الإسلام > الشركات والإجارات > حكم عقد الإجارة وما يبطلها > وتنفسخ الإجارة بتلف العين المعقود عليها
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 29 دقيقة قراءةوَإذا رَجعَ ربُّ البَهائِمِ واختَلفا فيما أنفَقَ، وكانَ الحاكِمُ قدَّرَ النَّفَقةَ قبلَ قَولِ المُكتَرِي في إنفاقِ ذلك الذي قدَّرَه الحاكِمُ؛ لأنَّه أمينٌ دونَ ما زادَ على ذلك، فلا يُقبَلُ قولُه فيه، وإنْ لَم يُقَدِّرِ الحاكِمُ له نَفَقةً قبلَ قَولِ المُستَأجِرِ في قَدْرِ النَّفَقةِ بالمَعروفِ؛ لأنَّه أمينٌ.
٢ - وتَنفَسِخُ الإجارةُ بتَلَفِ العَينِ المَعقودِ عليها، كَعَبدٍ ماتَ ودارٍ انهَدَمَتْ؛ لِزَوالِ المَنفَعةِ بتَلَفِ المَعقودِ عليه، فانفَسخَتْ؛ سَواءٌ كانَ قبلَ قَبضِها، أو عَقِبَه، ولا أُجرةَ؛ فإنْ تَلِفَتِ العَينُ في أثنائِها، بأنِ اكتَرى دارًا فانهَدَمَتْ، أوِ اكتَرى أرضًا لِلزَّرعِ فانقَطَعَ ماؤُها، أو غَرِقَتِ، انفَسخَتِ الإجارةُ في البقيَّةِ مِنْ المدَّةِ؛ لأنَّ المَقصودَ بالعَقدِ قد فاتَ، أشبَهَ ما لَو تَلِفَ. وإنْ كانَ التَّلَفُ بعدَ مُضيِّ مدَّةٍ لَها أُجرةٌ انفَسخَتْ فيما بَقيَ، ووجبَ لِلماضي القِسطُ.
٣ - وتَنفَسِخُ الإجارةُ بمَوتِ الصَّبيِّ المُرتَضِعِ أو امتِناعِه مِنْ الرَّضاعِ مِنها: لِتَعذُّرِ استِيفاءِ المَعقودِ عليه؛ لأنَّ غيرَه لَا يَقومُ مَقامَه في الِارتِضاعِ؛ لِاختِلافِ المُرتَضِعَيْنِ فيه، وقَد يُدَرُّ اللَّبنُ على واحِدٍ دونَ آخَرَ.
فَإنْ كانَ مَوتُه عَقِبَ العَقدِ زَالَتِ الإجارةُ مِنْ أصْلِها، ورَجعَ المُستَأجِرُ بالأجْرِ كلِّه، وإنْ كانَ بعدَ مُضيِّ مدَّةٍ رَجعَ بحِصَّةِ ما بَقيَ.
٤ - وتَنفَسِخُ أيضًا بمَوتِ المُرضِعةِ؛ لِفَواتِ المَنفَعةِ بهَلاكِ مَحَلِّها.
٥ - وتَنفَسِخُ أيضًا بانقِلاعِ الضِّرسِ الذي اكتَرى لِقَلعِه أو بُرئِه؛ لِتَعذُّرِ استِيفاءِ المَعقودِ عليه؛ كالمَوتِ ونَحوِه؛ كاستِئجارِ طَبيبٍ لِيُداوِيَه، فيَبرَأُ أو
يَموتُ، فتَنفَسِخُ فيما بَقيَ، فإنِ امتَنَعَ المَريضُ مِنْ ذلك مع بَقاءِ المَرَضِ، استَحقَّ الطَّبيبُ الأُجرةَ بمُضِيِّ المدَّةِ، وإنْ شارَطَه على البُرءِ فهي جَعالةٌ، ولا يَستَحقُّ شَيئًا مِنْ أُجرةٍ حتى يُوجَدَ البُرءُ.
وَلا تَصحُّ الإجارةُ إنْ أجَّرَه أرضًا لا ماءَ لَها، إنْ ظَنَّ المُستَأجِرُ إمكانَ تَحصيلِ الماءِ، أو لَم يَعلَمْ أنَّها لا ماءَ لَها؛ لأنَّه رُبَّما دخلَ في العَقدِ بِناءً على أنَّ المُؤجِّرَ يَحصُلُ له ماءٌ، وأنَّه يَكتَريها لِلزِّراعةِ مع تَعذُّرِها، وإنْ عُلِمَ وُجودُ الماءِ بالأمطارِ ونَحوِها، أو ظَنَّ وُجودَه بالأمطارِ، أو زيادةِ النِّيلِ ونَحوِه، صَحَّ العَقدُ؛ لأنَّ حُصولَه مُعتادٌ، والظَّاهِرُ وُجودُه.
ومتى زَرَعَ فغَرِقَ الزَّرعُ أو تَلِفَ بحَريقٍ أو جَرادٍ أو فَأْرٍ أو بَردٍ أو غَيرِه، قبلَ حَصادِه، أو لَم تَنبُتْ، فلا خِيارَ، وتَلزَمُه الأُجرةُ نَصًّا، قالَ ابنُ قُدامةَ: بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُهُ (١)؛ لأنَّ التَّالِفَ غيرُ المَعقودِ عليه، وسَبَبُه غيرُ مَضمونٍ على المُؤجِّرِ، ثم إنْ أمكَنَ المُكتَرِيَ الِانتِفاعُ بالأرضِ بغَيرِ الزَّرعِ، أو بالزَّرعِ في بَقيَّةِ المدَّةِ فلَه ذلك؛ لأنَّه ملكَ المَنفَعةَ إلى انقِضاءِ مدَّتِه، وإنْ تَعذَّرَ زَرْعُها، أيِ: المُؤجَّرةِ؛ لِغَرَقِ الأرضِ المُؤجَّرةِ، أو قَلَّ الماءُ قبلَ زَرعِها، أو بَعدَه، أو عابَتْ بغَرَقٍ يَعيبُ به بَعضُ الزَّرعِ، فلَه الخِيارُ؛ لِحُصولِ ما نَقَصَ به مَنفَعةُ العَينِ المُؤجَّرةِ، ثم إنِ اختارَ الفَسخَ وقَد زَرَعَ بَقيَّةَ الزَّرعِ في الأرضِ إلى الحَصادِ، وعليه مِنْ المُسمَّى بحِصَّتِه إلى حينِ الفَسخِ، وأجْرُ المِثلِ لِمَا بَقيَ مِنْ المدَّةِ لِأرضٍ مُتصفةٍ بالعَيبِ الذي ملكَ الفَسخَ مِنْ أجْلِه.
(١) «المغني» (٥/ ٢٨٢).
والأرضُ الغارِقةُ بالماءِ، التي لا يُمكِنُ زَرعُها قبلَ انحِسارِه، وهو تارَةً يَنحَسِرُ، وتارةً لا يَنحَسِرُ، لا يَصحُّ عَقدُ الإجارةِ عليها إذَنْ؛ لأنَّ الِانتِفاعَ بها في الحالِ مُتعَذِّرٌ لِوُجودِ المانِعِ، وفي المَآلِ غيرُ ظاهِرٍ؛ لأنَّه لا يَزولُ في الأغلَبِ.
وَلا تَنفَسِخُ الإجارةُ بمَوتِ المُكرِي، وَمَوتِ المُكتَرِي معًا، أو بمَوتِ أحَدِهِما؛ لأنَّها عَقدٌ لَازِمٌ؛ فلَم تَنفَسِخْ بمَوتِ العاقِدِ مع سَلامةِ المَعقودِ عليه، إلَّا إذا ماتَ المَوقوفُ عليه، وقَد أجَّرَ؛ لِكَونِ الوَقفِ عليه، ولَم يَشرُطِ الواقِفُ ناظِرًا.
وَلا تَنفَسِخُ أيضًا بعُذرٍ لِأحَدِهِما، مثلَ أنْ يَكتَريَ لِلحَجِّ، فتَضيعَ نَفَقَتُه، أو يَكتَريَ دُكَّانًا يَبيعُ فيه مَتاعَه، فيَحتَرِقَ مَتاعُه؛ لأنَّه عَقدٌ لا يَجوزُ فَسخُه لِغَيرِ عُذرٍ؛ فلَم يَجُزْ لِعُذرٍ مِنْ غيرِ المَعقودِ عليه، كالبَيعِ.
وإنْ غُصِبَتِ العَينُ المُستَأجَرةُ فإنْ كانَتِ الإجارةُ على عَينٍ مَوصوفةٍ في الذِّمةِ بأنْ أجَّرَه دَابَّةً صِفَتُها كَذا وكَذا، ثم سَلَّمَه عَينًا بتلك الصِّفاتِ، فغُصِبَتْ، لَزِمَه -أي: المُؤجِّرَ- بَدَلُها؛ لأنَّ العَقدَ على ما في الذِّمةِ، لا عليها؛ فإنْ تَعذَّرَ بَدَلُها على المُؤجِّرِ فلَه الفَسخُ، ولَه الصَّبرُ إلى القُدرةِ عليها أو على بَدَلِها، وتَنفَسِخُ بمُضِيِّ المدَّةِ، إنْ كانَتْ على مدَّةٍ، وكَذا لَو تَلِفَتِ المَوصوفةُ في الذِّمةِ، أو تَعَيَّبَتْ؛ فيَلزَمُ المُؤجِّرَ بَدَلُها.
فَإنْ تَعذَّرَ فلِلمُستَأجِرِ الفَسخُ، كَما لَو تَعذَّرَ تَسليمُ المَبيعِ.
وإنْ كانَتِ الإجارةُ على عَينٍ مُعيَّنةٍ لِعَملٍ، بأنْ أجَّرَ هذه الدَّابَّةَ لِيَركَبَها
إلى كَذا، خُيِّرَ المُستَأجِرُ بينَ فَسخٍ وصَبْرٍ إلى أنْ يَقدِرَ عليها؛ لأنَّ الحَقَّ في ذلك لَه، فإذا أخَّرَه جازَ.
وإنْ كانَتِ الإجارةُ على عَينٍ مُعيَّنةٍ إلى مدَّةٍ مَعلومةٍ، بأنْ قالَ: أجَّرتُكَ هذا العبدَ لِلخِدمةِ شَهرًا، فغُصِبَ، خُيِّرَ المُستَأجِرُ بينَ فَسخِ العَقدِ؛ لِتَعذُّرِ تَسليمِ المَعقودِ عليه، وبَينَ إبقاءِ العَقدِ بلا فَسخٍ، ومُطالَبةِ الغاصِبِ بأُجرةِ مِثلٍ، ولا يَنفَسِخُ العَقدُ بمُجرَّدِ الغَصبِ؛ لأنَّ المَعقودَ عليه لَم يَفُتْ مُطلَقًا، بَلْ إلى بَدَلٍ، وهو القِيمةُ، أشبَهَ ما لَو أتلَفَ الثَّمرةَ المَبيعةَ آدَميٌّ، وحَيثُ ثبَتَ له الخيارُ فلَه الفَسخُ، ولَو مُتراخيًا، ولَو بعدَ فَراغِ المدَّةِ؛ لأنَّه فَسخٌ لِاستِدراكِ ظُلامةٍ، فهو كالفَسخِ لِعَيبٍ في المَبيعِ، فإنْ فَسخَ المُستَأجِرُ فعليه أُجرةُ ما مَضَى قبلَ الفَسخِ مِنْ المُسمَّى؛ لِاستِقرارِه عليه، وإنْ رُدَّتِ العَينُ المَغصوبةُ في أثناءِ مدَّةِ الإجارةِ قبلَ الفَسخِ استَوفَى المُستَأجِرُ ما بَقيَ مِنْ مدَّتِه، وخُيِّرَ فيما مَضَى والعَينُ بَيدِ الغاصِبِ، وإنْ كانَ الغاصِبُ هو المُؤجِّرَ فلا أُجرةَ لَه، سَواءٌ كانَتِ الإجارةُ على عَملٍ، أو إلى مدَّةٍ، وسَواءٌ كانَتْ على عَينٍ مُعيَّنةٍ، أو مَوصوفةٍ، وسَواءٌ كانَ غَصْبُه لَها قبلَ المدَّةِ، أو في أثنائِها، فليسَ حُكمُه حُكمَ الغاصِبِ الأجنَبيِّ؛ حَيثُ لَم تكُنْ يَد المُستَأجِرِ عليها، كَما تَقدَّمَ.
وَلَو أتلَفَ المُستَأجِرُ العَينَ المُؤجَّرةَ ثبَتَ ما تَقدَّمَ مِنْ مِلْكِ الفَسخِ إذا كانَتْ على مَوصوفةٍ في الذِّمةِ، وتَعذَّرَ البَدَلُ أو الِانفِساخُ إذا كانَتْ على مُعيَّنةٍ؛ لِتَعذُّرِ تَسليمِ المَعقودِ عليه مع تَضمينِ المُستَأجِرِ ما أُتلِفَ مِنْ العَينِ.
وَلَو حَدَثَ خَوفٌ عامٌّ يَمنَعُ مِنْ سُكنَى المَكانِ الذي فيه المُستَأجَرةُ، أو حُصِرَ البَلَدُ، فامتَنَعَ خُروجُ المُستَأجِرِ إلى الأرضِ التي استَأجَرَها لِيَزرَعَها، فلَه الفَسخُ؛ لأنَّه أمْرٌ غالِبٌ مَنَعَ المُستَأجِرَ مِنْ استِيفاءِ المَنفَعةِ، فيثبُتُ به الخِيارُ، كالغَصبِ.
وإنْ كانَ الخَوفُ خاصًّا بالمُستَأجِرِ، كَمَنْ خافَ وَحدَه لِقُربِ أعدائِه مِنْ المَوضِعِ المَأْجورِ، أو لِحُلولِهم في طَريقِه، أو لِمَرَضٍ، أو حَبسٍ، ولَو ظُلْمًا، لَم يَملِكِ الفَسخَ؛ لأنَّه عُذرٌ يَختَصُّ به، لا يَمنَعُ مِنْ استِيفاءِ المَنفَعةِ بالكُليَّةِ؛ لأنَّ له أنْ يُؤجِّرَ مَنْ يَقومُ مَقامَه.
وَلَوِ اكتَرى دَابَّةً لِيَركَبَها إلى مَوضِعٍ مُعيَّنٍ، أوِ اكتَراها لِيَحمِلَ عليها إلى مَوضِعٍ مُعيَّنٍ، فانقَطَعَتِ الطَّريقُ إلَيها، أي: إلى جِهةِ ذلك المَوضِعِ المُعيَّنِ؛ لِخَوفٍ حادِثٍ، أوِ اكتَرى إلى مَكَّةَ، فلَم يَحُجَّ النَّاسُ ذلك العامَ مِنْ تلك الطَّريقِ، ملكَ كلٌّ مِنهما -أي: مِنْ المُؤجِّرِ والمُستَأجِرِ- فَسْخَ الإجارةِ، لِمَا تَقدَّمَ، وإنِ اختارا -أي: المُؤجِّرُ والمُستَأجِرُ- بَقاءَ الإجارةِ إلى حِينِ إمكانِ استِيفاءِ المَنفَعةِ جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لا يَعدوهُما.
وَمَنِ استُؤجِرَ لِعَملِ شَيءٍ في الذِّمةِ ولَم يُشترَطْ عليه مُباشَرَتُه فمَرِضَ، وجبَ عليه أنْ يُقيمَ مَقامَه مَنْ يَعمَلُه لِيَخرُجَ مِنْ الحَقِّ الواجِبِ في ذِمَّتِه؛ كالمُسلَّمِ فيه، والأُجرةُ عليه؛ لأنَّها في مُقابَلةِ ما وجبَ عليه، ولا يَلزَمُ المُستَأجِرَ إنظارُه؛ لأنَّ العَقدَ بإطلاقِه يَقتَضي التَّعجيلَ، إلَّا فيما يَختَلِفُ فيه القَصدُ، كَنَسخٍ؛ فإنَّه يَختَلِفُ باختِلافِ الخُطوطِ، ولا يَلزَمُ المُستَأجِرَ قَبولُ عَملِ غَيرِه؛ لأنَّ الغَرَضَ لا يَحصُلُ به، وإنْ تَعذَّرَ عَملُ الأجيرِ فلِلمُستَأجِرِ
الفَسخُ لِتَعذُّرِ وُصولِه إلى حَقِّه، وإنْ شرطَ المُستَأجِرُ على الأجيرِ مُباشَرَتَه فلا استِنابةَ إذَنْ لِوُجودِ الشَّرطِ.
وإنْ ماتَ الأجيرُ في أثناءِ مدَّةِ الإجارةِ بَطَلَتِ الإجارةُ فيما بَقيَ؛ لِفَواتِ المَعقودِ عليه بهَلاكِ مَحَلِّه، وإنْ كانَتِ الإجارةُ على عَينِه في مدَّةٍ أو غَيرِها، بأنِ استَأجَرَ عَبدًا مُعيَّنًا، أو إنسانًا مُعيَّنًا؛ لِيَخِيطَ له شَهرًا، أو لِيَبنِيَ له هذا الحائِطَ، فمَرِضَ الأجيرُ، لَم يُقِمْ غيرَه مَقامَه؛ لِوُقوعِ العَقدِ على عَينِهِ، كالمَبيعِ المُعيَّنِ.
وإنْ وَجَدَ المُستَأجِرُ العَينَ المُؤجَّرةَ مَعيبةً، أو حَدَثَ بها عِندَه عَيبٌ يَظهَرُ به تَفاوُتُ الأُجرةِ، فلَه الفَسخُ؛ لأنَّ المَنافِعَ لا يَحصُلُ قَبضُها إلَّا شَيئًا فشَيئًا، فإذا حَدَثَ العَيبُ فقَد وُجِدَ قبلَ قَبضِ البَقيَّةِ مِنْ المَعقودِ عليه فأثبَتَ الفَسخَ فيما بَقيَ مِنها.
أو استَأجَرَ دارًا جارُها رَجُلُ سَوْءٍ، أو امرَأةٌ كذلك، ولَم يَعلَمِ المُستَأجِرُ، فلَه الفَسخُ بذلك، كالبَيعِ، إنْ لَم يَزُلِ العَيبُ سَريعًا بلا ضَرَرٍ يَلحَقُ المُستَأجِرَ.
فَإنِ انسَدَّتِ البالُوعةُ فأرادَ المُستَأجِرُ الرَّدَّ، فقالَ المُؤجِّرُ: أنا أفتَحُها، وكانَ زَمنًا يَسيرًا لا تَتلَفُ فيه مَنفَعةٌ تَضُرُّ بالمُستَأجِرِ، لَم يكُنْ له الخِيارُ.
وَإذا فَسخَ المُستَأجِرُ الإجارةَ لِلعَيْبِ فعليه أُجرةُ ما مَضَى قبلَ الفَسخِ؛ لِاستِقرارِه عليه، ولِلمُستَأجِرِ أيضًا الإمضاءُ بلا أرشٍ لِلعَيْبِ؛ لأنَّه رَضيَ به ناقِصًا، وفيه وَجهٌ: له الأرشُ كالبَيعِ، قالَ ابنُ نَصرِ اللَّهِ: قد تَعِبْنا فلَم نَجِدْ بَينَهما فَرقًا.
فَلَو لَم يَعلَمِ المُستَأجِرُ بالعَيبِ حتى انقَضَتِ المدَّةُ، لَزِمتْه الأُجرةُ كامِلةً، ولا أرشَ لَه؛ لِلعَيبِ، كَما لَو عَلِمَ، واختارَ الإمضاءَ.
وَيَصحُّ بَيعُ العَينِ المُؤجَّرةِ سَواءٌ أجَّرَها مدَّةً لا تَلِي العَقدَ، باعَها قبلَ دُخولِها، أو باعَها في أثناءِ المدَّةِ؛ لأنَّ الإجارةَ عَقدٌ على المَنافِعِ، فلا تَمنَعُ صِحَّةَ البَيعِ، كَما لَو زَوَّجَ أَمَتَهُ ثم باعَها.
وَيَصحُّ أيضًا رَهْنُها؛ لأنَّه يَصحُّ بَيعُها، ولِمُشتَريها الخِيارُ بينَ الفَسخِ والإمضاءِ مَجَّانًا، إذا لَم يَعلَمْ أنَّها مُؤجَّرةٌ، وفي الرِّعايةِ الفَسخُ أو الأرشُ، قالَ أحمَدُ: هو عَيبٌ.
وَلا تَنفَسِخُ الإجارةُ بشِراءِ مُستَأجِرِها، أي: العَينِ المُؤجَّرةِ؛ لأنَّه كانَ مالِكًا لِلمَنفَعةِ، ثم ملكَ الرَّقَبةَ، ولا تَنافِيَ بَينَهما.
وَلا تَنفَسِخُ الإجارةُ أيضًا بانتِقالِ العَينِ المُؤجَّرةِ إلى المُستَأجِرِ بإرْثٍ أو هِبةٍ أو وَصِيَّةٍ أو صَداقٍ أو عِوَضٍ في خُلعٍ أو صُلحٍ ونَحوِهِما؛ كَجَعالةٍ وطَلاقٍ وعِتقٍ؛ لِعَدَمِ التَّنافِي بينَ مِلْكِ الرَّقَبةِ والمَنفَعةِ، فيَجتَمِعُ لِبائِعٍ على مُشتَرِي العَينِ المُؤجَّرةِ الثَّمنُ والأُجرةُ؛ لأنَّ عَقدَ البَيعِ لَم يَشمَلِ المَنافِعَ الجارِيةَ في مِلْكِه بعَقدِ التَّأجِيرِ؛ لأنَّ شِراءَ الإنسانِ مِلْكَ نَفْسِه مُحالٌ.
وَإنِ اشترَى المُستَأجِرُ العَينَ المُؤجَّرةَ فوَجَدَها مَعيبةً، فرَدَّ شِراءَها لِلعَيبِ؛ فالإجارةُ بحالِها؛ لأنَّهما عَقدانِ، فإذا فُسِخَ أحَدُهما بَقيَ الآخَرُ.
وإنْ كانَ المُشتَرِي لِلعَينِ المُؤجَّرةِ أجنَبِيًّا؛ فالأُجرةُ مِنْ حِينِ البَيعِ لَه، نَصَّ عليه في رِوايةِ جَعفَرِ بنِ مُحمَّدٍ، قالَ البُهُوتِيُّ: واستُشكِلَ بكَونِ المَنافِعِ
مدَّةَ الإجارةِ غيرَ مَملوكةٍ لِلبائِعِ، فلا تَدخُلُ في عَقدِ البَيعِ، حتى إنَّ المُشتَرِيَ يَكونُ له عِوَضُها، وهو الأُجرةُ.
وَأُجيبَ عن ذلك: بأنَّ المالِكَ يَملِكُ عِوَضَها، وهو الأُجرةُ، ولَم تَستقِرَّ بَعدُ، ولَوِ انفَسخَ العَقدُ لرَجعَتِ المَنافِعُ إلى البائِعِ؛ فيَقومَ المُشتَري مَقامَ البائِعِ فيما كانَ يَستَحقُّه مِنها، وهو استِحقاقُ عِوَضٍ لِمَنافِعَ، مع بَقاءِ الإجارةِ، قالَه في شَرحِ المُنتهى، وفي المُغني ما يَقتَضي أنَّ الأُجرةَ لِلبائِعِ، وهو واضِحٌ؛ لأنَّه ملكَها بالعَقدِ.
فَإنْ رَدَّ المُستَأجِرُ الأجنَبيُّ الإجارةَ لِعَيبٍ ونَحوِه عادَتِ المَنفَعةُ في بَقيَّةِ المدَّةِ إلى البائِعِ دونَ المُشتَرِي؛ لأنَّ عَقدَه لَم يَتناوَلْها؛ لِعَدَمِ مِلكِ البائِعِ لَها إذْ ذاكَ (١).
وقالَ الرُّحَيبانيُّ رحمة الله عليه: ويُتَّجَهُ بأنَّ الإجارةَ تَنفَسِخُ باستِيلاءِ حَربِيٍّ على دارِ المُسلِمينَ، فيَضَعُ يَدَه على المَأجورِ، ويَمنَعُ مِنْ الِانتِفاعِ به، وعَكسُه؛ بأنْ يَستَوليَ المُسلِمونَ على دارِ الحَربِ، ويَضَعُوا أيديَهم على مَأْجُورَاتِهم، فلا يُمكَّنُ المُستَأجِرُ مِنْ التَصرُّفِ فيما استَأجَرَه مِنْ الحَربِيِّ، فتَنفَسِخُ الإجارةُ بذلك، إلَّا إنْ كانَ الحَربِيُّ قد أجَّرَه -أي: ما بيَدِه- لِإنسانٍ مَعصومٍ مِنْ مُسلِمٍ أو ذِمِّيٍّ؛ فلا تَنفَسِخُ الإجارةُ؛ لِدَوامِ ثُبوتِ يَدِه على المَأجورِ؛ لأنَّه مُحتَرمٌ، وانتِقالُ المِلْكِ في المَأْجورِ لا يَقتَضي بُطلانَ الإجارةِ، كَما تَقدَّمَ، وهو مُتجَهٌ (٢).
(١) «كشاف القناع» (٤/ ٣٧).
(٢) «مطالب أولي النهى» (٣/ ٦٥٥، ٦٦٦)، ويُنْظر: «المغني» (٥/ ٢٦٠، ٢٦٥)، و «الشرح الكبير» (٦/ ٩٩، ١٠٤)، و «شرح الزركشي» (٢/ ١٨٠، ١٨٣)، و «الإنصاف» (٦/ ٥٨، ٦٦)، و «كشاف القناع» (٤/ ٢٧، ٣٨)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٥١، ٦٣)، و «الروض المربع» (٢/ ٩٨، ١٠١)، و «منار السبيل» (٢/ ٢٢٣، ٢٢٦).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الإجارة
فصل في صفة الإجارة
وَجْهُ الْمَذْكُورِ فِي الْأَصْلِ وَالْجَامِعِ الصَّغِيرِ أَنَّ الْمَنَافِعَ فِي الْإِجَارَةِ لَا تُمْلَكُ جُمْلَةً وَاحِدَةً بَلْ شَيْئًا فَشَيْئًا، فَكَانَ اعْتِرَاضُ الْعُذْرِ فِيهَا بِمَنْزِلَةِ عَيْبٍ حَدَثَ قَبْلَ الْقَبْضِ، وَالْعَيْبُ الْحَادِثُ قَبْلَ الْقَبْضِ فِي الْبَيْعِ يُوجِبُ لِلْعَاقِدِ حَقَّ الْفَسْخِ، وَلَا يَقِفُ ذَلِكَ عَلَى الْقَضَاءِ وَالرِّضَا، كَذَا هَذَا، وَمِنْ مَشَايِخِنَا مَنْ فَصَّلَ فِيهِ تَفْصِيلًا فَقَالَ: إنْ كَانَ الْعُذْرُ ظَاهِرًا لَا حَاجَةَ إلَى الْقَضَاءِ، وَإِنْ كَانَ خَفِيًّا كَالدَّيْنِ يُشْتَرَطُ الْقَضَاءُ لِيَظْهَرَ الْعُذْرُ فِيهِ وَيَزُولَ الِاشْتِبَاهُ، وَهَذَا حَسَنٌ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَبِيعَ الْمُسْتَأْجَرَ ثُمَّ يَفْسَخَ الْإِجَارَةَ.
فَصْلٌ فِي صِفَةُ الْإِجَارَةِ
(فَصْلٌ) :
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في بيان أحكام الإجارة وكراء الدواب وغيرها]
[فصل كراء الدابة]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (فَصْلٌ) وَكِرَاءُ الدَّابَّةِ كَذَلِكَ، وَجَازَ عَلَى أَنَّ عَلَيْك عَلَفَهَا، أَوْ طَعَامَ رَبِّهَا، أَوْ عَلَيْهِ طَعَامَك
ــ
منح الجليل
فَصْل كِرَاء الدَّابَّة
(فَصْلٌ) فِي بَيَانِ أَحْكَامِ كِرَاءِ الدَّوَابِّ وَالرِّبَاعِ (وَكِرَاءُ الدَّابَّةِ كَذَلِكَ) أَيْ إيجَارُ عَاقِلٍ وَمُمْكِنُ النَّقْلِ غَيْرِ السَّفِينَةِ وَالدَّابَّةِ فِي تَوَقُّفِ الصِّحَّةِ عَلَى عَاقِدٍ وَأَجْرٍ كَالْبَيْعِ وَالْجَوَازِ وَالْمَنْعِ وَاللُّزُومِ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ. وَسَائِرِ الْأَحْكَامِ السَّابِقَةِ. ابْنُ شَاسٍ أَقْسَامُ الْإِجَارَةُ ثَلَاثَةٌ: الْقِسْمُ الْأَوَّلُ فِي اسْتِئْجَارِ الْآدَمِيِّ، الْقِسْمُ الثَّانِي فِي اسْتِئْجَارِ الْأَرَاضِي، الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي اسْتِئْجَارِ الدَّوَابِّ وَهِيَ تُسْتَأْجَرُ لِأَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ: لِلرُّكُوبِ ولِلْحَمْلِ وَلِلِاسْتِقَاءِ وَلِلْحَرْثِ.
ارجع إلى حكم عقد الإجارة وما يبطلها للاطلاع على جميع المسائل.