الحوالة بثمن البضاعة

الإسلام > الشركات والإجارات > شروط الشركة > الحوالة بثمن البضاعة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 23 دقيقة قراءة

الحوالة بثمن البضاعة - الأقوال والأدلة

وقد نَصَّ الإمامُ الشافِعيُّ في «الأُمِّ» على عَدمِ جَوازِ الرَّهنِ والارتِهانِ لِلمُقارِضِ، كما سيأتي -إنْ شاءَ اللهُ في المُقارَضةِ.

١٠ - الحَوالةُ بثَمنِ البِضاعةِ:

نَصَّ الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ على أنَّه يَجوزُ لِأحَدِ الشَّريكَيْن أنْ يَحتالَ.

قال الحَنفيَّةُ: وله -أي: الشَّريكِ- أنْ يَحتالَ؛ لأنَّ الحَوالةَ مِنْ أعمالِ التِّجارةِ؛ لأنَّ التاجِرَ يَحتاجُ إليها؛ لِاختِلافِ الناسِ في المَلاءةِ والإفلاسِ وكَونِ بَعضِهم أملأَ مِنْ بَعضٍ، وفي العادةِ يُختارُ الأملأُ فالأملأُ، فكانت الحَوالةُ وَسيلةً إلى الاستيفاءِ، فكانت في مَعنى الرَّهنِ في التَّوثُّقِ لِلاستيفاءِ، ولأنَّ الاحتيالَ تَمليكُ ما في الذِّمَّةِ بمِثلِه، فيَجوزُ، كالصَّرفِ (١).

وقال الحَنابِلةُ: لِلشَّريكِ أنْ يُحيلَ ويَحتالَ؛ لأنَّ الحَوالةَ عَقدُ مُعاوَضةٍ وهو يَملِكُها (٢).

الالتِزامُ بحُقوقِ العَقدِ:

قال الحَنفيَّةُ: كلُّ ما يَتعلَّقُ بحُقوقِ العَقدِ الذي يَتولَّاه أحَدُ الشَّريكَيْن في شَركةِ العِنانِ يَرجعُ إلى العاقِدِ منهما وَحدَه، فيَلتزِمُ بها دونَ شَريكِه؛ لأنَّه ما دامَ الفَرضُ أنْ لا كَفالةَ فإنَّ حُقوقَ العَقدِ إنَّما تَكونُ لِلعاقِدِ.

حتى لو باعَ أحَدُهما شَيئًا مِنَ الشَّركةِ لَم يَكُنْ لِلآخَرِ أنْ يَقبضَ شَيئًا مِنَ الثَّمنِ.

(١) «بدائع الصانع» (٦/ ٧٠).
(٢) «كشاف القناع» (٣/ ٥٨٥)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٥٣)، و «مطالب أولى النهى» (٣/ ٥٠٣).

وكذلك كلُّ دَينٍ لَزِم إنسانًا بعَقدٍ وَلِيَهُ أحَدُهما ليس لِلآخَرِ قَبضُه، ولِلمَدينِ أنْ يَمتنعَ مِنْ دَفعِه إليه؛ كالمُشتَري مِنَ الوَكيلِ بالبَيعِ له أنْ يَمتنِعَ عن دَفعِ الثَّمنِ إلى المُوكِّلِ، لأنَّ القَبضَ مِنْ حُقوقِ العَقدِ تَعودُ إلى العاقِدِ؛ لأنَّ المَدينَ لَم يَلتزمِ الحُقوقَ لِلمالِكِ، وإنَّما التَزمَها العاقِدُ فلا يَلزمُه ما لَم يَلتزمْه إلا بتَوكيلِ العاقِدِ؛ فإنْ دفَع إلى الشَّريكِ مِنْ غَيرِ تَوكيلٍ بَرئَ مِنْ حِصَّتِه، ولَم يُبرأْ مِنْ حِصَّةِ الدائِنِ، وهذا استِحسانٌ، والقياسُ ألَّا يُبرأَ الدافِعُ.

وَجهُ القياسِ: أنَّ حُقوقَ العَقدِ لا تَتعلَّقُ بالقابِضِ، بل هو أجنبيٌّ عنها؛ وإنَّما تَتعلَّقُ بالعاقِدِ، فكان الدافِعُ إلى القابِضِ بغَيرِ حَقٍّ فلا يُبرأُ.

وَجهُ الاستِحسانِ: أنَّه لا فائِدةَ في نَقضِ هذا القَبضِ، إذْ لو نَقضْناه لاحتَجْنا إلى إعادَتِه؛ لأنَّ المَدينَ يَلزمُه دَفعُه إلى العاقِدِ، والعاقِدُ يَرُدُّ حِصَّةَ الشَّريكِ إليه، فلا يُفيدُ القَبضُ ثم الإعادةُ في الحالِ، وهذا على القياسِ والاستِحسانِ في الوَكيلِ بالبَيعِ إذا دفَع المُشتَري الثَّمنَ إلى المُوكِّلِ مِنْ غَيرِ إذنِ الوَكيلِ لا يُطالَبُ الشَّريكُ بتَسليمِ المَبيعِ؛ لِما قُلنا.

وليس لِأحدِهما أنْ يُخاصِمَ فيما أدانَه الآخَرُ أو باعه، والخُصومةُ لِلذي باعَ وعليه، ليس على الذي لَم يَلِ مِنْ ذلك شَيئًا، فلا يُسمعُ عليه بَيِّنةٌ فيه، ولا يُستحلَفُ، وهو والأجنبيُّ في هذا سَواءٌ؛ لأنَّ الخُصومةَ مِنْ حُقوقِ العَقدِ، ولأنَّ حُقوقَ العَقدِ تَتعلَّقُ بالعاقِدِ.

ولو اشتَرى أحَدُهما شَيئًا لا يُطالَبُ الآخَرُ بالثَّمنِ، وليس لِلشَّريكِ

قَبضُ المَبيعِ؛ لِما قُلنا، ولِلعاقِدِ أنْ يُوكِّلَ وَكيلًا بقَبضِ الثَّمنِ والمَبيعِ فيما اشتَرى وباعَ؛ لِما ذَكَرْنا فيما تَقدَّم.

ولِأحدِهما أنْ يُقايِلَ فيما باعَه الآخَرُ، لأنَّ الإقالةَ فيها مَعنى الشِّراءِ، وهو يَملِكُ الشِّراءَ على الشَّركةِ، فيَملِكُ الإقالةَ.

وما باعه أحَدُهما أو اشتَرى فظهَر عَيبٌ لا يَرُدُّ الآخَرُ بالعَيبِ ولا يُرَدُّ عليه؛ لأنَّ الرَّدَّ بالعَيبِ مِنْ حُقوقِ العَقدِ، وهي تَرجِعُ إلى العاقِدِ، والرُّجوعُ بالثَّمنِ عندَ استِحقاقِ المَبيعِ على البائِعِ لأنَّه العاقِدُ؛ فإنْ أقرَّ أحَدُهما بعَيبِه في مَتاعٍ جازَ إقرارُه عليه وعلى صاحبِه.

فإنْ باعَ أحَدُهما مَتاعًا مِنَ الشَّركةِ فرَدَّ عليه فقَبِله بغَيرِ قَضاءِ القاضي جازَ عليهما؛ لأنَّ قَبولَ المَبيعِ بالتَّراضي مِنْ غَيرِ قَضاءٍ بمَنزِلةِ شِراءٍ مُبتدأٍ بالتَّعاطي، وكلُّ واحِدٍ منهما يَملِكُ أنْ يَشتريَ ما باعَه على الشَّركةِ.

وكذا القَبولُ مِنْ غَيرِ قَضاءِ القاضي بمَنزِلةِ الإقالةِ، وإقالةُ أحدِهما تَنفُذُ على الآخَرِ (١).

وأمَّا شَركةُ المُفاوَضةِ: فجَميعُ حُقوقِ العَقدِ التي تَولَّاها أحَدُهما تَرجِعُ إليهما جَميعًا، فيَجوزُ إقرارُ أحَدِ شَريكَيِ المُفاوَضةِ بالدَّينِ عليه وعلى شَريكِه، ويُطالِبُ المُقَرُّ له أيَّهما شاءَ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما كَفيلٌ عن الآخَرِ فيُلزَمُ المُقِرُّ بإقرارِه ويُلزَمُ شَريكُه بكَفالَتِه.

وكذلك ما وجَب على كلِّ واحِدٍ منهما مِنْ دَينِ التِّجارةِ؛ كثَمنِ

(١) «بدائع الصانع» (٦/ ٧٠)، و «الفتاوى الهندية» (٢/ ٣٢٥).

المُشتَرى في البَيعِ الصَّحيحِ وقيمَتِه في البَيعِ الفاسِدِ، وأُجرةِ المُستأجَرِ أو ما هو في مَعنى التِّجارةِ؛ كالمَغصوبِ، والخلافِ في الوَدائعِ والعَواري والإجاراتِ والاستِهلاكاتِ، وصاحِبُ الدَّينِ بالخيارِ إنْ شاءَ أخذَ هذا بدَينِه، وإنْ شاءَ أخَذَ شَريكَه بحَقِّ الكَفالةِ.

أمَّا دَينُ التِّجارةِ؛ فلأنَّه دَينٌ لَزمَه بسَببِ الشَّركةِ؛ لأنَّ البَيعَ الصَّحيحَ اشتَملَ عليه عَقدُ الشَّركةِ؛ لأنَّه تِجارةٌ، وكلُّ واحِدٍ منهما كَفيلٌ عن صاحبِه فيما يَلزمُه بسَببِ الشَّركةِ، ولِهذا قالوا: إنَّ البَيِّنةَ تُسمَعُ في ذلك على الشَّريكِ الذي لَم يَعقِدْ؛ لأنَّ الدَّينَ لَزِمه كما لَزِم شَريكَه؛ لأنَّه كَفيلٌ عن شَريكِه، والبَيِّنةُ بالدَّينِ تُسمَعُ على الكَفيلِ كما تُسمعُ على المَكفولِ عنه، وكذا البَيعُ الفاسِدُ، بدَليلِ أنَّ الأمرَ بالبَيعِ يَتناوَلُ الصَّحيحَ والفاسِدَ، وكذا الأُجرةُ؛ لأنَّ الإجارةَ تِجارةٌ.

وأمَّا الغَصبُ فلِأنَّ ضَمانَه في مَعنى التِّجارةِ؛ لأنَّ تَقرُّرَ الضَّمانِ فيه يُفيدُ مِلكَ المَضمونِ، فكان في مَعنى ضَمانِ البَيعِ، والخِلافُ في الوَدائعِ والعَواري والإجاراتِ في مَعنى الغَصبِ؛ لأنَّه مِنْ بابِ التَّعدي على مالِ الغَيرِ بغَيرِ إذنِ مالِكِه، فكان في مَعنى الغَصبِ، فكان ضَمانُه ضَمانَ الغَصبِ.

وأمَّا أُروشُ الجِناياتِ والمَهرِ والنَّفقةِ وبَدلُ الخُلعِ والصُّلحِ عن القِصاصِ فلا يؤاخَذُ به شَريكُه؛ لأنَّه ليس بضَمانِ التِّجارةِ ولا في مَعنى ضَمانِ التِّجارةِ أيضًا؛ لانعِدامِ مَعنى مُعاوَضةِ المالِ بالمالِ رأسًا.

ولو كفَل أحَدُهما على إنسانٍ؛ فإنْ كفَل عنه بمالٍ يَلزمُ شَريكَه عندَ

أبي حَنيفةَ، وعندَهما لا يَلزمُ، وإنْ كفَل بنَفْسٍ لا يُؤخَذُ بذلك شَريكُه في قَولِهم جَميعًا.

وحُقوقُ عَقدٍ تَولَّاه أحَدُهما تَرجعُ إليهما جَميعًا كما قُلنا، حتى لو باع أحَدُهما شَيئًا مِنْ مالِ الشَّركةِ يُطالَبُ غَيرُ البائِعِ منهما بتَسليمِ المَبيعِ، كما يُطالَبُ البائِعُ ويُطالَبُ غَيرُ البائِعِ منهما المُشتَري بتَسليمِ الثَّمنِ، ويَجِبُ عليه تَسليمُه؛ كالبائعِ.

ولو اشتَرى أحَدُهما شَيئًا يُطالَبُ الآخَرُ بالثَّمنِ، كما يُطالَبُ المُشتَري، وله أنْ يَقبضَ المَبيعَ، كما لِلمُشتَري.

ولو وجَد المُشتَري منهما عَيبًا بالمَبيعِ فلِصاحبِه أنْ يَرُدَّه بالعَيبِ كما لِلمُشتَري، وله الرُّجوعُ بالثَّمنِ عندَ الاستِحقاقِ؛ كالمُشتَري.

ولو باعَ أحَدُهما سِلعةً مِنْ شَركتِهما فوجَد المُشتَري بها عَيبًا فلَه أنْ يَرُدَّها على أيِّهما شاءَ، ولو أنكَر العَيبَ فله أنْ يُحلِّفَ البائِعَ على البَتاتِ وشَريكَه على العِلمِ.

ولو أقرَّ أحَدُهما نفَذ إقرارُه على نَفْسِه وعلى شَريكِه.

ولو باعا سِلعةً مِنْ شَركتِهما ثم وجَد المُشتَري بها عَيبًا فله أنْ يَحلِفَ كلُّ واحِدٍ منهما على النِّصفِ الذي باعه على البَتاتِ، وعلى النِّصفِ الذي باعه شَريكُه على العِلمِ بيَمينٍ واحِدةٍ على العِلمِ في قَولِ مُحمدٍ.

وقال أبو يُوسُفَ رحمة الله عليه: يَحلِفُ كلُّ واحِدٍ منهما على البَتاتِ فيما باعَ ويَسقُطُ عن كلِّ واحِدٍ منهما اليَمينُ على العِلمِ.

وهُما جَميعًا في خَراجِ التِّجارةِ وضَمانِها سَواءٌ، ففِعْلُ أحَدِهما فيها كفِعلِهما، وقَول أحدِهما كقَولِهما، وهُما في الحَقيقةِ شَخصانِ، وفي أحكامِ التِّجارةِ كشَخصٍ واحِدٍ.

وتَصرُّفُ المُفاوِضِ نافِذٌ في كلِّ ما يَعودُ نَفعُه إلى مالِ الشَّركةِ، سَواءٌ كان مِنْ بابِ التِّجارةِ أو لا، بخِلافِ الشَّريكِ شَركةَ العِنانِ؛ فإنَّ نَفاذَ تَصرُّفِه يَختصُّ بالتِّجارةِ.

ويَجوزُ لكلِّ واحِدٍ منهما أنْ يَقتضيَ ما أداناه أو أدانه صاحبُه أو ما وجَب لهما مِنْ غَصبٍ على رَجلٍ، أو كَفالةٍ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما كَفيلُ الآخَرِ، فيَملِكُ أنْ يَستوفيَ حُقوقَه بالوَكالةِ.

وما وجَب على أحدِهما فلِصاحِبِ الدَّينِ أنْ يأخُذَ كلُّ واحِدٍ منهما؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما كَفيلٌ عن الآخَرِ، وكلُّ واحِدٍ منهما خَصمٌ عن صاحبِه يُطالِبُ بما على صاحبِه، ويُقامُ عليه البَيِّنةُ.

ويُستحلَفُ على عِلمِه فيما هو مِنْ ضَمانِ التِّجارةِ؛ لأنَّ الكَفيلَ خَصمٌ فيما يَدَّعِي على المَكفولِ عنه، ويُستحلَفُ على عِلمِه؛ لأنَّه يَمينٌ على فِعلِ الغَيرِ.

وما اشتَراه أحَدُهما مِنْ طَعامٍ لِأهلِه أو كِسوةٍ أو ما لا بُدَّ له منه؛ فذلك جائِزٌ، وهو له خاصَّةً دونَ صاحبِه.

والقياسُ أنْ يَكونَ المُشتَرَى مُشترَكًا بينَهما؛ لأنَّ هذا مما يَصحُّ الاشتِراكُ فيه كسائِرِ الأعيانِ، لكنَّهم استَحسَنوا أنْ يَكونَ له خاصَّةً

لِلضَّرورةِ، لأنَّ ذلك مما لا بُدَّ منه، فكان مُستَثنًى مِنَ المُفاوَضةِ فاختَصَّ به المُشتَري، لكنْ لِلبائِعِ أنْ يُطالِبَ بالثَّمنِ أيَّهما شاءَ، وإنْ وقَع المُشتَرى لِلذي اشتَراه خاصَّةً؛ لأنَّ هذا مما يَجوزُ فيه الاشتِراكُ، وكلُّ واحِدٍ منهما كَفيلٌ عن الآخَرِ ببَدلِ ما يَجوزُ فيه الاشتِراكُ، إلا أنَّهم قالوا: إنَّ الشَّريكَ يَرجعُ على شَريكِه بنِصفِ ثَمنِ ذلك؛ لأنَّه قَضى دَينًا عليه مِنْ مالِه، لا على وَجهِ التَّبرُّعِ؛ لأنَّه التَزمَ ذلك فيَرجعُ عليه.

ولو أقال أحَدُهما في بَيعٍ ما باعَه الآخَرُ جازَتِ الإقالةُ عليهما؛ لِما ذكَرنا مِنْ أنَّ الإقالةَ في مَعنى الشِّراءِ، وهو يَملِكُ الشِّراءَ على الشَّركةِ، فيَملكُ الإقالةَ، ولأنَّ الشَّريكَ في شَركةِ العِنانِ يَملِكُ الإقالةَ، فالمُفاوِضُ أوْلَى.

وإذا ماتَ أحدُ المُتفاوضَيْن أو تَفرَّقا لَم يَكُنْ لِلذي لَم يَلِ المُدايَنةَ أنْ يَقبضَ الدَّينَ؛ لأنَّ الشَّركةَ بَطلَت بمَوتِ أحَدِهما؛ لأنَّها وَكالةٌ، والوَكالةُ تَبطُلُ بمَوتِ المُوكِّلِ؛ لِبُطلانِ أمرِه بمَوتِه، وتَبطُلُ بمَوتِ الوَكيلِ لِتَعذُّرِ تَصرُّفِه، فتَبطُلُ الشَّركةُ، فلا يَجوزُ لِأحدِهما أنْ يَقبِضَ نَصيبَ الآخَرِ إذا لَم يَكُنْ هو الذي تَولَّى العَقدَ، ويَجوزُ قَبضُه في نَصيبِ نَفْسِه؛ لأنَّه مُوكِّلٌ فيه، وقَبضُ الوَكيلِ جائِزٌ استِحسانًا.

أمَّا الذي وَليَ المُداينةَ فلَه أنْ يَقبِضَ الجَميعَ؛ لأنَّه ملَك ذلك بعَقدِ المُداينةِ؛ لِكَونِه مِنْ حُقوقِ العَقدِ، فلا يَبطُلُ بانفِساخِ الشَّركةِ بمَوتِ الشَّريكِ، كما لا يَبطُلُ بالعَزلِ.

ولو آجَرَ أحَدُهما نَفْسَه في الخياطةِ أو عَملٍ مِنَ الأعمالِ؛ فالأجرُ بينَهما

نِصفانِ، وإنْ أجَّر نَفْسَه لِلخِدمةِ فالأجرُ له خاصَّةً؛ لأنَّ في الفَصلِ الأولِ آجَرَ نَفْسَه في عَملٍ يَملِكُ أنْ يَتقبَّلَ على نَفْسِه وعلى صاحبِه؛ فإذا عَمِل فقد أوفى ما عليهما، فكانت الأُجرةُ بينَهما، وفي الثاني لا يَملِكُ التَّقبُّلَ على صاحبِه، بل على نَفْسِه خاصَّةً، فكانت الأُجرةُ له خاصَّةً.

قال الحَسَنُ بنُ زيادٍ: قال أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه: لو أقرَض أحَدُ المُتفاوِضَيْن مالًا فأعطاه رَجلًا ثم أخذ به سَفتجةً كان ذلك جائِزًا عليهما، ولا يَضمنُ هَلَك المالُ أو لَم يَهلِكْ.

وفي قياسِ قَولِ أبي يُوسُفَ أنَّ الذي أقرَضَ وأخَذ السَّفتجةَ يَضمنُ حصَّةَ شَريكِه مِنْ ذلك، وهذا فَرعُ اختِلافِهم في الكَفالةِ أنَّ الكَفيلَ في حُكمِ المُقرِضِ؛ فإذا جازَتِ الكَفالةُ عندَ أبي حَنيفةَ جازَ القَرضُ، وعندَ أبي يُوسُفَ، لا تَجوزُ الكَفالةُ؛ لِما فيها مِنْ مَعنى التَّبرُّعِ، فكذلك القَرضُ (١).

وقال المالِكيَّةُ: شَركةُ العِنانِ جائِزةٌ لَازمةٌ، مَأخوذةٌ مِنْ عِنانِ الدَّابَّةِ، أي: كلُّ واحِدٍ مِنَ الشَّريكَيْن شَرَط على صاحبِه ألَّا يَستبدَّ بفِعلِ شَيءٍ في الشَّركةِ إلا بإذنِ شَريكِه ومَعرِفتِه، فكأنَّه أخذَ بعِنانِه، أي: بناصيَتِه، ألَّا يَفعلَ فِعلًا إِلَّا بإذنِه، فلو تَصرَّف واحِدٌ منهما بدونِ إذنِ الآخَرِ كان له رَدُّه (٢).

وقال الحَنابِلةُ: حُقوقُ العَقدِ لا تَختصُّ بالعاقِدِ مِنَ الشَّريكَيْن فله المُطالَبةُ بالأجرِ لهما، ودَفعُه عليهما.

(١) «بدائع الصانع» (٦/ ٧٣، ٦٧).
(٢) «الشرح الكبير» (٥/ ٢١)، و «شرح مختصصر خليل» (٦/ ٤٩)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٥٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب المضاربة
فصل في بيان حكم المضاربة

شَرَطَا أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا مِائَةُ دِرْهَمٍ مِنْ الرِّبْحِ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ وَالْبَاقِي لِلْآخَرِ لَا يَجُوزُ، وَالْمُضَارَبَةُ فَاسِدَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُضَارَبَةَ نَوْعٌ مِنْ الشَّرِكَةِ، وَهِيَ الشَّرِكَةُ فِي الرِّبْحِ، وَهَذَا شَرْطٌ يُوجِبُ قَطْعَ الشَّرِكَةِ فِي الرِّبْحِ؛ لِجَوَازِ أَنْ لَا يَرْبَحَ الْمُضَارِبُ إلَّا هَذَا الْقَدْرَ الْمَذْكُورَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ، فَلَا تَتَحَقَّقُ الشَّرِكَةُ، فَلَا يَكُونُ التَّصَرُّفُ مُضَارَبَةً، وَكَذَلِكَ إنْ شَرَطَا أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا النِّصْفُ أَوْ الثُّلُثُ وَمِائَةُ دِرْهَمٍ، أَوْ قَالَا: إلَّا مِائَةَ دِرْهَمٍ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ كَمَا ذَكَرْنَا أَنَّهُ شَرْطٌ يَقْطَعُ الشَّرِكَةَ فِي الرِّبْحِ؛ لِأَنَّهُ إذَا شَرَطَا لِأَحَدِهِمَا النِّصْفَ وَمِائَةً، فَمِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ الرِّبْحُ مِائَتَيْنِ، فَيَكُونَ كُلُّ الرِّبْحِ لِلْمَشْرُوطِ لَهُ، وَإِذَا شَرَطَا لَهُ النِّصْفَ إلَّا مِائَةً، فَمِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ نِصْفُ الرِّبْحِ مِائَةً، فَلَا يَكُونُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الرِّبْحِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 317 - 324

ارجع إلى شروط الشركة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.6 / 29.5
الإضاءة 41%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل