سابعا: الردة

الإسلام > الشركات والإجارات > انتهاء الوكالة > سابعا: الردة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

سابعا: الردة - الأقوال والأدلة

مالِه؛ لِانقِطاعِ تَصرُّفِه فيه، بخِلافِ ما لو وكَّل في تَصرُّفٍ في الذِّمةِ أو في ضَمانٍ أو اقتِراضٍ (١).

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ومتى خرَج أحَدُهما عن كَونِه مِنْ أهلِ التَصرُّفِ، مثلَ أنْ يُجَنَّ أو يُحجَرَ عليه لِسَفَهٍ، فحُكمُه حُكمُ المَوتِ؛ لأنَّه لا يَملِكُ التَصرُّفَ، فلا يَملِكُه غيرُه مِنْ جِهَتِه.

قالَ أحمَدُ رحمة الله عليه في الشَّرِكةِ: إذا وَسوَسَ أحَدُهما فهو مِثلُ العَزلِ.

وإنْ حُجِرَ على الوَكيلِ لِفَلَسٍ، فالوَكالةُ بحالِها؛ لأنَّه لَم يَخرُجْ عن كَونِه أهلًا لِلتَصرُّفِ، وإنْ حُجِرَ على المُوكِّلِ وكانَتِ الوَكالةُ في أعيانِ مالِه بطَلتْ؛ لِانقِطاعِ تَصرُّفِه في أعيانِ مالِه.

وإنْ كانَتْ في الخُصومةِ أوِ الشِّراءِ في الذِّمةِ أوِ الطَّلاقِ أو الخُلعِ، أوِ القِصاصِ، فالوَكالةُ بحالِها؛ لأنَّ المُوكِّلَ أهْلٌ لِذلك، وله أنْ يَستَنيبَ فيه ابتِداءً، فلا تَنقَطِعَ الاستِدامةُ (٢).

سابِعًا: الرِّدَّةُ:

اختَلفَ الفُقهاءُ فيما لو ارتَدَّ الوَكيلُ أو المُرتَدُّ عن الإسلامِ -والعِياذُ باللَّهِ-، هَلْ تَنفسِخُ الوَكالةُ؟ أو تَبقَى حتى يَلحَقَ بدارِ الحَربِ ويُحكَمَ برِدَّتِه ولُحوقِهِ؟

(١) «كشاف القناع» (٣/ ٥٤٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥١٤، ٥١٥)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٤٥٣، ٤٥٤).
(٢) «المغني» (٥/ ٧١، ٧٢)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٢١٣).

فَذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ -على تَفصيلٍ سَيَأتي- والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّ الوَكالةَ تَبطُلُ بالرِّدَّةِ.

قالَ الحَنفيَّةُ: إذا لَحِقَ المُوكِّلُ بدارِ الحَربِ مُرتَدًّا بطَلتْ وَكالَتُه عندَ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّ تَصرُّفاتِ المُرتَدِّ مَوقوفةٌ عندَه، فكانَتْ وَكالةُ الوَكيلِ مَوقوفةً أيضًا؛ فَإنْ أسلَمَ المُوكِّلُ نُفِّذَتْ، وهو على وِكالَتِه، وإنْ قُتِلَ أو لَحِقَ بدارِ الحَربِ بطَلتْ.

وَعندَهُما: لا يَخرُجُ به الوَكيلُ عن الوَكالةِ؛ لأنَّ تَصرُّفاتِه نافِذةٌ، فكذا الوَكالةُ، إلَّا أنْ يَموتَ أو يُقتَلَ على رِدَّتِه أو يُحكَمَ بلَحاقِه.

وإنْ كانَ المُوكِّلُ امرَأةً فارتَدَتْ، فالوَكيلُ على وَكالَتِه حتى تَموتَ أو تَلحَقَ بدارِ الحَربِ ويُحكَمَ بلَحاقِها إجماعًا؛ لأنَّ رِدَّةَ المَرأةِ لا تَمنَعُ نَفاذَ تَصرُّفِها، ولا تُؤَثِّرُ في عُقودِها، ولا تُزيلُ أملاكَها؛ لأنَّها لا تَقتُلُ، ما خَلا التَّوكيلَ بالتَّزويجِ؛ فإنَّ رِدَّتَها تُخرِجُ الوَكيلَ به مِنْ الوَكالةِ؛ لأنَّها حِينَ كانَتْ مالِكةً لِلعَقدِ وَقتَ التَّوكيلِ تَثبُتُ الوَكالةُ في الحالِ، ثم بِرِدَّتِها تَخرُجُ مِنْ أنْ تَكونَ مالِكةً لِلعَقدِ، فيَكونُ ذلك عَزلًا مِنها لِوَكيلِها، فبعدَما انعزَل لا يَعودُ وَكيلًا إلَّا بالتَّجديدِ.

وإنْ عادَ المُوكِّلُ مِنْ دارِ الحَربِ مُسلِمًا قبلَ الحُكمِ بلَحاقِه، فكَأنَّه لَم يَزَلْ كَذلك، ويَكونُ الوَكيلُ على وَكالَتِه.

وَإن جاءَ مُسلِمًا بعدَ الحُكمِ بلَحاقِه لا تَعودُ الوَكالةُ في ظاهِرِ الرِّوايةِ.

وَرُوِيَ عن مُحمَّدٍ أنَّها تَعودَ، ووَجهُهُ أنَّ بُطلانَ الوَكالةِ لِبُطلانِ مِلْكِ المُوكِّلِ، فإذا عادَ مُسلِمًا عادَ مِلْكُه الأوَّلُ، ويَعودُ بحُقوقِه.

وَجهُ ظاهِرِ الرِّوايةِ أنَّ لُحوقَه بدارِ الحَربِ بمَنزِلةِ المَوتِ، ولو ماتَ لا يَحتَمِلُ العَودَ، فكذا إذا لَحِقَ بدارِ الحَربِ.

وَإنِ ارتَدَّ الوَكيلُ ولَحِقَ بدارِ الحَربِ مُرتَدًّا انقطَعتْ وَكالَتُه إذا حَكَمَ الحاكِمُ بهِ؛ لأنَّ لَحاقَه لا يَثبُتُ إلَّا بحُكمِ الحاكِمِ، وحينَئذٍ تَبطُلُ الوَكالةُ باتِّفاقِهم.

فَإنْ عادَ مُسلِمًا قبلَ الحُكمِ بلَحاقِه زالَ التَّوَقُّفُ، وصارَ كَأنَّه لَم يَرتَدَّ أصْلًا.

وإنْ عادَ مُسلِمًا بعدَ الحُكمِ بلَحاقِه بدارِ الحَربِ، هَلْ تَعودُ الوَكالةُ له أو لا، على قولَيْنِ في المَذهبِ.

الأوَّلُ: لِمُحمَّدٍ: أنَّها تَعودُ، وَوَجهُ قَوله أنَّ الرِّدةَ نَفسَها لا تُنافِي الوَكالةَ، ألَا تَرَى أنَّها لا تَبطُلُ قبلَ لَحاقِه بدارِ الحَربِ، إلَّا أنَّه لَم يَجُزْ تَصرُّفُه في دارِ الحَربِ؛ لِتَعَذُّرِ التَّنفيذِ؛ لِاختِلافِ الدَّارَيْنِ؛ فإذا عادَ زالَ المانِعُ، ويَجوزُ.

وَنَظيرُه مَنْ وكَّل رَجُلًا ببَيعِ عَبدٍ بالكُوفةِ، فلَمْ يَبِعْه فيها حتى خرَج إلى البَصرةِ لا يَملِكُ بَيْعَه بالبَصرةِ، ثم إذا عادَ إلى الكُوفةِ ملَك بَيعَه فيها، كذا هذا.

والآخَرُ: قَولُ أبي يُوسفَ أنَّ الوَكالةَ لا تَعودُ، ووَجهُ قَوله أنَّ الوَكالةَ

عَقدٌ حُكِمَ ببُطلانِه بلَحاقِه بدارِ الحَربِ، فلا يَحتَمِلُ العَودَ، كالنِّكاحِ.

وإذا لَحِقَ المُرتَدُّ بدارِ الحَربِ فأخَذَ الوَرثةُ مالَه بغيرِ أمْرِ القاضي، فأكَلوه، ثم رجَع مُسلِمًا كانَ له أنْ يَضمَنَهم.

ولو أنَّ القاضيَ حَكَمَ بلَحاقِه، وقَضَى بمالِه لِلوَرثةِ ثم رجَع مُسلِمًا، فوجَد جاريةً في يَدِ الوارِثِ، فأبَى الوارِثُ أنْ يَرُدَّها عليه، وأعتَقَها الوارِثُ أو باعَها أو وَهَبَها، كانَ ما صَنَعَه جائِزًا، ولا شَيءَ لِلمُرتَدِّ (١).

وأمَّا المالِكيَّةُ فقالَ الدُّسوقيُّ رحمة الله عليه: وانعزَل الوَكيلُ برِدَّتِه أيَّامَ الِاستِتابةِ، وأمَّا بعدَها؛ فَإنْ قُتِلَ فواضِحٌ، وإنْ أخَّرَ لِمانِعٍ كالحَملِ فقَد تَرَدَّدَ العُلماءُ في عَزلِه، وكذا يَنعزِلُ برِدَّةِ مُوكِّلِه بعدَ مُضِيِّ أيَّامِ الِاستِتابةِ ولَم يَرجِعْ ولَم يُقتَلْ لِمانِعٍ (٢).

وذهَب الشَّافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ الوَكالةَ لا تَبطُلُ بالرِّدَّةِ.

قالَ الشَّافِعيَّةُ: وإنْ وكَّل مُسلِمٌ مُسلِمًا، ثم ارتَدَّ الوَكيلُ لَم تَبطُلْ وَكالَتُه، وكَذلك إذا وكَّل المُسلِمُ مُرتَدًّا صَحَّتْ وَكالَتُه، قَولًا واحِدًا؛ لأنَّ رِدَّتَه لا تُؤثِّرُ في تَصرُّفِه، وإنَّما تُؤثِّرُ في مالِه.

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٣٨، ٣٩)، و «الهداية» (٣/ ١٥٣)، و «العناية» (١١/ ٢٤٠)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٧٧)، و «الاختيار» (٣/ ١٩٦)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٩٣، ٤٩٤)، و «اللباب» (١/ ٥٦٢)، و «ابن عابدين» (٧/ ٣٨٩)، و «الهندية» (٣/ ٦٣٨).
(٢) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٥/ ٨٣).

فأمَّا إذا ارتَدَّ المُوكِّلُ: فهَلْ يَبطُلُ تَوكِيلُه؟ فيه ثَلاثةُ أقوالٍ، بِناءً على زَوالِ مِلْكِه بالرِّدَّةِ.

أحَدُها: يَزولُ مِلْكُه، فتَبطُلُ وَكالَتُه.

والثَّاني: لا يَزولُ مِلْكُه، فلا تَبطُلُ وَكالَتُه.

والثَّالثُ: أنَّ مِلْكَه مَوقوفٌ؛ فإنْ رجَع إلى الإسلامِ لَم يَزُلْ مِلْكُه، ولا تَبطُلُ وَكالَتُه، وإنْ ماتَ على الرِّدَّةِ، أو قُتِلَ عليها زالَ مِلْكُه بالرِّدَّةِ، فبطَلتْ وَكالَتُه، وهَكذا إذا وكَّل المُرتَدُّ مُسلِمًا فهَل تَصحُّ وَكالَتُهُ؟ على هذه الأقوالِ الثَّلاثةِ (١).

وقالَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ: لا تَبطُلُ الوَكالةُ برِدَّةِ الوَكيلِ، سَواءٌ لَحِقَ بدارِ الحَربِ أو أقامَ؛ لأنَّه يَصحُّ تَصرُّفُه لِنَفْسِه، فلَمْ تَبطُلْ وَكالَتُه، ولأنَّ الرِّدةَ لا تَمنَعُ ابتِداءَ وَكالَتِه، فلا تَمنَعُ استَدامَتُها، كَسائِرِ الكُفرِ.

وفي قَولٍ: تَبطُلُ برِدَّةِ المُوكِّلِ.

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإنِ ارتَدَّ المُوكِّلُ لَم تَبطُلِ الوَكالةُ فيما له التَصرُّفُ فيه.

فأمَّا الوَكيلُ في مالِه فيَنبَني على تَصرُّفِه نَفْسِه، فإنْ قُلْنا: «يَصحُّ تَصرُّفُه» لَم يَبطُلْ تَوكيلُه.

وإنْ قُلْنا: «هو مَوقوفٌ» فوَكالَتُه مَوقوفةٌ.

(١) «البيان» (٦/ ٤٥٦)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٦٥).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 577 - 581

ارجع إلى انتهاء الوكالة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.2 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله وبحمده