الإسلام > الشركات والإجارات > حكم عقد الإجارة وما يبطلها > ثانيا: الإقالة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 9 دقيقة قراءةالغَرسِ، وإنِ اتَّفَقا على بَيعِ الغِراسِ والبِناءِ لِلمالِكِ جازَ، وإنْ باعَهُما صاحِبُهُما لِغَيرِ مالِكِ الأرضِ جازَ، ومُشتَريهما يَقومُ فيهِما مَقامَ البائِعِ، وقالَ أصحابُ الشافِعيِّ في أحَدِ الوجهيْنِ: لَيسَ له بَيعُهما لِغَيرِ مالِكِ الأرضِ؛ لأنَّ مالِكَه ضَعيفٌ، بدَليلِ أنَّ لِصاحِبِ الأرضِ تَملُّكَه عليه بالقِيمةِ مِنْ غيرِ إذْنِه.
لَنا: أنَّه مَملوكٌ لَه، يَجوزُ بَيعُه لِمالِكِ الأرضِ، فجازَ لِغَيرِه، كَشِقْصٍ مَشفوعٍ، وبِهَذا يَبطُلُ ما ذَكَروهُ؛ فإنَّ لِلشَّفيعِ تَملُّكَ الشِّقصِ وشِراءَه، ويَجوزُ بَيعُه لِغَيرِه، فأمَّا إنْ شرطَ في العَقدِ تَبْقِيةَ الغِراسِ، فذكرَ القاضي أنَّه صَحيحٌ، وحُكمُه حُكمُ ما لَو أطلَقَ العَقدَ، سَواءٌ، وهو قولُ أصحابِ الشَّافِعيِّ، ويُحتَمَلُ أنْ يَبطُلَ العَقدُ؛ لأنَّه شرطَ ما يُنافِي مُقتَضَى العَقدِ؛ فلَم يَصحَّ، كَما لَو شرطَ ذلك في الزَّرعِ الذي لا يَكمُلُ قبلَ انقِضاءِ المدَّةِ، ولأنَّ الشَّرطَ باطِلٌ، بدَليلِ أنَّه لا يَجِبُ الوَفاءُ به، وهو مُؤثِّرٌ؛ فأبطَلَه، كَشَرطِ تَبْقِيةِ الزَّرعِ بعدَ مدَّةِ الإجارةِ (١).
ثانيًا: الإقالةُ:
اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على جَوازِ صِحَّةِ الإقالةِ في الإجارةِ، فإذا أقالَ المُؤجِّرُ المُستَأجِرَ؛ انقَضَتِ الإجارةُ.
قالَ الحَنفيَّةُ: تَنقَضي الإجارةُ بالإقالةِ؛ لأنَّه مُعاوَضةُ المالِ بالمالِ، فكانَ مُحتَمِلًا لِلإقالةِ، كالبَيعِ (٢).
(١) «المغني» (٥/ ٢٨٢، ٢٨٥)، و «الشرح الكبير» (٦/ ١٤٤، ١٤٦).
(٢) «بدائع الصنائع» (٤/ ٢٢٢)، و «العناية» (١٢/ ٣٨١)، و «ابن عابدين» (٦/ ٩٢).
وَتَتفَرَّعُ عن الإقالةِ في الإجارةِ الأحكامُ الآتِيَةُ عندَ الحَنفيَّةِ:
أوَّلًا: إذا استُؤجِرَتْ دارٌ على أنْ يَدفَعَ بَدَلَها ذَهَبًا، فدفعَه المُستَأجِرُ نَقدًا فِضِّيًّا برِضاءِ المُؤجِّرِ فإذا فُسِخَتِ الإجارةُ فلِلمُستَأجِرِ أنْ يَستَرِدَّ الأُجرةَ ذَهَبًا، إلَّا إذا كانَتِ الإجارةُ فاسِدةً، فإنَّه يَستَرِدُّها فِضَّةً كَما أعطاها.
ثانيًا: إذا اشترَى المُؤجِّرُ شَيئًا مِنْ المُستَأجِرِ مُقابِلَ الأُجرةِ ثم تَعذَّرَ القِيامُ بالعَملِ، ولَزِمَه رَدُّ الأُجرةِ، يَرُدُّها نَقدًا، لا عَينَ ما تَسَلَّمَ.
ثالِثًا: لا تَنفَسِخُ الإجارةُ، وقَد قالَ المُستَأجِرُ لِلمُؤجِّرِ: بِعِ المَأجورَ. فأجابَه ب (نَعَمْ)، إذا هو لَم يَبِعْه.
رابِعًا: إذا استُؤجِرَتْ أرضٌ لِلزِّراعةِ، وبَعدَ أنْ زُرِعَتْ ولَمَّا يُدرِكِ الزَّرعُ فيها، فَسخَ المُؤجِّرُ والمُستَأجِرُ الإجارةَ، فعلى المُستَأجِرِ أنْ يَقلَعَ الزَّرعَ ويُسَلِّمَ الأرضَ لِلمُؤجِّرِ، ولا صَلاحيةَ له في إبقاءِ الزَّرعِ لِحينِ إدراكِه، على أنْ يُؤدِّيَ أجْرَ المِثلِ؛ لأنَّه رَضيَ به المُستَأجِرُ حَيثُ أقدَمَ على الفَسخِ اختيارًا (١).
وقالَ المالِكيَّةُ: مَنِ اكتَرى مِنْ رَجُلٍ دَابَّةً جازَ له أنْ يُقايِلَه، قبلَ أنْ يَنقُدَ الكِراءَ أو بَعدَه ولَم يَغِبْ عليه، سَواءٌ كانَ ممَّا يُغابُ عليه أم لا، كانَتْ على رَأْسِ المالِ أو أزيَدَ، كانَتِ الزِّيادةُ دَنانيرَ أو دَراهِمَ أو عَرضًا نَقدًا؛ لأنَّه اشترَى الرُّكوبَ الذي وجبَ لِلمُكتَرِي بالزِّيادةِ التي وجبَتْ لَه، ويُمنَعُ لِأجْلِ أنَّ المَنافِعَ دَينٌ عليه لِلمُكرِي، ففَسخَها في دَيْنٍ إلى أجَلٍ.
فَإنْ غابَ بعدَ النَّقدِ لَم تَجُزِ الإقالةُ بزيادةٍ إلَّا مِنْ المُكتَرِي فقَط، إنْ
(١) «درر الحكام شرح مجلة الأحكام» (١/ ٤١٨).
أسقَطَ ذلك مِنْ الكِراءِ؛ لأنَّه يَصيرُ قد أخَذَ أقَلَّ ممَّا دفعَ، فلا يُتَّهَمانِ على السَّلفِ بزِيادةٍ، ولَم تَجُزْ مِنْ المُكتَري؛ لأنَّه رَدَّ أزيَدَ ممَّا أخَذَ، ومِثلُه ما إذا سارَ مِنْ المَسافةِ يَسيرًا؛ لِقيامِ التُّهمةِ، أمَّا إذا قَطَعَ مِنها جُزءًا كَبيرًا فلا تُهمةَ، وتَجوزُ حينئذٍ الزِّيادةُ مِنْ أيِّهِما كانَ.
وقالَ في «البَهجة في شَرحِ التُّحفةِ»: وأمَّا إنْ نَقَدَ الكِراءَ ولَم يَسكُنْ، ولَم يَركَبْ، فالإقالةُ جائِزةٌ؛ إذْ لا يَلزَمُ عليها شَيءٌ (١).
وقالَ أبو جَعفَرٍ الطَّحاويُّ رحمة الله عليه: الإقالةُ في الإجارةِ على زِيادةِ الأجْرِ:
قالَ أبو جَعفَرٍ: الإقالةُ قبلَ القَبضِ فَسخٌ عندَ أصحابِنا، وبَعدَ القَبضِ عندَ أبي حَنيفةَ كذلك، فلا تَصحُّ إلَّا على الثَّمنِ الأولِ، فأمَّا الإجارةُ فإنَّه يَصحُّ فيها الفَسخُ، ولا يَصحُّ فيها عَقدُ إجارةٍ بَينَه وبَينَ المُؤاجِرِ.
قالَ ابنُ سِماعةَ عن مُحمَّدٍ: لا يَجوزُ لِلمُستَأجِرِ أنْ يُؤاجِرَ ما استَأجَرَه مِنْ المُؤاجِرِ بعدَ القَبضِ ولا قَبلَه؛ لأنَّه لَو جازَ كانَ على كلِّ واحِدٍ تَسليمُ مَنافِعِ غَيرِه وأخْذُها في وَقتٍ واحِدٍ إلى صاحِبِها، فيَبطُلُ.
وقالَ مالِكٌ رحمة الله عليه: إذا أنقَدَه الكِراءَ فإنَّه تَجوزُ إقالَتُه بزِيادةٍ على رَأْسِ المالِ، ما لَم يَبرَحا؛ فإنْ تَفَرَّقَا جازَتِ الزِّيادةُ مِنْ المُستَأجِرِ، ولا تَجوزُ مِنْ المُؤاجِرِ (٢).
(١) «البهجة في شرح التحفة» (٢/ ٢٤٨)، ويُنْظر: «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٣٩٢، ٣٩٣)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥١٣)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٢٧)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٥٨٨).
(٢) «مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ١١٨).
ارجع إلى حكم عقد الإجارة وما يبطلها للاطلاع على جميع المسائل.