الإسلام > الشركات والإجارات > حكم عقد الإجارة وما يبطلها > فسخ الإجارة بالأعذار
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 63 دقيقة قراءةفَسخُ الإجارةِ بالأعذارِ:
ذَكَرْنا أنَّ الفُقهاءَ مُتفِقونَ على أنَّ عَقدَ الإجارةِ عَقدٌ لَازِمٌ، فلا يُفسَخُ إلَّا برِضَا الطَّرفَيْنِ؛ إلَّا أنَّ فُقهاءَ المَذاهبِ الأربَعةِ اختَلفوا في عَقدِ الإجارةِ، هَلْ يَنفَسِخُ بالأعذارِ، كالمَوتِ والمَرَضِ والتَّلَفِ، أو لا؟ وَما هي الأعذارُ التي يُفسَخُ بها عَقدُ الإجارةِ؟
فذهبَ الحَنفيَّةُ إلى أنَّ الإجارةَ تَنفَسِخُ بالأعذارِ؛ لأنَّ المَنافِعَ غيرُ مَقبوضةٍ، وهي المَعقودُ عليها، فصارَ العُذرُ في الإجارةِ؛ كالعَيْبِ قبلَ القَبضِ في البَيعِ، فتُفسَخُ به؛ إذِ المَعنَى يَجمَعُهُما، وهو عَجزُ العاقِدِ عن المُضِيِّ في مُوجِبِه إلَّا بتحَمُّلِ ضَرَرٍ زَائِدٍ لَم يُستَحقَّ به، وهذا هو مَعنَى العُذرِ عِندَنا، وهو كَمَنِ استَأجَرَ حَدَّادًا لِيَقلَعَ ضِرسَه لِوَجَعٍ به، فسَكَنَ الوَجَعُ، أوِ استَأجَرَ طَبَّاخًا لِيَطبُخَ له طَعامَ الوَليمةِ، فاختُلِعَتْ مِنه، تُفسَخُ الإجارةُ؛ لأنَّ في المُضيِّ عليه إلزامُ ضَرَرٍ زائِدٍ لَم يُستَحقَّ بالعَقدِ.
وَكَذا مَنِ استَأجَرَ دُكَّانًا في السُّوقِ لِيَتَّجِرَ فيه، فذَهَبَ مالُه، وكَذا مَنْ أجَّرَ دُكَّانًا أو دارًا، ثم أفلَسَ ولَزِمتْهُ دُيونٌ لا يَقدِرُ على قَضائِها إلَّا بثَمنِ ما أجَّرَ، فُسِخَ العَقدُ، وباعَها في الدُّيونِ؛ لأنَّ في الجَرْيِ على مُوجِبِ العَقدِ إلزامَ ضَرَرٍ زَائِدٍ لَم يُستَحقَّ بالعَقدِ، وهو الحَبسُ؛ لأنَّه قد لا يَصدُقُ على عَدَمِ مالٍ آخَرَ.
وَهَل يَحتاجُ إلى فَسخِ القاضي؟ فيه قولانِ: أحَدُهما: أنَّه يَفتقِرُ إلى قَضاء القاضي في النَّقضِ؛ لأنَّه فَسخٌ مُجتَهَدٌ فيه، فلا بدَّ مِنْ إلزامِ القاضي.
والآخَرُ: أنَّه لا يَحتاجُ فيه إلى قَضاءِ القاضي، ووَجْهُه أنَّ هذا بمَنزِلةِ العَيبِ قبلَ القَبضِ في المَبيعِ على ما مَرَّ؛ فيَنفَرِدُ العاقِدُ بالفَسخِ.
وَوُفِّقَ بَعضُهم فقالَ: إنْ كانَ العُذرُ ظاهِرًا لا يَحتاجُ إلى القَضاءِ؛ لِظُهورِ العُذرِ، وإنْ كانَ غيرَ ظاهِرٍ؛ كالدَّيْنِ، يَحتاجُ إلى القَضاءِ؛ لِظُهورِ العُذرِ.
وَكَذا مَنِ استَأجَرَ دَابَّةً لِيُسافِرَ عليها، ثم بَدا له مِنْ السَّفَرِ، فهو عُذرٌ؛ لأنَّه لَو مَضَى على مُوجِبِ العَقدِ يَلزَمُه ضَرَرٌ زَائِدٌ؛ لأنَّه رُبَّما ذَهَبَ لِلحَجِّ فذَهَبَ وَقتُه، أو لِطَلَبِ غَريمِه فحَضَرَ، أو لِلتِّجارةِ فافتُقِرَ.
وَكَذا إذا مَرِضَ المُكتَرِي؛ لأنَّه لا يُمكِنُه السَّفَرُ إلَّا بضَرَرٍ.
وَكَذا إذا تَركَ المُكتَرِي السَّفَرَ لِعُذرٍ يَلحَقُه، مثلَ أنْ يَعزِمَ على تَركِ السَّفَرِ في هذه السَّنةِ، أو اكتَرى دارًا في بَلَدٍ، ثم نَوَى السَّفَرَ، وتَركَ المُقامَ، فلَه الفَسخُ، ولِلمُكتَرِي أنْ يَستَحلِفَه عندَ الحاكِمِ؛ لأنَّه يَجوزُ أنْ يُريدَ الفَسخَ لِمَعنًى آخَرَ غيرِ ما أظهَرَه.
وإنْ كانَ وَجَدَ جَمَّالًا أرخَصَ مِنْ جَمَّالِه، أو دارًا أرخَصَ مِنْ دارِه، لَم يكُنْ له أنْ يَفسَخَ؛ لأنَّه قد رَضيَ بالمِقدارِ المَذكورِ، وكَذا لَيسَ لِلمُؤجِّرِ أنْ يَفسَخَ إذا وَجَدَ زيادةً على الأجْرِ الذي آجَرَها بهِ؛ لأنَّه قد رَضيَ بالمِقدارِ المَذكورِ.
وإنْ بَدا لِلمُكاري مِنْ السَّفَرِ فليسَ ذلك بعُذرٍ؛ لأنَّه يُمكِنُه أنْ يَقعُدَ ويَبعَثَ الدَّوابَّ على يَدِ تِلميذِه أو أجيرِه.
وَلَو مَرِضَ المُؤجِّرُ فقَعَدَ فكَذا الجَوابُ على رِوايةِ الأصْلِ، وذَكَر الكَرخِيُّ رحمة الله عليه أنَّه عُذرٌ، وهو الأظهَرُ؛ لأنَّه لا يُعَرى عن ضَرَرٍ، فيُدفَعُ عنه عندَ الضَّرورةِ دونَ الِاختيارِ، ولأنَّه قد لا يَرضَى بخُروجِ غَيرِه في دَوابِّه.
وإنْ مَرِضَ الجَمَّالُ فظاهِرُ رِوايةِ الأصْلِ يَقتَضي ألَّا يَكونَ عُذرًا.
وقالَ أبو الحَسَنِ رحمة الله عليه: هو: عُذرٌ.
وَعَنْ أبي يُوسفَ رحمة الله عليه في امرَأةٍ وَلَدَتْ يَومَ النَّحرِ قبلَ أنْ تَطوفَ لِلزِّيارةِ، فأبَى الجَمَّالُ أنْ يُقيمَ مَعَها، قالَ: هذا عُذرٌ، ونَقَضَ الإجارةَ؛ لأنَّها لا تَقدِرُ على الخُروجِ قبلَ الطَّوافِ، ولا يُمكِنُ أنْ يُلزَم الجَمَّالُ أنْ يُقيمَ مدَّةَ النِّفاسِ، ففُسِخَتِ الإجارةُ؛ لِدَفعِ الضَّررِ عَنهُما، وإنْ كانَتْ وَلَدَتْ قبلَ ذلك، ولَم يَبْقَ مِنْ مدَّةِ النِّفاسِ إلَّا كَمدَّةِ الحَيضِ، أو بَقيَ أقَلُّ، أُجبِرَ الجَمَّالَ على المُقامِ مَعَها؛ لأنَّ هذه المدَّةَ قد جَرَتِ العادةُ بمُقامِ الحاجِّ فيها بعدَ الفَراغِ مِنْ الحَجِّ.
وَمَنِ استَأجَرَ غُلامًا لِيَخدُمَه في المِصرِ ثم سافَرَ فهو عُذرٌ؛ لأنَّه لا يُعَرى عن إلزامِ ضَرَرٍ زَائِدٍ؛ لأنَّ خِدمةَ السَّفَرِ أشَقُّ، وفي المَنعِ مِنْ السَّفَرِ ضَرَرٌ، وكلُّ ذلك لَم يُستَحقَّ بالعَقدِ، فكانَ عُذرًا، وكَذا إذا أطلَقَ؛ لِمَا مَرَّ أنَّه يَتقيَد بالحَضَرِ، بخِلافِ ما إذا آجَرَ عَقارًا ثم سافَرَ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ؛ إذِ المُستَأجِرُ يُمكِنُه استِيفاءُ المَنفَعةِ مِنْ المَعقودِ عليه بعدَ غَيبَتِه، حتى لَو أرادَ المُستَأجِرُ السَّفَرَ، فهو عُذرٌ؛ لِمَا فيه مِنْ المَنعِ مِنْ السَّفَرِ أو إلزامِ الأجْرِ بدُونِ السُّكنَى، وذلك ضَرَرٌ (١).
(١) «بدائع الصنائع» (٤/ ٢٠١)، و «الهداية» (٣/ ٢٥٠، ٢٥١)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٣٧٧، ٣٨٠)، و «اللباب» (١/ ٤٩٧، ٤٩٩)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٢٣، ١٢٤)، و «الاختيار» (٣/ ٧٤).
وذَهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ، المالِكيَّةُ والشَّافعيَّةُ والحَنابِلةُ -في الجُملةِ على تَفصيلٍ سَيأتي عِندَهم- إلى أنَّ الإجارةَ لا تَنفَسِخُ بالأعذارِ؛ كالمَرَضِ، والمَوتِ.
قالَ المالِكيَّةُ: وذلك لِقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]، وَلأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ مَحْضةٍ، فلَم يكُنْ لِأحَدِهِما فَسخُه بمانِعٍ في العاقِدِ، كالبَيعِ، ولأنَّ كلَّ مَعنًى لا يَملِكُ به المُكرِي فَسخَ الإجارةِ لَم يَملِكْ به المُكتَرِي، أصْلُه غَلاءُ الأُجرةِ أو رُخصُها، ولأنَّ الأُصولَ مَوضوعةٌ على أنَّ كلَّ ما كانَ لِأحَدِ المُتعاقدَيْنِ فَسخُه بوَجْهٍ، كانَ لِلآخَرِ أنْ يَفسَخَ بمِثلِ ذلك الوَجه، كَعَقدِ الشَّرِكةِ والوَكالةِ والقِراضِ، وكذلك البُيوعُ إذا وَجَدَ أحَدُهما بأحَدِ العِوَضَيْنِ عَيبًا كانَ له الفَسخُ، فكذلك في مَسألَتِنا، ولأنَّ عَزمَ المُكتَرِي على السَّفَرِ إذا اكتَرى دارًا، أو عَزْمَه على المُقامِ إذا اكتَرى جَمَّالًا لِلحَجِّ، كانَ ذلك عُذرًا لا يَتضمَّنُ نُقصانًا في المَعقودِ عليه، ولا يَمنَعُ استِيفاءَ المَنافِعِ، فلا يَملِكُ به الفَسخَ، كالمُكرِي إذا عَزَم على المُقامِ وقَدِ اكتَرى جَمَّالًا أو دَارًا (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: لا يَجوزُ فَسخُ الإجارةِ بعُذرٍ يَطرَأُ إذا لَم يَظهَرْ في المَعقودِ عليه عَيبٌ. لِقَولِ اللهِ تَعَالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١]؛ فَكانَ عُمومُ هذا الأمْرِ يُوجِبُ الوَفاءَ بكلِّ عَقدٍ، ما لَم يَقُمْ دَليلٌ
(١) «الإشراف» (٣/ ١٩٧، ١٩٨) رقم (١٠٤١)، و «المعونة» (٢/ ١٠١، ١٠٢).
يُخَصِّصُه، ولأنَّ كلَّ عَقدٍ لَزِمَ العاقِدَيْنِ مع سَلامةِ الأحوالِ لَزِمَهُما، ما لَم يَحدُثْ بالعِوَضَيْنِ نَقصٌ، كالبَيعِ. ولأنَّ كلَّ عَقدٍ لَزِمَ العاقِدَ عندَ ارتِفاعِ العُذرِ لَم يَحدُثْ له خِيارٌ بحُدوثِ عُذرٍ؛ كالزَّوجِ، ولأنَّ كلَّ سَبَبٍ لا يَملِكُ به المُؤجِّرُ الفَسخَ لَم يَملِكْ به المُستَأجِرُ الفَسخَ؛ كالأُجرةِ، لا يَكونُ حُدوثُ الزِّيادةِ فيها مُوجِبًا لِفَسخِ المُؤجِّرِ، كَما لَم يكُنْ حُدوثُ النُّقصانِ فيها مُوجِبًا لِفَسخِ المُستَأجِرِ؛ لأنَّ نُقصانَها في حَقِّ المُستَأجِرِ كَزيادَتِها في حَقِّ المُؤجِّرِ، ولأنَّه عَقدُ إجارةٍ، فلَم يَجُزْ فَسخُه بعُذرٍ، كالمُؤجِّرِ.
وَلأنَّ العُقودَ نَوعانِ: لَازِمةٌ، فلا يَجوزُ فَسخُها لِعُذرٍ؛ كالبَيعِ، وغَيرُ لَازِمةٍ، فيَجوزُ فَسخُها لِغَيرِ عُذرٍ، كالقِراضِ، فلَمَّا لَم يكُنْ عَقدُ الإجارةِ مُلحَقًا بغَيرِ اللَّازِمِ في جَوازِ فَسْخِه بغَيرِ عُذرٍ، وجبَ أنْ يَكونَ مُلحَقًا باللَّازِمِ في إبطالِ فَسخِه بعُذرٍ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: ولأنَّه عَقدٌ لا يَجوزُ فَسخُه مع استِيفاءِ المَنفَعةِ المَعقودِ عليها لِغَيرِ عُذرٍ، لَم يَجُزْ لِعُذرٍ في غيرِ المَعقودِ عليه؛ كالبَيعِ، ولأنَّه لو جازَ فَسخُه لِعُذرِ المُكتَرِي لجازَ لِعُذرِ المُكرِي؛ تَسويةً بينَ المُتعاقِدَيْنِ؛ دَفعًا لِلضَّررِ عن كلِّ واحِدٍ مِنْ العاقِدَيْنِ، ولَم يَجُزْ، ثم لا يَجوزُ ههُنا، ويُفارِقُ الإباقَ؛ فإنَّه عُذرٌ في المَعقودِ عليه (٢).
وَهَذا بَيانٌ وتَفصيلُ لِمَذهبِ الجُمهورِ فيما يَجوزُ فيه الفَسخُ وما لا يَجوزُ، وما فيه الخِيارُ.
(١) «الحاوي الكبير» (٧/ ٣٩٣).
(٢) «المغني» (٥/ ٢٦٠)، و «شرح الزركشي» (٢/ ١٨٠، ١٨٢).
قالَ المالِكيَّةُ: تُفسَخُ الإجارةُ بتَلَفٍ أو تَعذُّرِ الذي يُستَوفَى منه المَنفَعةُ، إذا كانَ مُعيَّنًا؛ كالدَّارِ والحانُوتِ والحَمَّامِ والسَّفينةِ ونَحوِها، والتَعذُّرُ أعَمُّ مِنْ التَّلَفِ، فيَشمَلُ الضَّيَاعَ والمَرَضَ والغَصْبَ وغَلقَ الحَوانيتِ قَهرًا، وغَيرَ ذلك، كَما سَيأتي.
وَإذا فُسِخَتْ رُجِعَ لِلمُحاسَبةِ باعتِبارِ ما حَصَلَ مِنْ المَنفَعةِ، وما لَم يَحصُلْ، وبِاعتِبارِ المَسافةِ طُولًا وقِصَرًا وسُهولةً وصُعوبةً.
وَلا تَنفَسِخُ بتَلَفٍ أو بتَعذُّرِ ما يُستَوفَى به المَنفَعةُ؛ كالسَّاكِنِ والرَّاكِبِ وما حُمِلَ.
فَكلُّ عَينٍ يُستَوفَى مِنها المَنفَعةُ فبِهَلاكِها تَنفَسِخُ الإجارةُ، كَمَوتِ الدَّابَّةِ المُعيَّنةِ -أمَّا الدَّابَّةُ غيرُ المُعيَّنةِ فلا تَنفَسِخُ الإجارةُ بمَوتِها- وانهِدامِ الدَّارِ المُعيَّنةِ.
وَكلُّ عَينٍ تُستَوفَى بها المَنفَعةُ فبِهَلاكِها لا تَنفَسِخُ الإجارةُ، سَواءٌ كانَتْ تلك العَينُ مُعيَّنةً أو لا، وسَواءٌ كانَ التَّلَفُ بسَماويٍّ أو بغَيرِه، بأنْ كانَ مِنْ قِبَلِ الحامِلِ على الأصَحِّ (١)؛ كَمَوتِ الشَّخصِ المُستَأجِرِ لِلعَينِ المُعيَّنةِ،
(١) وهو رِوايةُ ابن القاسِمِ عن مالِكٍ في «المدونة» ومقابِلُه رِوايةُ أصبَغَ عنِ ابنِ القاسِمِ فَسخُها بتَلَفِ ما يُستَوفَى به، كما تَنفَسِخُ بتَلَفِ ما يُستَوفَى منه، وقيلَ: إنْ كان التَّلَفُ مِنْ قِبَلِ الحامِلِ فُسِختْ، وله مِنَ الكِراءِ بقَدْرِ ما سارَ، وإنْ كانَ التَّلَفُ بسَماوِيٍّ لم تُفسَخْ، ويأتيه المُستأجِرُ بمِثلِه، وهو قَولُ مالِكٍ في سَماعِ أصبَغَ، وقيلِ: إنْ كان مِنْ قِبَلِ الحامِلِ فُسِختْ، ولا كِراءَ له، وإنْ كانَ بسَماويٍّ لم تَنفَسِخْ، ويأتيه المُستَأجِرُ بمِثلِه، كذا في «البيان حاشية الدسوقي» (٥/ ٣٧٨).
وكَتَلَفِ المَحمولِ، ويَقومُ وارِثُه مَقامَه في استِيفاءِ المَنفَعةِ الباقيةِ بعدَ مَوتِ مُورِّثِهِ، فيُقالُ لِلسَّاكِنِ والرَّاكِبِ ورَبِّ الأحمالِ أو وارِثِه: عَلَيكَ جَميعُ الأُجرةِ، وائْتِ بمِثلِ الأولِ لِتَمامِ المَسافةِ أوِ المدَّةِ.
وَفُسِخَتِ الإجارةُ على سِنٍّ؛ لِأجلِ قَلْعِها، فسَكَنَ ألَمُها قبلَ القَلعِ، ووافَقَه الآخَرُ على ذلك، وإلَّا لَم يُصَدَّقْ إلَّا لِقَرينةٍ، وفائِدةُ عَدَمِ التَّصديقِ لُزومُ الأُجرةِ، لا أنَّه يُجبَرُ على القَلعِ، وقيلَ: إنَّه يُصَدَّقُ في سُكونِ الألَمِ، إلَّا لِقَرينةٍ تَدُلُّ على كَذِبِه؛ لأنَّه أمْرٌ لا يُعرَفُ إلَّا مِنه، قالَ الدُّسوقيُّ: والظَّاهِرُ أنَّ يَمينَه تَجري على أيمانِ التُّهمةِ في تَوجيهِها وعَدَمِ تَوجيهِها.
وَفُسِخَتِ الإجارةُ بغَصبِ الدَّارِ المُستَأجَرةِ -وَكَذا الدَّابَّةُ وأرضُ الزِّراعةِ- وغَصبِ مَنفعَتِها إذا كانَ الغاصِبُ لا تَنالُه الأحكامُ، فإنْ كانَتْ تَنالُه الأحكامُ لا تَنفَسِخُ.
وَمَحَلُّ فَسخِ الإجارةِ بغَصبِ العَينِ المُستَأجَرةِ، أو غَصْبِ مَنفعَتِها إذا شاءَ المُستَأجِرُ، وإنْ شاءَ بَقيَ على إجارَتِه؛ فإنْ فَسخَها كانَ لِمَالِكِ الذَّاتِ المَغصوبةِ الأُجرةُ على الغاصِبِ، وإنْ أبقاها مِنْ غيرِ فَسخٍ صارَ ذلك المُستَأجِرُ مع الغاصِبِ إذا زَرَعَ أو سَكَنَ بمَنزِلةِ المالِكِ، فتَكونَ الأُجرةُ لَه، فمَعنَى الفَسخِ في هذه المَسائِلِ أنَّها مُعَرضةٌ لِلفَسخِ، لا أنَّها تُفسَخُ بالفِعلِ.
وَكذلك تَنفَسِخُ إجارةُ الحَوانِيتِ إذا أمَرَ السُّلطانُ أو ظالِمٌ بإغلاقِ الحَوانيتِ المُكتَراةِ، بحَيثُ لا يَتمكَّنُ مُستَأجِرُها مِنْ الِانتِفاعِ بها، وهو المَشهورُ، وعَلَى السُّلطانِ أو الظَّالِمِ الأُجرةُ لربِّها، حَيثُ قَصَدَ غَصْبَ المَنفَعةِ فقَط، لا الذَّاتِ.
وَكذلك تَنفَسِخُ الإجارةُ بظُهورِ حَملٍ، بأنْ كانَتِ الظِّئرُ وَقتَ العَقدِ غيرَ ظاهِرةِ الحَملِ، ثم ظَهرَ؛ لِتَعذُّرِ الرَّضاعِ عادةً إذا حَمَلَتْ، لأنَّ لَبنَ الحامِلِ يَضُرُّ الرَّضيعَ، أو بمَرَضِها مَرَضًا لا تَقدِرُ معه على الرَّضاعِ، وإلَّا كانَ أهلُه بالخِيارِ.
وَكذلك تَنفَسِخُ الإجارةُ إذا مَرِضَ عَبدٌ لا قُدرةَ له على فِعلِ ما استُؤجِرَ عليه، وهَرَّبَه لَكَ العَدُوُّ بأرضِ حَربٍ، أو ما نَزَل مَنزِلَتَها في البُعدِ؛ لأنَّ المُستَأجِرَ لا يُمكِنُه الِانتِفاعُ مع شَيءٍ مِنْ ذلك، ولَو رَجعَ العَبدُ مِنْ الإباقِ، أو أفاقَ مِنْ مَرَضِه في بَقيَّةِ المدَّةِ، لَزِمَه تَمامُها؛ إلَّا أنْ يَتفسَخا قبلَ ذلك.
وَيَسقُطُ عن المُستَأجِرِ ما يُقابِلُ أيَّامَ الهُروبِ، فلا يَجوزُ أنْ يَتَّفِقا على قَضاءِ مدَّةِ الهُروبِ؛ لأنَّه فَسخُ ما في الذِّمةِ في مُؤَخَّرٍ؛ إذْ قد وجبَ لِلمُستَأجِرِ ما يُقابِلُ مدَّةَ الهُروبِ مِنْ الأُجرةِ، فيَفسَخانِ في شَيءٍ لا يَتعجَّلُه، اللَّهمَّ إلَّا أنْ يَكونَ قَبضَ الأُجرةِ.
بِخِلافِ مَرَضِ دَابَّةٍ بسَفَرٍ، ثم تَصحُّ؛ فإنَّ الكِراءَ يَنفَسِخُ ولا يَعودُ لِمَا يَلحَقُه مِنْ الضَّررِ في السَّفَرِ بالصَّبرِ.
وَخُيِّرَ المُستَأجِرُ في فَسخِ الإجارةِ إنْ ظَهرَ أنَّ العبدَ المُؤجَّرَ أو غيرَه سارِقٌ؛ لأنَّها عَيبٌ يُوجِبُ الخِيارَ، كالبَيعِ، وهذا حَيثُ كانَ استِئجارُه لِخِدمةٍ في دارِه ونَحوِها، ممَّا لا يُمكِنُ التحَفُّظُ فيه مِنه، وأمَّا لَو أجَّرَه دارًا لِيَسكُنَها ونَحوَ ذلك، فلا تَنفَسِخُ الإجارةُ؛ لتَبيُّنِ أنَّه سارِقٌ.
وَخُيِّرَ إنْ رَشَدَ صَغيرٌ عَقدَ عليه وَلِيُّه مِنْ أبٍ أو وَصِيٍّ أو حاكِمٍ أو مُقدَّمٍ
لَه، أي: أجرِه، وهو صَغيرٌ، ثم بَلَغَ رَشيدًا قبلَ انقِضاءِ المدَّةِ، أو أجْرِ سِلعَةٍ، كَدارِه أو دَوابِّه أو رَقيقِه أو نَحوِ ذلك؛ فإنَّه يُخيَّرُ بينَ الإبقاءِ لِتَمامِ المدَّةِ، وبَينَ الفَسخِ.
إلَّا أنْ يُظَنَّ عَدَمُ بُلوغِه قبلَ انقِضاءِ المدَّةِ، فبَلَغَ، وقَد بَقيَ اليَسيرُ مِنها؛ كالشَّهرِ، ويَسيرِ الأيَّامِ، فيَلزَمُه بَقيَّةُ المدَّةِ بالنَّظَرِ لِلعَقدِ على نَفْسِه بهَذَيْنِ القَيدَيْنِ، ولا خيارَ لَه، وأمَّا على سِلَعِهِ؛ فمَذهَبُ ابنِ القاسِمِ أنَّه يَلزَمُه فيها ما يَلزَمُ في سِلَعِ السَّفيهِ، وهي ثَلاثُ سِنينَ، وهو الأرجَحُ، ومُقابِلُه قولُ أشهَبَ: أنَّ العَقدَ على سِلَعِهِ؛ كالعَقدِ عليه، لا يَلزَمُه إلَّا إذا ظَنَّ الوَلِيُّ عَدَمَ بُلوغِه، وبَقيَ كالشَّهرِ.
وَحاصِلُ المَسألةِ: أنَّ الصَّغيرَ إذا عَقدَ وَلِيُّه عليه أو على سِلَعِه فبَلَغَ رَشيدًا في أثناءِ المدَّةِ فلَه الخِيارُ إذا ظَنَّ الوَلِيُّ بُلوغَه أو شَكَّ فيه مُطلَقًا، بَقيَ القَليلُ أوِ الكَثيرُ، فإنْ ظَنَّ عَدَمَ بُلوغِه في أثناءِ المدَّةِ فبَلَغَ رَشيدًا لَزِمَه في العَقدِ على نَفْسِه إنْ بَقيَ اليَسيرُ دونَ الكَثيرِ، ولَزِمَه في العَقدِ على سِلَعِه الكَثيرُ.
وَكَسَفيهٍ عَقدَ وَلِيُّه على سِلَعٍ أو على نَفْسِه لِعَيشِه ثَلاثَ سِنينَ، أو أكثَرَ، فرَشَدَ في أثنائِها، فتَلزَمُ الإجارةُ، ولا خِيارَ لَهُ؛ لأنَّ الوَلِيَّ فعلَ ما يَجوزُ لَه، وليسَ لِلوَليِّ أنْ يَعقِدَ على السَّفيهِ نَفْسِه إلَّا لِعَيْشِه، وإذا أجَّرَ السَّفيهُ نَفْسَه فلا كَلامَ لِوَلِيِّه إلَّا أنْ يُحابيَ، وكَذا لا كَلامَ له إنْ رَشَدَ؛ لأنَّ تَصرُّفَه في ذلك لا حَجْرَ عليه فيه، فهو كَتَصرُّفِ الرَّشيدِ، ولا يُعتبَرُ في السَّفيهِ ظَنُّ عَدَمِ رُشدِه، ولا ظَنُّ رُشدِه حالَ العَقدِ على سِلَعِه، أو على نَفْسِه لِعَيشِه، بخِلافِ الصَّغيرِ؛ لأنَّ أمدَه مَعلومٌ، بخِلافِ الرُّشدِ.
وَفُسِخَتِ الإجارةُ بمَوتٍ مُستحَقِّ وَقْفٍ أجَّرَ ذلك الوَقْفَ في حَياتِه مدَّةً مُعيَّنةً وماتَ قبلَ تَقضِّيها، وانتَقلَ الِاستِحقاقُ لِمَنْ في طَبَقَتِه، أو لِمَنْ يَليه على الأصَحِّ. يَعني أنَّ الشَّخصَ إذا وَقَفَ شَيئًا على أولادِه طَبَقةً بعدَ طَبَقةٍ، أو بَطنًا بعدَ بَطنٍ، أو على زَيدٍ وبَعدَه على عَمْرٍو، فأجَّرَتِ الطَّبَقةُ الأُولَى، أوِ البَطنُ الأولُ أو أجَّرَ زَيدٌ ثم ماتَ المُؤجِّرُ، وانتَقلَ الحَقُّ لِمَنْ بَعدَهُ؛ فإنَّ الإجارةَ تَنفَسِخُ، ولِمَنِ انتَقلَ إليه الوَقفُ الإجارةُ، ولَو كانَتِ المدَّةُ الباقيةُ يَسيرةً؛ لأنَّه حَقٌّ لِلآخَرينَ.
وَلا تَنفَسِخُ الإجارةُ بإقرارِ المالِكِ لِلذَّاتِ المُؤجَّرةِ؛ كالدَّارِ أو العَبدِ أو الدَّابَّةِ، إذا قالَ: إنَّ الشَّيءَ المُؤجَّرَ لِغَيري، وإنَّه كانَ اشترَى ذلك مِنِّي قبلَ عَقدِ الإجارةِ؛ فلا تَنفَسِخُ الإجارةُ بذلك؛ لأنَّه يُتَّهَمُ على نَقضِها، ومِثلُ إقرارِ المالِكِ بالبَيعِ إقرارُه بالإجارةِ لِغَيرِه أيضًا، ويَأخُذُها المُقِرُّ له الذي أقَرَّ المالِكُ أنَّه باعَها أو وَهَبَها له بعدَ انقِضاءِ المدَّةِ، ولَه الأكثَرُ مِنْ كِراءِ مِثلِها، وما أُكريَتْ به.
وَلا تَنفَسِخُ الإجارةُ إذا تَخَلَّفَ المُكرِي عن الإتيانِ بالدَّابَّةِ في الزَمنِ الذي واعَدَ المُكتَرِي أنْ يَأتيَ له بها فيه، وإنْ فاتَ ما يَقصِدُه ويَرومُه مِنْ تَشييعِ شَخصٍ أو تَلَقِّي رَجُلٍ إنْ لَم يَكُنِ الزَمنُ مُعيَّنًا، ولَم يكُنْ حَجًّا، عُيِّنَتِ الدَّابَّةُ أو لا. أمَّا إنْ كانَ الزَمنُ مُعيَّنًا؛ كأكتَرِي مِنْكَ دَابَّتكَ لِأركَبَ عليها في هذا اليَومِ، أو لِتَخدُمَني أو تَخيطَ لي أو تَطحَنَ لي في هذا اليَومِ، أو قالَ: أحُجُّ عليها، فلَم يَأتِ المُكري بالشَّيءِ المُكرَى إلى أنِ انقَضَى ذلك الزَمنُ المُعيَّنُ أو فاتَ الحَجُّ؛ فإنَّ الكِراءَ يَنفَسِخُ؛ لأنَّ أيَّامَ الحَجِّ مُعيَّنَةٌ، فإذا فاتَتِ
انفَسخَ الكِراءُ، وكذلك كلُّ ما اكتُرِي أيَّامًا بعَينِها، وليسَ لِلمُكتَرِي الرِّضا مع المُكري بالتَّمادي على الإجارةِ إذا نَقَدَ الكِراءَ؛ لِلُزومِ فَسخِ الدَّيْنِ في الدَّيْنِ؛ فإنْ لَم يُنقَدْ يَجوزُ؛ لِانتِفاءِ العِلَّةِ المَذكورةِ، والمُرادُ بالزَمنِ المُعيَّنِ ألَّا يَجمَعَ معه العَملَ، أمَّا إنْ جَمَعَ بَينَهما؛ فالعِبرةُ بالعَملِ، كَأنْ يَقولَ: أكَترِي مِنْكَ دَابَّتكَ أركَبُ عليها في هذا اليَومِ، أو ثَورَكَ أطَحنُ عليه إردَبًّا في هذا اليَومِ، أو نَحوَ ذلك؛ فالعِبرةُ بالرُّكوبِ والطَّحنِ، ولا عِبرةَ بخُصوصِ الزَمنِ، وأمَّا الحَجُّ فهو غيرُ مُعيَّنٍ، لَكنَّه أُلحِقَ به، أيْ: فحَقيقَتُه غيرُ مُعيَّنةٍ؛ لأنَّها كَما تُوجَدُ في هذا العامِ، تُوجَدُ في العامِ الثَّاني، وإنْ كانَتْ أيَّامًا مُعيَّنةً.
وَكَذا لا تَنفَسِخُ الإجارةُ بظُهورِ المُستَأجِرِ فاسِقًا يَشرَبُ فيها الخَمرَ أو يَزْني أو يُظهِرُ فيها الدَّعارةَ والطَّنابيرَ والزَّمْرَ أو نَحوَ ذلك، إلَّا أنَّ الحاكِمَ يَأمُرُه بالكَفِّ عن ذلك، فإنْ لَم يَنْتَهِ أجَّرَها عليه، وأخرَجَهُ مِنها. قالَ اللَّخميُّ: وأرَى أنْ يُخرِجَه مِنها إنْ لَم يَتيسَّرْ كِراؤُها مِنْ يَومِه، ومَا قارَبَ ذلك حتى يَأتيَ مَنْ يَكتَريها، فإنْ لَم يَجِدْ مُكتَريًا حتى خَرجَ الشَّهرُ الذي أكراه، لَم يَسقُطْ عنه الكِراءُ، وهذا في الكِراءِ الوَجيبةِ، أو المُشاهَرةِ، ونَقدِ الأُجرةِ؛ وإلَّا فالعَقدُ غيرُ لَازِمٍ (١).
(١) «المدونة الكبرى» (١١/ ٤٥٦)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٣٧٨، ٣٨٥)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٤٣١، ٤٣٤)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٥٠٣، ٥٠٩)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٣٠، ٣٤)، و «الذخيرة» (٥/ ٥٣٧)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٥٨٠، ٥٨٤)، و «الفواكه الدواني» (٢/ ١١٢، ١١٣)، و «حاشية الصاوي على الشرح الصغير» (٩/ ٤٧، ٥٢).
وقالَ الشافِعيَّةُ: الطَّوارِئُ المُوجِبةُ لِلفَسخِ -فالفَسخُ والِانفِساخُ يثبُتُ بخَلَلٍ يَعرِضُ في المَعقودِ عليه- ثَلاثةُ أقسامٍ:
أحَدُها: ما يَنقُصُ المَنفَعةَ، ومتى ظَهرَ بالمُستَأجَرةِ نَقصٌ تَتفاوَتُ به الأُجرةُ فهو عَيبٌ مُثبِتٌ لِلفَسخِ، وذلك كَمَرَضِ العَبدِ والدَّابَّةِ وانقِطاعِ ماءِ البِئرِ وتَغيُّرِه -بحَيثُ يَمنَعُ الشُّربَ-، وانكِسارِ دَعائِمِ الدَّارِ واعوِجاجِها، وانهِدامِ بَعضِ جُدرانِها، لَكِنْ لَو بادَرَ المُؤجِّرُ إلى الإصلاحِ، وكانَ قابِلًا لِلإصلاحِ في الحالِ سقطَ خِيارُ المُستَأجِرِ، كَما سَبَقَ، وسَواءٌ كانَ العَيبُ سابِقًا لِلعَقدِ، أوِ القَبضِ، أو حادِثًا في يَدِ المُستَأجِرِ.
ثم إنْ ظَهرَ العَيبُ قبلَ مُضِيِّ مدَّةٍ لَها أُجرةٌ؛ فإنْ شاءَ فَسخَ ولا شَيءَ عليه، وإنْ شاءَ أجازَ بجَميعِ الأُجرةِ. وإنْ ظَهرَ في أثناءِ المدَّةِ قالَ النَّوَويُّ: فالوَجْهُ ما ذكرَه المُتوَلِّي، وهو أنَّه إنْ أرادَ الفَسخَ في جَميعِ المدَّةِ فهو كَما لَوِ اشترَى عبدَيْنِ فتَلِفَ أحَدَهُما ثم وَجَدَ بالباقي عَيبًا، وأرادَ الفَسخَ فيهِما. وإنْ أرادَ الفَسخَ فيما بَقيَ مِنْ المدَّةِ فهو كَما لَو أرادَ الفَسخَ في العَبدِ الباقي وَحدَه، وحُكمُهما مَذكورٌ في البَيعِ، وأطلَقَ الجُمهورُ القَولَ بأنَّ له الفَسخَ، ولَم يَتعرَّضوا لِهَذا التَّفصيلِ. ومتى امتَنَعَ الفَسخُ فلَه الأرشُ، فيُعرَفُ أُجرةُ مِثلِه سَليمًا ومَعيبًا، ويُعرَفُ التَّفاوُتُ بَينَهما، هذا كلُّه في إجارةِ العَينِ.
أمَّا إذا وُجِدَ في إجارةِ الذِّمةِ بالدَّابَّةِ المُسلَّمةِ عَيبٌ؛ فلا فَسخَ، بَلْ يَرُدُّها ويَلزَمُ المُؤجِّرَ إبدالُها.
القِسمُ الثَّاني: فَواتُ المَنفَعةِ بالكُليَّةِ حِسًّا، فمِن صُوَرِه مَوتُ الدَّابَّةِ
والأجيرِ المُعيَّنِ؛ فإنْ كانَ قبلَ القَبضِ أو عَقِبَه، قبلَ مُضيِّ مدَّةٍ لِمِثلِها أُجرةٌ انفَسخَ العَقدُ. وإنْ كانَ في خِلالِ المدَّةِ انفَسخَ العَقدُ في الباقي، لا الماضي، في الأظهَرِ؛ لأنَّه استَقرَّ بالقَبضِ.
وَمُقابِلُ الأظهَرِ: تَنفَسِخُ فيه أيضًا؛ لأنَّ العَقدَ واحِدٌ، وقَدِ انفَسخَ في جَميعِ المدَّةِ.
فَإنْ قُلْنا: يَنفَسِخُ في الماضي، سقطَ المُسمَّى، ووجبَ أُجرةُ المِثلِ لِمَا مَضَى. وإنْ قُلْنا: لا يَنفَسِخُ فيه، فهَلْ له خِيارُ الفَسخِ؟ وَجهانِ:
أصَحُّهُما: عندَ الإمامِ والبَغَويِّ: لا؛ لأنَّ مَنافِعَه استُهلِكَتْ.
والآخَرُ: نَعَمْ، وبِه قَطَعَ ابنُ الصَّباغِ، وآخَرونَ؛ لأنَّ جَميعَ المَعقودِ عليه لَم يُسَلَّمْ؛ فإنْ قُلنا: له الفَسخُ، ففَسخَ، رَجعَ إلى أُجرةِ المِثلِ.
وإنْ قُلْنا: لا فَسخَ، أو أجازَ، وجبَ قِسطُ ما مَضَى مِنْ المُسمَّى، والتَّوزيعُ على قِيمةِ المَنفَعةِ، وهي أُجرةُ المِثلِ، لا على الزَّمانِ نَفْسِه، وذلك يَختَلِفُ، فرُبَّما تَزيدُ أُجرةُ شَهرٍ على أُجرةِ شَهرَيْنِ؛ لِكَثرةِ الرَّغَباتِ في ذلك الشَّهرِ. وإنْ كانَتْ مدَّةُ الإجارةِ سَنَةً ومَضَى نِصفُها، وكانَتْ أُجرةُ المِثلِ فيه مثلًا أُجرةَ المِثلِ في النِّصفِ الباقي، وجبَ مِنْ المُسمَّى ثُلُثاه، وإنْ كانَتْ بالعَكسِ وجبَ ثُلُثُه.
وَإذا أثبَتْنا الخِيارَ بعَيبٍ ففُسِخَ العَقدُ في المُستَقبَلِ، ففي الِانفِساخِ في الماضي الطَّريقانِ؛ فإنْ لَم يَنفَسِخْ فطَريقُ التَّوزيعِ ما بيَّنَّاه، وإنْ أجازَه فعليه الأُجرةُ المُسمَّاةُ بتَمامِها، كَما لَو رَضيَ بعَيبِ المَبيعِ لَزِمَه جَميعُ الثَّمنِ.
وَسَواءٌ حَصَلَ التَّلَفُ بآفةٍ سَماويَّةٍ، أو بفِعلِ المُستَأجِرِ، بَلْ لَو قُتِلَ العَبدُ أو الدَّابَّةُ المُعيَّنةُ، كانَ حُكمُ الِانفِساخِ والأُجرةِ ما ذَكَرْناه، ويَلزَمُه قِيمةُ ما أتلَفَ، وعَنِ ابنِ أبي هُرَيرةَ أنَّه تَستقِرُّ عليه الأُجرةُ المُسمَّاةُ بالإتلافِ، كَما يَستقِرُّ الثَّمنُ على المُشتَرِي بإتلافِه.
والصَّحيحُ الأولُ؛ لأنَّ البَيعَ وَردَ على العَينِ؛ فإذا أتلَفَها صارَ قابِضًا، والإجارةُ وارِدةٌ على المَنافِعِ، ومَنافِعُ الزَمنِ المُستَقبَلِ مَعدومةٌ لا يُتصوَّرُ وُرُودُ الإتلافِ عليها، وعَلَى هذا لَو عَيَّبَ المُستَأجِرُ الدَّارَ أو جَرَحَ العبدَ فهو كالتَّعَيُّبِ بآفةٍ سَماويةٍ في ثُبوتِ الخِيارِ.
وَتَنفَسِخُ الإجارةُ بانهِدامِ الدَّارِ على الأظهَرِ؛ لِزَوالِ الِاسمِ وفَواتِ المَنفَعةِ.
وَفي مُقابِلِ الأظهَرِ لا تَنفَسِخُ.
وأمَّا لَو تَشعَّثَتِ الدَّارُ ولَم تَنهَدِمْ؛ فإنَّها لا تَنفَسِخُ، بَلْ يثبُتُ الخِيارُ على التَّراخِي.
وَإذا اكتَرى أرضًا لِلزِّراعةِ ولَها ماءٌ مُعتادٌ، فانقَطَعَ، فليسَ له فَسخُ العَقدِ على الأظهَرِ؛ لِبَقاءِ اسمِ الأرضِ، مع إمكانِ زِراعَتِها بالأمطارِ، بَلْ يثبُتُ الخِيارُ لِلعَيْبِ على التَّراخي؛ لأنَّ سَبَبَه تَعذُّرُ قَبضِ المَنفَعةِ، وذلك يَتكرَّرُ بتكَرُّرِ الزَّمانِ.
وَإنَّما يثبُتُ الخِيارُ إذا انقَطَعَتِ الزِّراعةُ؛ فإنْ قالَ المُؤجِّرُ: أنا أسوقُ إلَيها ماءً مِنْ مَوضِعٍ آخَرَ، سقطَ الخيارُ، كَما لَو بادَرَ إلى إصلاحِ الدَّارِ. وأمَّا مُجرَّدُ الوَعدِ بأنَّه يَسوقُ الماءَ فيَنبَغي ألَّا يُكتَفَى به.
وَفي مُقابِلِ الأظهَرِ تَنفَسِخُ.
فَإنْ قُلْنا: بالِانفِساخِ فالحُكمُ كَمَوتِ العَبدِ؛ وإلَّا فلَه الفَسخُ في المدَّةِ الباقيةِ، وفي الماضي الوَجهانِ، فإنْ مَنَعْناه فعليه قِسطُ ما مَضَى مِنْ المُسمَّى، وإنْ أجازَ لَزِمَه المُسمَّى كلُّه، وقيلَ: يُحَطُّ؛ لِلِانهِدامِ وانقِطاعِ الماءِ ما يَخُصُّه.
وأمَّا لَو غَرِقَتِ الأرضُ بماءِ نَبَعَ فيها، أو سَيلٍ؛ فإنَّه كانهِدامِ الدَّارِ.
القِسمُ الثَّالث: فَواتُ المَنفَعةِ شَرعًا، كَفَواتِها حِسًّا في اقتِضاءِ الِانفِساخِ؛ لِتَعذُّرِ الِاستِيفاءِ، فإذا استُؤجِرَ لِقَلْعِ سِنٍّ وَجِعةٍ أو يَدٍ مُتآكِلةٍ أو لِاستِيفاءِ قِصاصٍ في نَفْسٍ أو طَرَفٍ، فالإجارةُ صَحيحةٌ على الأصَحِّ، كَما سَبَقَ؛ فإذا زالَ الوَجَعُ أو عُفِيَ عن القِصاصِ فقَد أطلَقَ الجُمهورُ أنَّ الإجارةَ تَنفَسِخُ، وفيه كَلامانِ:
أحَدُهما: أنَّ المَنفَعةَ في هذه الإجارةِ مَضبوطةٌ بالعَملِ دونَ الزَّمانِ، وهو غيرُ مَيْئُوسٍ مِنه؛ لِاحتِمالِ عَودِ الوَجَعِ، فليكُنْ زَوالُ الوَجَعِ؛ كَغَصْبِ المُستَأجَرةِ حتى يَثبُتَ خِيارُ الفَسخِ دونَ الِانفِساخِ.
والآخَرُ: حَكَى الشَّيخُ أبو مُحمَّدٍ وَجهًا أنَّ الإجارةَ لا تَنفَسِخُ، بَلْ يُستَعمَلُ الأجيرُ في قَلعِ مِسمارٍ أو وَتَدٍ، ويُراعَى تَداني العَملَيْنِ، وهذا ضَعيفٌ، والقَوِيُّ ما قيلَ مِنْ أنَّ الحُكمَ بالِانفِساخِ جَوابٌ على أنَّ المُستَوفَى به لا يُبَدَّلُ؛ فإنْ جَوَّزْناه أمَرَه بقَلعِ سِنٍّ وَجِعةٍ لِغَيرِه.
وَقالوا: لا تَنفَسِخُ الإجارةُ عَينًا كانَتْ أو ذِمَّةً بعُذرٍ في غيرِ المَعقودِ عليه، سَواءٌ كانَ مِنْ المُؤجِّرِ أوِ المُستَأجِرِ، ولا يثبُتُ به فَسخٌ.
كَما إذا استَأجَرَ دَابَّةً لِلسَّفَرِ عليها، فمَرِضَ، أو حانوتًا لِحِرفةٍ، فانَهدَمَ، أو هَلَكَتْ آلاتُ تلك الحِرفةِ، أو حَمَّامًا، فتَعذَّرَ الوَقودُ.
وَكَذا لَو كانَ العُذرُ لِلمُؤجِّرِ بأنْ مَرِضَ وعَجَزَ عن الخُروجِ مع الدَّابَّةِ، أو أكرَى دارَه وأهلُه مُسافِرونَ، فعادوا واحتاجَ إلى الدَّارِ، أو تَأهَّلَ، فلا فَسخَ في شَيءٍ مِنها؛ إذْ لا خَلَلَ في المَعقودِ عليه.
والمَعنَى في الجَميعِ أنَّه لا خَلَلَ في المَعقودِ عليه، والِاستِنابةُ مِنْ كُلٍّ مِنهما مُمكِنةٌ.
وَمَحَلُّ عَدَمِ الِانفِساخِ في غيرِ العُذرِ الشَّرعيِّ، أمَّا هو فكَمَنِ استَأجَرَ شَخصًا لِقَلعِ سِنٍّ مُؤلِمةٍ فزالَ الألَمُ؛ فإنَّ الإجارةَ تَنفَسِخُ؛ لِتَعذُّرِ قَلعِها حينئذٍ شَرعًا.
تَنبيهٌ: يُستَثنَى مِنْ ذلك إجارةُ الإمامِ ذِمِّيًّا لِلجِهادِ، وتَعذَّرَ لِصُلحٍ حَصَلَ قبلَ مَسيرِ الجَيشِ؛ فإنَّه عُذرٌ لِلإمامِ يَستَرجِعُ به كلَّ الأُجرةِ، كَما قالَه الماوَرديُّ.
وَإفلاسُ المُستَأجِرِ قبلَ تَسليمِ الأُجرةِ ومُضِيِّ المدَّةِ؛ فإنَّه يُوجِبُ لِلمُؤجِّرِ الفَسخَ، كَما أطلَقَه في الرَّوضةِ، وأصْلُها في بابِ التَّفليسِ.
وَأفتَى ابنُ الصَّلاحِ رحمة الله عليه بأنَّ الإجارةَ لا تَنفَسِخُ بالإفلاسِ، إذا كانَتِ الأُجرةُ تُستحَقُّ آخِرَ كلِّ شَهرٍ؛ لأنَّ الأُجرةَ قبلَ انقِضاءِ الشَّهرِ لَم تُستَحقَّ، وبَعدَه فاتَتِ المَنفَعةُ، وهَكَذا العَملُ في كلِّ شَهرٍ، وحينئذٍ لا يُتصوَّرُ فيها الفَسخُ، وإنَّما يُتصوَّرُ إذا كانَتِ الإجارةُ كلُّها حالَّةً.
وَعَدَمُ دُخولِ النَّاسِ الحَمَّامَ المُستَأجَرَ بسَبَبِ فِتنةٍ حادِثةٍ أو خَرابِ النَّاحِيةِ لَيسَ بعَيبٍ يُثبِتُ الخِيارَ، كَما قالَه الزَّركَشيُّ، خِلافًا لِلرُّويانيِّ؛ إذْ لا خَلَلَ في المَعقودِ عليه.
وَلَوِ اكتَرى أرضًا لِلزِّراعةِ فزَرَعَها فهَلَكَ الزَّرعُ بجائِحةٍ مِنْ سَيلٍ أو شِدَّةِ حَرٍّ أو بَردٍ أو كَثرةِ مَطَرٍ، ونَحوِها، فليسَ له الفَسخُ ولا حَطُّ شَيءٍ مِنْ الأُجرةِ؛ لأنَّ الجائِحةَ لَحِقَتْ زَرْعَ المُستَأجِرِ، لا مَنفَعةَ الأرضِ، فصارَ كَما لَوِ اكتَرى دُكَّانًا لِبَيعِ البَزِّ فاحتَرقَ بَزُّه لا تَنفَسِخُ الإجارةُ.
فَلَو فَسَدَتِ الأرضُ بجائِحةٍ أبطَلَتْ قُوَّةَ الإنباتِ في مدَّةِ الإجارةِ انفَسخَتِ الإجارةُ في المدَّةِ الباقِيةِ، ثم إنْ كانَ فَسادُ الأرضِ بعدَ فَسادِ الزَّرعِ، فهَلْ يَستَرِدُّ شَيئًا مِنْ الأُجرةِ؟ فيه احتِمالَانِ لِلإمامِ:
أصَحُّهُما: عندَ الغَزاليِّ المَنعُ؛ لأنَّه لَو بَقِيَتْ صَلاحيةُ الأرضِ لَم يكُنْ لِلمُستَأجِرِ فيها نَفْعٌ بعدَ فَواتِ الزَّرعِ.
والآخَرُ: وبِه قَطَعَ بَعضُ أصحابِ الإمامِ: يَستَرِدُّ؛ لأنَّ بَقاءَ الأرضِ على صِفَتِها مَطلوبٌ؛ فإذا زالَ ثبَتَ الِانفِساخُ.
وإنْ كانَ فَسادُ الزَّرعِ بعدَ فَسادِ الأرضِ؛ فأصَحُّ الِاحتِمالَيْنِ بالِاتِّفاقِ الِاستِردادُ.
وَلا تَنفَسِخُ الإجارةُ ولَو ذِمَّةً بمَوتِ العاقِدَيْنِ أو أحَدِهِما، بَلْ تَبقَى إلى انقِضاءِ المدَّةِ؛ لأنَّها عَقدٌ لَازِمٌ؛ فلا تَنفَسِخُ بالمَوتِ؛ كالبَيعِ، وتُترَكُ العَينُ بعدَ مَوتِ المُؤجِّرِ عندَ المُستَأجِرِ، أو وارِثِه؛ لِيَستَوفِيَ مِنها المَنفَعةَ، فإنْ
كانَتِ الإجارةُ على الذِّمةِ فما التَزَمه دَيْنٌ عليه، فإنْ كانَ في التَّرِكةِ وَفاءٌ استُؤجِرَ مِنها لَتَوفِيَته، وإلَّا فالوارِثُ بالخِيارِ، إنْ شاءَ وَفَّاهُ واستَحقَّ الأُجرةَ، وإنْ شاءَ أعرَضَ، فلِلمُستَأجِرِ فَسخُ الإجارةِ.
وَيُستَثْنَى مِنْ ذلك ما لَو أوْصَى بدارِه لِزَيدٍ مدَّةَ عُمرِ زَيدٍ، فقَبِلَ الوَصيةَ، وأجَّرَها زَيدٌ مدَّةً، ثم ماتَ في خِلالِها، انفَسخَتِ الإجارةُ؛ لِانتِهاءِ حَقِّه بمَوتِه.
وَلا تَنفَسِخُ أيضًا بمَوتِ مُتوَلِّي الوَقْفِ مِنْ حاكِمٍ أو مَنصوبِه أو مَنْ شرطَ له النَّظَرَ على جَميعِ البُطونِ.
وَلَو أجَّرَ البَطنُ الأولُ مِنْ المَوقوفِ عليهمُ العَينَ المَوقوفةَ مدَّةً وماتَ البَطنُ المُؤجِّرُ قبلَ تَمامِها، وشرطَ الواقِفُ لكلِّ بَطنٍ مِنهمُ النَّظَرَ في حِصَّتِه مدَّةَ استِحقاقِه فَقَطْ.
أو أجَّرَ الوَلِيُّ صَبِيًّا أو مالَه مدَّةً لا يَبلُغُ فيها الصَّبِيُّ بالسِّنِّ، فبَلَغَ فيها بالِاحتِلامِ، وهو رَشيدٌ؛ فالأصَحُّ انفِساخُها فيما بَقِيَ مِنْ المدَّةِ في الوَقفِ؛ لأنَّ الوَقفَ انتَقلَ استِحقاقُه بمَوتِ المُؤجِّرِ لِغَيرِه، ولا وِلايةَ له عليه ولا نِيابَةَ لا في الصَّبِيِّ، فلا تَنفَسِخُ؛ لأنَّ الوَلِيَّ بَنَى تَصرُّفَه على المَصلَحةِ مع عَدَمِ تَقييدِ نَظَرِه، ومِثْلُ بُلُوغِه بالإنزالِ إفاقةُ مَجنونٍ ورُشدُ سَفيهٍ.
والثَّاني: لا تَنفَسِخُ في الوَقفِ، كالمِلْكِ، وتَنفَسِخُ في الصَّبيِّ لتَبيُّنِ عَدَمِ الوِلايةِ فيما بعدَ البُلوغِ، أمَّا الماضي مِنْ المدَّةِ فلا تَنفَسِخُ فيه.
أمَّا إذا بَلَغَ بالِاحتِلامِ سَفيهًا فلا تَنفَسِخُ قَطعًا، وأمَّا لَو أجَّرَه مدَّةً يَبلُغُ فيها بالسِّنِّ فتَبطُلُ في الزِّيادةِ إذا بَلَغَ رَشيدًا.
وَغَصْبُ الدَّابَّةِ ونَدُّها وإباقُ العَبدِ بغَيرِ تَفريطٍ مِنْ المُستَأجِرِ إذا وَقَعَتِ الإجارةُ على عَينَيْهِما إذا قُدِّرَتْ بمدَّةٍ يثبُتُ الخِيارُ؛ لِتَعذُّرِ الِاستيفاءِ فيما بَقِيَ، وإذا فَسخَ انفَسخَ فيما بَقيَ مِنْ المدَّةِ، وفيما مَضَى الخِلافُ في مَوتِ الدَّابَّةِ المُعيَّنةِ.
نَعَمْ إنْ بادَرَ المُؤجِّرُ وانتَزَعَ مِنْ الغاصِبِ ورَدَّ النَّادَّةَ والآبِقَ قبلَ مُضيِّ مدَّةٍ لِمِثلِها أُجرةٌ، سقطَ خيارُ المُستَأجِرِ، وإنَّما لَم تَنفَسِخِ الإجارةُ لِبَقاءِ عَينِ المَعقودِ عليه.
فَإنْ فَسخَ فَواضِحٌ، وإنْ أجازَ ولَم يَرُدَّ حتى انقَضَتِ المدَّةُ انفَسخَتِ الإجارةُ، ويَستقِرُّ قِسطُ ما استَوْفاه مِنْ المُسمَّى.
وأمَّا إجارةُ الذِّمةِ فيَلزَمُ المُؤجِّرَ الإبدالُ فيها، فإنِ امتَنَعَ استَأجَرَ الحاكِمُ عليه؛ إذْ لَيسَ المُعيَّنُ فيها كَمُعيَّنٍ في العَقدِ.
وأمَّا إجارةُ عَينٍ قُدِّرَتْ بعَملٍ فلا تَنفَسِخُ بنَحوِ غَصْبِه، بَلْ يَستَوفيه متى قَدَرَ عليه؛ كَبَعيرٍ يَركَبُه إلى مَكَّةَ، استَوْفاه متى قَدَرَ عليه؛ لأنَّ المَنفَعةَ المُقدَّرةَ بعَملٍ، وإنْ وجبَ تَسليمُها عَقِبَ العَقدِ لا تَفوتُ بمُضِيِّ الزَّمانِ، أو بالزَّمانِ، انفَسخَتِ الإجارةُ فيما انقَضَى مِنه، واستَعمَلَ العَينَ في الباقي؛ فإنْ لَم يَفسَخْ وانقَضَتِ المدَّةُ انفَسخَتِ الإجارةُ؛ فإنْ كانَ بتَفريطٍ مِنْ المُستَأجِرِ لَزِمَه المُسمَّى، كَما لَو فَرَّطَ في الرَّقَبةِ ضَمِنَها.
وليسَ لِلمُستَأجِرِ مُخاصَمةُ الغاصِبِ؛ كالمُستَعيرِ والمُودِعِ.
وَمَحَلُّ الخِلافِ في غَصْبِ الأجنَبيِّ، أمَّا إذا غَصَبَها المالِكُ بعدَ القَبضِ، أو قَبلَه، بامتِناعِه مِنْ الإقباضِ، فطَريقتانِ:
إحداهُما: كَغَصبِ الأجنَبيِّ، وأصَحُّهُما: القَطعُ بالِانفِساخِ، وإنْ غَصَبَها المُستَأجِرُ، ويُتصوَّرُ بأخذِها مِنْ المالِكِ بغَيرِ إذْنِه قبلَ انقِضاءِ الإجارةِ استَقرَّتِ الأُجرةُ عليه، وفي إجارةِ الذِّمةِ لا خِيارَ، وعَلَى المُؤجِّرِ الإبدالُ.
وَلَو أكرَى جِمَالًا بعَينِها، أو في الذِّمةِ، وسَلَّمَ عَينَها وهَرَبَ وتَركَها عندَ المُكتَرِي فلا فَسخَ لَه، ولا خِيارَ أيضًا، بَلْ إنْ شاءَ تَبرَّعَ بمُؤنَتِها، وإلَّا راجَعَ القاضيَ لِيَمُونَها، ومَن يَقومُ بحِفظِها مِنْ مالِ الجَمَّالِ؛ فإنْ لَم يَجِدْ له مالًا، ولَم يكُنْ في الجِمالِ فَضلٌ، اقتَرضَ القاضي عليه مِنْ المُكتَرِي أو أجنَبيٍّ أو بَيتِ المالِ؛ لأنَّ ذلك هو المُمكِنُ، ولأنَّ الحاكِمَ هو النَّاظِرُ في أموالِ الغائِبينَ، وقَد تَعيَّنَ ذلك طَريقًا.
فَإنْ وَثِقَ القاضي بالمُكتَرِي دفعَ ما اقتَرضَه إلَيه، وإنِ اقتَرضَه منه لِيُنفِقَه عليها، وإلَّا بأنْ لَم يَثِقْ به جعلَ ما اقتَرضَه القاضي عِندَه ثِقةً يُنْفِقُ عليها.
وَلِلقاضي رحمة الله عليه: إنْ لَم يَجدْ مالًا يَقتَرِضُه فله أنْ يَبيعَ مِنها بقَدْرِ النَّفَقةِ عليها وعَلَى مُتعَهِّدِها.
وَلَو أذِنَ لِلمُكتَرِي في الإنفاقِ مِنْ مالِه لِيَرجِعَ، جازَ على الأظهَرِ؛ لأنَّه مَحَلُّ ضَرورةٍ، كَما لَوِ استَقرَضَ منه ودفعَ إلَيه، ولأنَّ الحاكِمَ قد لا يَجِدُ غَيرَه.
والطَّريقةُ الأُخرى: المَنعُ؛ لأنَّه يُؤدِّي إلى أنْ يَكونَ القولُ قَولَه فيما يَستَحقُّه على غَيرِه، بَلْ يُؤخَذُ المالُ مِنه، ويُدفَعُ إلى أمِينٍ.
فعلى الأَوْلَى لَوِ اختَلفا في قَدْرِ ما أنفَقَ؛ فالصَّحيحُ أنَّ القَولَ قولُ المُنفِقِ إذا ادَّعَى نَفَقةً مُعتادةً.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الإجارة
فصل في صفة الإجارة
وَجْهُ الْمَذْكُورِ فِي الْأَصْلِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الْمَنَافِعَ فِي الْإِجَارَةِ لَا تُمْلَكُ جُمْلَةً وَاحِدَةً بَلْ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَكَانَ اعْتِرَاضُ الْعُذْرِ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ عَيْبٍ حَدَثَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَالْعَيْبُ الْحَادِثُ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ يُوجِبُ لِلْعَاقِدِ حَقَّ الْفَسْخِ، وَلَا يَقِفُ ذَلِكَ عَلَى الْقَضَاءِ وَالرِّضَا، كَذَا هَذَا، وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ فَصَّلَ فِيهِ تَفْصِيلًا فَقَالَ: إنْ كَانَ الْعُذْرُ ظَاهِرًا لَا حَاجَةَ إلَى الْقَضَاءِ، وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا كَالدَّيْنِ يُشْتَرَطُ الْقَضَاءُ لِيَظْهَرَ الْعُذْرُ فِيهِ وَيَزُولَ الِاشْتِبَاهُ، وَهَذَا حَسَنٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَبِيعَ الْمُسْتَأْجَرَ ثُمَّ يَفْسَخَ الْإِجَارَةَ.
فَصْلٌ فِي صِفَةُ الْإِجَارَةِ
(فَصْلٌ) :
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في بيان أحكام الإجارة وكراء الدواب وغيرها]
[فصل كراء الدابة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (فَصْلٌ) وَكِرَاءُ الدَّابَّةِ كَذَلِكَ، وَجَازَ عَلَى أَنَّ عَلَيْك عَلَفَهَا، أَوْ طَعَامَ رَبِّهَا، أَوْ عَلَيْهِ طَعَامَك
ــ
منح الجليل
فَصْل كِرَاء الدَّابَّة
(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ أَحْكَامِ كِرَاءِ الدَّوَابِّ وَالرِّبَاعِ (وَكِرَاءُ الدَّابَّةِ كَذَلِكَ) أَيْ إيجَارُ عَاقِلٍ وَمُمْكِنُ النَّقْلِ غَيْرِ السَّفِينَةِ وَالدَّابَّةِ فِي تَوَقُّفِ الصِّحَّةِ عَلَى عَاقِدٍ وَأَجْرٍ كَالْبَيْعِ وَالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ وَاللُّزُومِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ. وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ السَّابِقَةِ. ابْنُ شَاسٍ أَقْسَامُ الْإِجَارَةُ ثَلَاثَةٌ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي اسْتِئْجَارِ الْآدَمِيِّ، الْقِسْمُ الثَّانِي فِي اسْتِئْجَارِ الْأَرَاضِي، الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي اسْتِئْجَارِ الدَّوَابِّ وَهِيَ تُسْتَأْجَرُ لِأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: لِلرُّكُوبِ ولِلْحَمْلِ وَلِلِاسْتِقَاءِ وَلِلْحَرْثِ.
ارجع إلى حكم عقد الإجارة وما يبطلها للاطلاع على جميع المسائل.