الإسلام > الشركات والإجارات > شروط الشركة > ثانيا: شروط العاقدين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 14 دقيقة قراءةولو أطلَق الإذنَ ولَم يَتعرَّضْ لِما يَتصرَّفُ فيه جازَ على الأصحِّ كالقِراضِ (١).
ثانيًا: شُروطُ العاقِدَيْن:
يُشترطُ في العاقِدَيْن ما يَلي:
١ - أهليَّةُ التَّوكيلِ والتَّوكُّلِ في المالِ:
اشتَرطَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ في كلٍّ مِنَ المُتعاقِدَيْن أنْ يَكونَ كلٌّ منهما أهلًا لِلتَّوكيلِ والتَّوكُّلِ، لأنَّ كلًّا منهما وَكيلٌ عن صاحبِه، ومُوكِّلٌ له بأنْ يَكونَ كلٌّ منهما عاقِلًا بالِغًا غَيرَ مَحجوزٍ عليه التَّصرُّفُ في مالِه، لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنَ الشُّركاءِ يَتصرَّفُ بمالِ الشَّركةِ: أصالةً في مالِه، ووَكالةً -أي بالإذنِ- في مالِ غَيرِه، فكلٌّ منهم وَكيلٌ ومُوكَّلٌ.
قال الحَنفيَّةُ: يُشترطُ في المُتعاقِدَيْن أهليةُ الوَكالةِ، لأنَّ الوَكالةَ لَازمةٌ في الكلِّ، وهي أنْ يَصيرَ كلُّ واحِدٍ منهما وَكيلَ صاحبِه في التَّصرُّفِ بالشِّراءِ والبَيعِ وتَقبُّلِ الأعمالِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما أذنَ لِصاحبِه بالشِّراءِ والبَيعِ وتَقبُّلِ الأعمالِ، ومُقتَضى عَقدِ الشَّركةِ والوَكيلِ هو المُتصرِّفُ عن إذنٍ، فيُشترطُ فيها أهليَّةُ الوَكالةِ، ولا يُشترطُ لِشَركةِ العِنانِ أهليَّةُ الكَفالةِ حتى تَصحَّ ممَّن لا تَصحُّ كَفالتُه حتى تَصحَّ مِنَ الصَّبيِّ المأذونِ، والعَبدِ المأذونِ والمُكاتَبِ، أمَّا شَركةُ
(١) «العباب» (٦٧٧) و «روضة الطالبين» (٣/ ٤٧٤)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٨٥)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٦)، و «الديباج» (٢/ ٢٩٦، ٢٩٧)، و «النجم الوهاج» (٥/ ١٠، ١١)، و «الإنصاف» (٥/ ٤١٢)، وقال المَرداويُّ فيه: وعنه-أي الإمام أحمدَ- لا بُدَّ من لفظٍ يدلُّ على الإذنِ، نصَّ عليه، وهو قولٌ في «التلخيص» وقدَّمه في «الرعاية الكبرى».
المُفاوضةِ فيُشترطُ في المُتعاقِدَيْن الحُريَّةُ والإسلامُ والبُلوغُ؛ لأنَّ الحُرَّ البالِغَ يَملِكُ التَّصرُّفَ والكَفالةَ، والمَملوكَ لا يَملِكُ واحِدًا منهما إلا بإذنِ المَولى، والصَّبيَّ لا يَملِكُ الكَفالةَ مُطلَقًا، ولا التَّصرُّفَ إلا بإذنِ الوَليِّ (١).
وقال المالِكيَّةُ: إنَّ الشَّركةَ إنَّما تَصحُّ مِنْ أهلِ التَّوكيلِ والتَّوكُّلِ، وهو مَنْ لا حَجْرَ عليه، وهو الحُرُّ البالِغُ الرَّشيدُ؛ لأنَّ العاقِدَيْن لِلشَّركةِ كلُّ واحِدٍ منهما وَكيلٌ عن صاحبِه، ويُوكِّلُ صاحبَه، فمَن جازَ له أنْ يُوكِّلَ ويَتوكَّلَ جازَ له أنْ يُشارِكَ، وما لا فلا، فمَن جاز له أنْ يَتصرَّفَ لِنَفْسِه جازَ له أنْ يُوكِّلَ ويُشارِكَ، فلا يُشاركُ العَبدُ إلا بإذنِ سَيِّدِه، أو كان مأذونًا مِنْ قَبلُ في التِّجارةِ، وكذلك غَيرُه مِنَ المَحجورِ عليهم، كالصَّغيرِ والمَجنونِ والسَّفيهِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ وَكيلٌ عن صاحبِه مُوكِّلٌ له (٢).
وقال الشافِعيَّةُ: يُشترطُ في العاقِدَيْن أهليَّةُ التَّوكيلِ والتَّوكُّلِ في المالِ، لأنَّ كلًّا منهما يَتصرَّفُ في مالِه بالمِلكِ، وفي مالِ الآخَرِ بالإذنِ، فكلٌّ منهما مُوكِّلٌ ووَكيلٌ.
ومَحلُّه إذا أذِن كلٌّ منهما لِلآخَرِ في التَّصرُّفِ؛ وإلا يُشترطْ في الآذنِ أهليَّةُ التَّوكيلِ، وفي المأذونِ له أهليَّةُ التَّوكُّلِ حتى يَصحَّ أنْ يَكونَ الأولُ أعمى دونَ الثاني.
(١) «بدائع الصانع» (٦/ ٥٩)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٢١)، و «اللباب» (١/ ٥٢٥).
(٢) «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٥/ ٤)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٥٢، ٥٤)، و «التاج والإكليل» (٤/ ١٤٠)، و «شرح مختصر خليل» (٦/ ٣٩)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٢٣٨)، و «الشرح الصغير» مع «حاشية الصاوي» (٧/ ٤٨١).
وتَجوزُ الشَّركةُ لِلوَليِّ في مالِ مَحجورِه، كالقِراضِ إذا كان الشَّريكُ أمينًا يَجوزُ إيداعُ مالِ اليَتيمِ عندَه، ولا شُبهةَ في مالِه إنْ سلَّمَ مالَ المُوَلَّى عنها، فلا يَجوزُ لِلوَليِّ أنْ يُشاركَ فاسِقًا؛ لأنَّه يُشترطُ أنْ يَكونَ الشَّريكُ بحيث يَجوزُ إيداعُ مالِ المَحجورِ عندَه.
وهذا إذا كان الشَّريكُ هو المُتصرِّفَ دونَ ما إذا كان الوَليُّ المُتصرِّفَ.
ولو مات أحَدُ الشَّريكَيْن وله وارِثٌ غَيرُ رَشيدٍ، ورأى الوَليُّ المَصلَحةَ في الشَّركةِ استَدامَها (١).
وقال الحَنابِلةُ: ولا يَصحُّ شَيءٌ مِنْ أنواعِ الشَّركةِ إلا مِنْ جائِزِ التَّصرُّفِ، وهو الحُرُّ البالِغُ الرَّشيدُ؛ لأنَّه عَقدٌ على التَّصرُّفِ في المالِ، فلَم يَصحَّ مِنْ غَيرِ جائِزِ التَّصرُّفِ في المالِ كالبَيعِ (٢).
٢ - أنْ يَكونَ مُسلِمًا:
اختلَف الفُقهاءُ في الشَّركةِ هل يُشترطُ إسلامُ كِلا الشَّريكَيْن أو تَصحُّ الشَّركةُ بينَ المُسلِمِ والذِّمِّيِّ؟
قال الحَنفيَّةُ: الشَّركةُ إمَّا أنْ تَكونَ مُفاوضةً وإمَّا أنْ تَكونَ عِنانًا، فأمَّا شَركةُ العِنانِ فتَجوزُ بينَ المُسلِمِ والذِّمِّيِّ باتِّفاقٍ عندَهم.
وأمَّا شَركةُ المُفاوضةِ فلا تَصحُّ عندَ أبي حَنيفةَ ومُحمدٍ بينَ المُسلِمِ والذِّمِّيِّ، لأنَّ المُسلِمَ والذِّمِّيَّ لا يَتساويانِ في التَّصرُّفِ بدَليلِ أنَّ الذِّمِّيَّ
(١) «العباب» (٦٧٧)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٤٧٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٨٥)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٦)، و «الديباج» (٢/ ٢٩٧)، و «النجم الوهاج» (٥/ ١١).
(٢) «المغني» (٥/ ٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٤٩)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٨١).
يَتصرَّفُ في الخَمرِ، والخِنزيرِ دونَ المُسلِمِ، وتَكونُ عِنانًا؛ لأنَّ العِنانَ يَجوزُ بينَهما إجماعًا.
وقال أبو يُوسُفَ رحمة الله عليه: تَصحُّ شَركةُ المُفاوضةِ بينَ المُسلِمِ والذِّمِّيِّ؛ لأنَّهما حُرَّانِ تَجوزُ كَفالتُهما ووَكالتُهما، إلا أنَّه يُكرهُ عندَه؛ لأنَّ الذِّمِّيَّ لا يَهتدي إلى الجائِزِ مِنَ العُقودِ، يُخافُ منه أنْ يُطعِمَه الرِّبا.
وإنْ تَفاوضَ الذِّمِّيانِ جازتْ مُفاوَضتُهما، وإنِ اختلَف دينُهما؛ لأنَّهما مُتساوِيانِ في التَّصرُّفِ.
وإنْ كان أحَدُهما كِتابيًّا، والآخَرُ مَجوسيًّا يَجوزُ أيضًا.
إلا أنَّه يُكرهُ لِلمُسلِمِ أنْ يُشاركَ الذِّمِّيَّ؛ لأنَّه يُباشِرُ عُقودًا لا تَجوزُ في الإسلامِ، فيَحصُلَ كَسبُه مِنْ مَحظورٍ فيُكرهُ، ولِهذا كُرِهَ تَوكيلُ المُسلِمِ الذِّمِّيِّ، ولو شارَكه شَركةَ عِنانٍ جازَ، كما لو وَكَّله (١).
وقال المالِكيَّةُ في المَشهورِ والحَنابِلةُ: تُكرهُ شَركةُ كِتابيٍّ ولو غَيرَ ذِمِّيٍّ؛ لأنَّه لا يأمَنُ مُعاملتَهم بالرِّبا والعُقودِ الفاسِدةِ، إلا أنْ يَليَ المُسلِمُ التَّصرُّفَ أو يَتصرَّفَ الذِّمِّيُّ بحَضرتِه، ولا يَغيبَ عنه في شِراءٍ ولا بَيعٍ ولا تَقاضٍ، فلا تُكرهُ لِلأمنِ مِنَ الرِّبا، لأنَّ الذِّمِّيَّ إذا تَولَّى الشِّراءَ باعَ بحُكمِ دِينِه، وأدخَل في مالِ المُسلِمِ ما لا يَحلُّ له، والمُسلمُ مَمنوعٌ مِنْ أنْ يَجعلَ مالَه مُتَّجَرًا في الرِّبا والخَمرِ والخِنزيرِ (٢).
(١) «المبسوط» (١١/ ١٩٦، ١٩٧)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٢٣)، و «بدائع الصانع» (٦/ ٦١، ٦٢)، و «اللباب» (١/ ٥٢٥).
(٢) «شرح ابن بطال» (٧/ ١٨، ١٩)، و «مواهب الجليل» (٧/ ٥٢، ٥٤)، و «منح الجليل» (٦/ ٢٥٠)، و «المغني» (٥/ ٣)، و «الكافي» (٢/ ٢٥٧)، و «المبدع» (٥/ ٤)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٨١)، و «مطالب أولى النهى» (٣/ ٤٩٥).
وقال الشافِعيَّةُ: تُكرهُ مُشاركةُ الذِّمِّيِّ مُطلَقًا، ومَن لا يَحترِزُ مِنَ الرِّبا ونَحوِه، سَواءٌ كان هو المُتصرِّفَ بالبَيعِ والشِّراءِ، أو كان المُتصرِّفُ المُسلِمَ، لِما رُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّه قال: «أكرَهُ أنْ يُشارِكَ المُسلِمُ اليَهوديَّ والنَّصرانيَّ»، ولا مُخالِفَ له.
ولأنَّهم لا يَمتنِعون مِنَ الرِّبا، ومِن بَيعِ الخُمورِ، ولا يُؤمَنُ أنْ يكونَ مالُه الذي عقَد عليه الشَّركةَ مِنْ ذلك، فكُرِهَ؛ فإنْ عقَد الشَّركةَ معه صحَّ؛ لأنَّ الظاهرَ مما هو بأيديهم أنَّه مِلكُهم، وقد «اقتَرضَ النَّبيُّ ﷺ مِنْ يَهوديٍّ شَعيرًا، ورَهنَه دِرعَه» (١).
وقال ابنُ القَيِّمِ رحمة الله عليه: قُلتُ: الذين كَرِهوا مُشارَكتَهم لهم مأخذانِ:
أحَدُهما: استِحلالُهم ما لا يَستحلُّه المُسلِمُ مِنَ الرِّبا والعُقودِ الفاسِدةِ وغَيرِها، وعلى هذا تَزولُ الكَراهةُ بتَولِّي المُسلِمِ البَيعَ والشِّراءَ.
والثاني: أنَّ مُشارَكتَهم سَببٌ لِمُخالَطتِهم، وذلك يَجُرُّ إلى مُوادَّتِهم، وكَرِه الشافِعيُّ مُشارَكتَهم مُطلَقًا.
ورُويَ عن ابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهما أنَّه قال: «أكرَهُ أنْ يُشاركَ المُسلِمُ اليَهوديَّ».
(١) «روضة الطالبين» (٣/ ٤٧٣)، و «البيان» (٦/ ٣٦٣)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٨٦)، و «النجم الوهاج» (٥/ ١٢).
ارجع إلى شروط الشركة للاطلاع على جميع المسائل.