الإسلام > الشركات والإجارات > شروط الشركة > حكم شركة الأبدان أو الصنائع
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 24 دقيقة قراءةوقال الحَنابِلةُ: شَركةُ الأبدانِ على ضَربَيْن: أحَدُهما: أنْ يَشتركَ اثنان أو أكثَرُ فيما يَتقبَّلانِ ببَدَنَيْهما في ذِمَمِهما مِنَ العَملِ كالصُّنَّاعِ يَشترِكون على أنْ يَعمَلوا في صِناعاتِهم فيما رزَق اللهُ تَعالى، فهو بينَهم.
والضَّربُ الثاني: أنْ يَشترِكا في تَملُّكِ المُباحاتِ؛ كاحتِشاشِ واصطيادٍ وتَلصُّصٍ على دارِ الحَربِ ونَحو ذلك، كسَلبِ مَنْ يَقتُلانِه بدارِ حَربٍ (١).
حُكمُ شَركةِ الأبدانِ أو الصَّنائعِ:
اختلَف الفُقهاءُ في حُكمِ شَركةِ الأبدانِ هل هي جائِزةٌ أو لا؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ، الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ شَركةَ الأبدانِ جائِزةٌ إذا اتَّفقتِ الصَّنعةُ، كحَدَّادٍ مع حَدَّادٍ، ونَجَّارٍ مع نَجَّارٍ، وهكذا.
ودَليلُ جَوازِ هذه الشَّركةِ: ما رَواه أبو عُبيدةَ عن عَبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه قال: «اشْترَكْتُ أنا وعَمَّارٌ وسَعْدٌ فِيما نُصِيبُ يَومَ بَدْرٍ، قال: فجَاءَ سَعْدٌ بِأسِيرَيْنِ، ولَمْ أجِئْ أنا وعَمَّارٌ بِشَيْءٍ» (٢).
ولأنَّ العَملَ مما يَجوزُ المُضاربةُ عليه، فجازت الشَّركةُ عليه مِنْ جِهتِهما كالمالِ، ولأنَّه أحَدُ أصلَيْ عَقدِ القِراضِ كالمالِ، ولأنَّ المَقصودَ
(١) «المغني» (٥/ ٤)، و «كشاف القناع» (٣/ ٦١٨، ٦١٩)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ٥٩١، ٥٩٢).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أبو داود (٣٣٨٨)، والنسائي (٣٩٣٧، ٤٦٩٧)، والدارقطني (٣/ ٣٤)، وابن ماجه (٢٢٨٨)، وابن أبي شيبة (٧/ ٣٦٥)، بإسناد منقطع فإن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه.
مِنْ شَركةِ المالِ هو العَملُ، بدَليلِ أنَّ نَماءَ المالِ واستِحقاقَ الرِّبحِ يَكونُ على العَملِ وأنَّهما لو شرَطا العَملَ على أحَدِهما لَم يَجُزْ، ولو شرَطا المالَ مِنْ عندِ أحَدِهما والعَملَ مِنَ الآخَرِ لَجازَ، ولَكانَ مُضاربةً، وإذا صَحَّ هذا وجَب مَتى اشتَركا في عَملِ البَدنِ أنْ يَصحَّ لِإيقاعِهما العَقدَ على الوَجهِ الذي له يُقصدُ، وهو الأصلُ فيه، ولأنَّ العَملَ نَوعٌ مِنَ الشَّركةِ فصَحَّ أنْ يَكونَ مِنْ جِهةِ أحدِ الشَّريكَيْن ويَستحِقَّ به الرِّبحَ، بدَليلِ المُضاربةِ، وكلُّ ما جازَ أنْ يُستفادَ به الرِّبحُ في حَقِّ أحَدِهما جازَ أنْ يَشترِكا عليه كالمالِ.
ولأنَّ الناسَ يَتعامَلون بهذا النَّوعِ مِنَ الشَّركةِ في سائِرِ الأعصارِ والأمصارِ، مِنْ غَيرِ إنكارٍ عليهم مِنْ أحَدٍ، فصارَ ذلك إجماعًا منهم، ولأنَّها تَشتمِلُ على الوَكالةِ والوَكالةُ جائِزةُ، والمُشتمِلُ على الجائِزِ جائِزٌ.
ولأنَّه نَوعُ شَركةٍ، فوجَب أنْ يَكونَ منها ما يَصحُّ، كشَركةِ الأموالِ.
وهذه الشَّركةُ لَم تُشرَعْ لاستِنماءِ المالِ، بل لِتَحصيلِ أصلِ المالِ، والحاجةُ إلى تَحصيلِ أصلِ المالِ فَوقَ الحاجةِ إلى تَنميتِه، فلَمَّا شُرِعت لِتَحصيلِ الوَصفِ فلَأنْ تُشرَعَ لِتَحصيلِ الأصلِ أوْلَى.
ولأنَّ عَملَ البَدنِ أصلًا قد يُستفادُ به المالُ إذا انفَردَ، والمالُ فَرعٌ عليه لا يُستفادُ به النَّماءُ إلا مع العَملِ، فلَمَّا صَحَّت الشَّركةُ في الأموالِ فأوْلَى أنْ تَصحَّ في أعمالِ الأبدانِ، ولأنَّ العامِلَ في القِراضِ شَريكٌ ببَدنِه في مالٍ غَيرِ مُماثِلٍ لِعَملِه، فكانت الشَّركةُ في أعمالِ الأبدانِ المُماثِلةِ أوْلَى.
ولأنَّ كَثيرًا مِنْ مَصالِحِ المُسلِمينَ لا يَنتظِمُ بدونِها، كالصُّنَّاعِ المُشتَركينَ
في الحَوانيتِ، مِنَ الدَّلالينَ وغَيرِهم؛ فإنَّ أحَدَهم لا يَستقِلُّ بأعمالِ الناسِ، فيَحتاجُ إلى مُعاوِنٍ، والمُعاوِنُ لا يُمكنُ أنْ تُقدَّرَ أُجرَتُه وعَملُه، كما لا يُمكِنُ مِثلُ ذلك في المُضاربةِ ونَحوِها، فيَحتاجون إلى الاشتِراكِ (١).
وقال الشافِعيَّةُ: شَركةُ الأبدانِ باطِلةٌ، سَواءٌ اتَّفقا في الصَّنعةِ أو اختَلَفا، كالخَيَّاطِ والنَّجَّارِ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مُتميِّزٌ ببَدنِه ومَنافِعِه، فاختَصَّ بفَوائِدِه كما لو اشتَركا في ماشيتِهما، وهي مُتميِّزةٌ؛ لِيَكونَ الدَّرُّ والنَّسلُ بينَهما؛ فإنَّه لا يَصحُّ.
و «لِنَهيِه ﷺ عن الغَررِ» وشَركةُ الأبدانِ غَررٌ؛ لأنَّه قد يَعمَلُ أحَدُهما ولا يَعملُ الآخَرُ، وقد يَعملُ أحَدُهما أقَلَّ مِنَ الآخَرِ، ولأنَّها شَركةٌ عُرِّيت عن مُشترَكٍ في الحالِ، فوجَب أنْ تَكونَ باطِلةً، أصلُه إذا اشتَركا فيما يَستوهِبانِه؛ ولأنَّها شَركةٌ في مَنافعِ أعيانٍ مُتميِّزةٍ، فوجَب أنْ تَكونَ باطِلةً إذا اشتَركا في بَعيرَيْن لا يُؤجِّراهما، ويَشَترِكا في أُجرَتِهما.
ولأنَّ المَقصودَ مِنْ شَركةِ الأبدانِ هو العَملُ، كما أنَّ المَقصودَ مِنْ شَركةِ الأموالِ هو المالُ، فلَمَّا كانت الجَهالةُ بقَدْرِ المالِ وجَب فَسادُ الشَّركةِ، ووجَب أنْ تَكونَ الجَهالةُ بالعَملِ تُوجِبُ فَسادَ الشَّركةِ والعَملُ مَجهولٌ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ ما يَعملُه كلُّ واحِدٍ منهما غَيرُ مُقدَّرٍ، وقد يَمرَضُ فلا يَعملُ.
(١) «بدائع الصانع» (٦/ ٥٨)، و «مختصر اختلاف العلماء» (٤/ ١٠)، و «مجمع الضمانات» (٦٤٧، ٦٤٨)، «المعونة» (٢/ ١٤٢، ١٤٣)، و «الإشراف» (٣/ ٦٨، ٦٩)، و «التلقين» (٢/ ٤١٤)، و «المغني» (٥/ ٤)، و «الكافي» (٢/ ٢٦٢)، و «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ٩٩)، و «بداية المجتهد» (٢/ ١٩٢)، و «الإفصاح» (١/ ٤٤٧).
ويَتحرَّرُ مِنَ اعتِلالِ هذا الاستِدلالِ قياسانِ، أحَدُهما: هو أنَّ وُقوعَ الجَهالةِ بحِصَّةِ كلٍّ منهما يَمنعُ مِنْ صِحَّةِ الشَّركةِ، كما لو خلَطا مالَيْن لا يَعرِفانِ قَدْرَهما.
والآخَرُ: هو أنَّها مُعاوضةٌ لو كانت في الأموالِ بطَلت بالجَهالةِ، فوجَب إذا كانت في الأعمالِ أنْ تَبطُلَ بالجَهالةِ، أصلُه إذا قال قد استأجَرتُك لِتَبنيَ لي على ألَّا أُبضِعَ لكَ.
فإذا فعَلا ذلك واكتَسبا، نُظِر إنِ انفَردا فلكلٍّ كَسبُه، وإلا يُقسَّمِ الحاصِلُ على قَدْرِ أُجرةِ المِثلِ لا بحَسَبِ الشَّرطِ (١).
(١) «الحاوي الكبير» (٦/ ٤٧٩)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٤٧٧)، و «البيان» (٦/ ٣٧١، ٣٧٢)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٨٣)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٨)، و «بداية المجتهد» (٢/ ١٩٢)، و «الإفصاح» (١/ ٤٤٧)، وسُئل شيخُ الإسلامِ ابنُ تيمِيَّةَ رحمة الله عليه عمَّن وَلي أمرًا من أمورِ المُسلمينَ ومَذهبُه لا يُجوِّزُ شَركةَ الأبدَانِ فهل يَجوزُ له مَنعُ النَّاسِ؟
فأجاب: ليسَ له منعُ الناسِ من مثلِ ذلك، ولا مِنْ نَظائِرِه ممَّا يسوغُ فيه الاجتِهادُ، وليسَ معه بالمَنعِ نصٌّ من كِتابٍ ولا سُنةٍ ولا إِجماعٍ، ولا ما هو في مَعنى ذلك، لا سيَّما وأكثرُ العُلماءِ على جَوازِ مثلِ ذلك، وهو ممَّا عمِل به عامَّةُ المُسلمينَ في عامَّةِ الأمْصارِ.
وهذا كما أنَّ الحاكمَ ليسَ له أن ينقُضَ حُكمَ غيرِه في مثلِ هذه المَسائلِ، ولا لِلعالِم والمُفتي أن يُلزِمَ النَّاسَ باتِّباعِه في مثلِ هذه المَسائلِ.
ولهذا لمَّا استَشارَ الرَّشيدُ مالكًا أن يحمِلَ النَّاسَ على مُوطَّئِه في مثلِ هذه المَسائِل منَعه من ذلك، وقال: إن أَصحابَ رسولِ الله ﷺ تفرَّقوا في الأَمصارِ، وقد أخَذ كلُّ قومٍ من العِلمِ ما بلَغهُم.
وصنَّف رَجلٌ كِتابًا في الاختِلافِ، فقال أحمدُ: لا تُسمِّه «كتاب الاختلاف» ولكن سمِّه «كتاب السنة». =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= ولهذا كان بعضُ العُلماءِ يقولُ: إجماعُهم حُجةٌ قاطِعةٌ، واختِلافُهم رَحمةٌ واسِعةٌ.
وكان عُمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يَقولُ: ما يَسرُّني أنَّ أصحابَ رَسولِ الله ﷺ لم يَختلِفوا؛ لأنَّهم إذا اجتَمعُوا على قولٍ فخالَفهُم رجلٌ كان ضالًّا، وإذا اختَلفُوا فأخَذ رجلٌ بقولِ هذا، ورجلٌ بقولِ هذا كان في الأمرِ سَعةٌ. وكذلك قال غيرُ مالكٍ من الأئمةِ: ليسَ للفَقيهِ أن يَحمِلَ النَّاسَ على مَذهبِه.
ولهذا قال العُلماءُ «المصنفون» في الأمرِ بالمَعروفِ والنَّهيِ عن المُنكرِ من أَصحابِ الشافِعيِّ وغيرِه: إنَّ مِثلَ هذه المَسائلِ الاجتِهاديةِ لا تُنكرُ باليدِ، وليسَ لأحدٍ أن يُلزِمَ النَّاسَ باتِّباعِه فيها، ولكن يَتكلَّمُ فيها بالحُججِ العِلميةِ، فمَن تبَينَ له صِحةُ أحدِ القَولينِ تبِعه، ومن قلَّد أهلَ القولِ الآخرِ فلا إِنكارَ عليه ونَظائرُ هذه المَسائلِ كَثيرةٌ، مثل تَنازُعِ النَّاسِ في بيعِ الباقِلاءِ الأخضرِ في قشريه، وفي بَيعِ المقاشي جُملةً واحِدةً، وبَيعِ المُعاطاةِ والسَّلمِ الحالِّ، واستعمالِ الماءِ الكَثيرِ بعدَ وُقوعِ النَّجاسةِ فيه إذا لَم تغيِّرْه، والتَّوضؤِ من مسِّ الذَّكرِ والنِّساءِ، وخُروجِ النَّجاساتِ من غيرِ السَّبيلَينِ، والقَهقهةِ، وتَركِ الوُضوءِ من ذلك، والقِراءَةِ بالبَسملةِ سِرًّا أو جَهرًا وتَركِ ذلك، وتَنجيسِ بَولِ ما يُؤكلُ لحمُه ورَوثُه، أو القَولِ بطَهارةِ ذلك، وبَيعِ الأعيانِ الغائِبةِ بالصِّفةِ، وتَركِ ذلك، والتَّيممِ بضَربةٍ أو ضَربتَينِ إلى الكوعينِ أو المِرفَقينِ، والتَّيممِ لكلِّ صَلاةٍ أو لِوقتِ كلِّ صَلاةٍ، أو الاكتِفاءِ بتَيمُّمٍ واحِدٍ، وقَبولِ شَهادةِ أهلِ الذِّمةِ بعضِهم على بعضٍ أو المنعِ من قَبولِ شَهادتِهم.
ومن هذا البابِ الشَّركةُ بالعروضِ، وشَركةُ الوُجوهِ، والمُساقاةُ على جَميعِ أَنواعِ الشَّجرِ وعلى الأرضِ البَيضاءِ؛ فإنّ هذه المَسائلَ من جِنسِ شَركةِ الأبدانِ بل المانِعونُ من هذه المُشاركاتِ أكثرُ من المانِعينَ من شَركةِ الأبدانِ، ومع هذا فمازالَ المُسلمونَ من عهدِ نبيِّهم وإلى اليومِ في جَميعِ الأعصارِ والأَمصارِ يَتعامَلونَ بها، وبالمُساقاةِ، ولم يُنكرْه عليهم أحدٌ، ولو منَع النَّاسُ مثلَ هذه المُعاملاتِ لَتعطَّل كَثيرٌ من مَصالِحهمُ التي لا يُتَمم دينُهم ولا دُنياهُم إلا بها. =
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الشركة
٨٢٧ - مسألة؛ قال: (وشركة الأبدان جائزة)
المُضَارَبةِ، فإنَّه يَقَعُ فاسِدًا، وعليه الضَّمانُ؛ لأنَّ عَقْدَ الوَكِيلِ يَقَعُ للمُوَكِّلِ، والمُسْلِمُ لا يَثْبُتُ مِلْكُه على الخَمْرِ والخِنْزِيرِ، فأَشْبَهَ ما لو اشْتَرَى به مَيْتَةً، أو عَامَلَ بالرِّبا، وما خَفِىَ أمْرُه فلم يُعْلَمْ، فالأصْلُ إبَاحَتُه وحِلُّه. فأمَّا المَجُوسِىُّ، فإنَّ أحمدَ كَرِهَ مُشَارَكَتَه ومُعَامَلَتَهُ، قال: ما أُحِبُّ مُخَالَطَتَهُ ومُعَامَلَتَهُ؛ لأنَّه يَسْتَحِلُّ ما لا يَسْتَحِلُّ هذا. قال حَنْبَلٌ: قال عَمِّى: لا تُشَارِكْه ولا تُضَارِبْه. وهذا واللهُ أعْلَمُ على سَبِيلِ الاسْتِحْبابِ، لِتَرْكِ مُعَامَلَتِه والكَراهَةِ لِمُشَارَكَتِه، وإنْ فَعَلَ صَحَّ؛ لأنَّ تَصَرُّفَهُ صَحِيحٌ.
٨٢٧ - مسألة؛ قال: (وَشَرِكَةُ الأَبْدَانِ جَائِزَةٌ)
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الشركة)
(مسألة)
ثَمَّ قَالَ كَمْ يَا سَائِبُ كُنْتَ تَعْمَلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَعْمَالًا لَا تُقْبَلُ مِنْكَ وَهِيَ اليوم تقبل وكان ذا سلف وصداقة.
وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ قَيْسَ بْنَ السَّائِبِ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ شَرِيكِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ خَيْرَ شَرِيكٍ لَا يُدَارِي وَلَا يُمَارِي.
وَرَوَى أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَإِنْ خَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا.
وَرَوَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ " يَدُ اللَّهِ عَلَى الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَتَخَاوَنَا " .
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شَرِكَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فِي سِهَامِ خَيْبَرَ وَفِي الْأَزْوَادِ فِي السَّفَرِ وَاشْتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ فِي أَزْوَادِهِمْ يَخْلِطُونَهَا فِي سَفَرِهِمْ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الشَّرِكَةِ فَقَدْ ينقسم ما تكون فيه الشركة أقسام أَرْبَعَةً:
أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ فِي الرِّقَابِ وَالْمَنَافِعِ.
وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ فِي الرِّقَابِ دُونَ الْمَنَافِعِ.
وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ فِي الْمَنَافِعِ دُونَ الرِّقَابِ.
وَالرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ فِي حُقُوقِ الرِّقَابِ.
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الشركة
فصل في حكم الشركة
وَلَوْ دَفَعَ دَابَّةً إلَى رَجُلٍ لِيُؤَاجِرَهَا عَلَى أَنَّ الْأَجْرَ بَيْنَهُمَا كَانَ ذَلِكَ فَاسِدًا، وَالْأَجْرُ لِصَاحِبِ الدَّابَّةِ وَلِلْآجِرِ أَجْرُ مِثْلِهِ وَكَذَلِكَ السَّفِينَةُ وَالْبَيْتُ؛ لِأَنَّ الْوَكَالَةَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا تَصِحُّ فَلَا تَصِحُّ الشَّرِكَةُ وَالْأَجْرُ لِصَاحِبِ الدَّابَّةِ؛ لِأَنَّ الْعَاقِدَ عَقَدَ عَلَى مِلْكِ غَيْرِهِ بِأَمْرِهِ وَلِلرَّجُلِ أَجْرُ مِثْلِهِ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الدَّابَّةِ اسْتَوْفَى مَنَافِعَهَا بِعَقْدٍ فَاسِدٍ وَلَوْ كَانَ دَفَعَ إلَيْهِ الدَّابَّةَ لِيَبِيعَ عَلَيْهَا الطَّعَامَ عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ بَيْنَهُمَا نِصْفَانِ؛ كَانَ فَاسِدًا، وَالرِّبْحُ لِصَاحِبِ الْمَتَاعِ، وَلِصَاحِبِ الدَّابَّةِ أَجْرُ مِثْلِهَا، وَكَذَا الْبَيْتُ؛ لِأَنَّ الْكَسْبَ حَصَلَ بِعَمَلِهِ، وَقَدْ اسْتَوْفَى مَنْفَعَةَ الدَّابَّةِ بِعَقْدٍ فَاسِدٍ، فَكَانَ عَلَيْهِ أَجْرُهَا، وَلَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ هَذِهِ الشَّرِكَةِ اتِّفَاقُ الْعَمَلِ، وَيَجُوزُ إنْ اتَّفَقَتْ أَعْمَالُهَا أَوْ اخْتَلَفَتْ كَالْخَيَّاطِ مَعَ الْقَصَّارِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِنَا، وَقَالَ زُفَرُ: لَا تَجُوزُ هَذِهِ الشَّرِكَةُ إلَّا عِنْدَ اتِّفَاقِ الصَّنْعَةِ كَالْقَصَّارِينَ وَالْخَيَّاطِينَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الشَّرِكَةَ تَجُوزُ بِالْمَالَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ عِنْدَنَا كَذَا بِالْعَمَلَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ، وَعِنْدَهُ لَا تَجُوزُ بِالْمَالَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ فَكَذَا بِالْعَمَلَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ، وَالصَّحِيحُ قَوْلُنَا؛ لِأَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْأَجْرِ فِي هَذِهِ الشَّرِكَةِ بِضَمَانِ الْعَمَلِ، وَالْعَمَلُ مَضْمُونٌ عَلَيْهِمَا اتَّفَقَ الْعَمَلَانِ أَوْ اخْتَلَفَا وَاَللَّهُ ﷿ أَعْلَمُ.
ارجع إلى شروط الشركة للاطلاع على جميع المسائل.