قَالَ اللَّهُ - تَعَالَى -: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ النساء: ٥٨ فَصَارَ كَالْوَدِيعَةِ.
(وَلَنَا) أَنَّهُ عَاقِدٌ وَجَبَ الثَّمَنُ لَهُ عَلَى مَنْ وَقَعَ لَهُ حُكْمُ الْبَيْعِ - ضَمَانًا لِلْمَبِيعِ، فَكَانَ لَهُ حَقُّ حَبْسِ الْمَبِيعِ؛ لِاسْتِيفَاءِ الثَّمَنِ، كَالْبَائِعِ مَعَ الْمُشْتَرِي - وَإِذَا طَلَبَ مِنْهُ الْمُوَكِّلُ، فَحَبَسَهُ حَتَّى هَلَكَ كَانَ مَضْمُونًا عَلَيْهِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا.
لَكِنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ الضَّمَانِ، قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ: يَكُونُ مَضْمُونًا ضَمَانَ الْبَيْعِ.
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: يَكُونُ مَضْمُونًا ضَمَانَ الرَّهْنِ.
وَقَالَ زُفَرُ: يَكُونُ مَضْمُونًا ضَمَانَ الْغَصْبِ.
ارجع إلى انتهاء الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.