الإسلام > الشركات والإجارات > شروط الشركة > خلط المالين
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 13 دقيقة قراءة٣ - خَلطُ المالَيْن:
اختلَف الفُقهاءُ: هل يُشترطُ في مالِ الشَّركةِ أنْ يَختلِطَ المالانِ بحيث لا يَتميَّزانِ أو لا يُشترطُ؟
فذهَب الشافِعيَّةُ وزُفَرُ مِنَ الحَنفيَّةِ في إحدى الرِّوايتَيْن عنه إلى أنَّه يُشترطُ خَلطُ المالَيْن، بحيث لا يَتميَّزانِ؛ لِيَتحقَّقَ مَعنى الشَّركةِ؛ لأنَّ الشَّركةَ عبارةٌ عن الاختِلاطِ، وذلك إنَّما يَتحقَّقُ في المِلكِ والمُعتبَرِ في كلِّ عَقدٍ ما هو قَضيةُ اسمِ ذلك العَقدِ؛ كالحَوالةِ، والكَفالةِ، والصَّرفِ؛ فإذا خلَطا المالَيْن على وَجهٍ لا يُمكِنُ تَمييزُ أحدِهما عن الآخَرِ فيه فقد ثَبتتِ الشَّركةُ، فأمَّا قبلَ الخَلطِ فالشَّركةُ لَم تَثبُتْ، حتى إذا هلَك رأسُ مالِ أحدِهما كان هالِكًا عليه خاصَّةً، فلا تَثبُتُ شَركةُ العَقدِ، لأنَّ مَعنى الاختِلاطِ فيه لا يَتحقَّقُ مَقصودًا.
ولا بُدَّ مِنْ كَونِ الخَلطِ قبلَ العَقدِ؛ فإنْ وقَع بعدَ العَقدِ في المَجلسِ لم يَصحَّ على الصَّحيحِ؛ إذْ لا اشتِراكَ حالَ العَقدِ، فيُعادُ العَقدُ بعدَ ذلك.
والثاني: يَجوزُ إنْ وقَع في المَجلسِ بعدَ العَقدِ؛ لأنَّه كالعَقدِ.
فإنْ حصَل الخَلطُ بعدَ المَجلسِ لَم يَجُزْ على الوَجهَيْن، وهو الصَّحيحُ مِنَ المَذهبِ، ومالَ إمامُ الحَرمَيْن إلى جَوازِه؛ لأنَّ الشَّركةَ تَوكيلٌ وتَوكُّلٌ.
ولا يَكفي الخَلطُ مع إمكانِ التَّمييزِ بنَحوِ اختِلافِ جِنسٍ، كدراهِمَ ودنانيرَ؛ فإنْ خلَط حينَئذٍ وتَلِفَ نَصيبُ أحدِهما تَلِف عليه فَقطْ، وتَعذَّرت الشَّركةُ في البَقيَّةِ (١).
(١) «نهاية المطلب» (٧/ ٢٤)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٤٧٥)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٨٦)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٨)، و «النجم الوهاج» (٥/ ١٤).
وذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه لا يُشترطُ خَلطُ المالَيْن فتَصحُّ الشَّركةُ، وإنْ كان مالُ كلِّ واحِدٍ منهما في يَدِه إذا عَيَّنا المالَ وأحضَراه؛ لأنَّه عَقدٌ يُقصدُ به الرِّبحُ فلَم يُشترطْ فيه خَلطُ المالِ، كالمُضاربةِ، ولأنَّه عَقدٌ على التَّصرُّفِ فلَم يَكُنْ مِنْ شَرطِه أنْ تَكونَ أيديهما عليه كالوَكالةِ.
لأنَّ الشَّركةَ تَشتمِلُ على الوَكالةِ فما جازَ التَّوكيلُ به جازَتِ الشَّركةُ فيه، والتَّوكيلُ جائِزٌ في المالَيْن قبلَ الخَلطِ، كذا الشَّركةُ.
ولأنَّ الشَّركةَ في الرِّبحِ مُستندةٌ إلى العَقدِ دونَ المالِ، لأنَّ العَقدَ يُسمَّى شَركةً، ولا بُدَّ مِنْ تَحقيقِ مَعنى هذا الاسمِ فيه فلَم يَكُنِ الخَلطُ شَرطًا، ولأنَّ الدَّراهمَ، والدَّنانيرَ لا يَتعيَّنانِ فلا يُستفادُ الرِّبحُ برأسِ المالِ؛ وإنَّما يُستفادُ بالتَّصرُّفِ؛ لأنَّها في النِّصفِ أصيلٌ، وفي النِّصفِ وَكيلٌ، وإذا تَحقَّقتِ الشَّركةُ في التَّصرُّفِ بدونِ الخَلطِ تَحقَّقتْ في المُستفادِ به، وهو الرِّبحُ بدونِه، وصارتْ كالمُضاربةِ (١).
ثم اختلَف الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ فيما إذا تَلِف المالُ قبلَ الخَلطِ.
فقال الحَنفيَّةُ: إذا هلَك مالُ الشَّركةِ كلُّه بَطلتِ الشَّركةُ، وكذا لو هلَك أحَدُ المالَيْن قبلَ الخَلطِ، وقبلَ الشِّراءِ يَهلِكُ من مالِ صاحبِه وَحدَه سَواءٌ هلَك في يَدِ مالِكِه أو يَدِ شَريكِه؛ لأنَّه أمانةٌ في يَدِه، بخِلافِ ما بعدَ الخَلطِ،
(١) «بدائع الصانع» (٦/ ٦٠)، و «المبسوط» (١١/ ١٥٢)، و «البحر الرائق» (٥/ ١٨٩)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٣٢)، و «اللباب» (١/ ٥٣١)، و «المغني» (٥/ ١٢)، و «الكافي» (٢/ ٢٥٨).
حيث يَهلِك عليهما لِعَدمِ التَّمييزِ، فتَبطُلُ الشَّركةُ؛ أمَّا الأولُ فلأنَّ مالَ كلِّ واحِدٍ قبلَ الشِّراءِ وقبلَ الخَلطِ باقٍ على مِلكِه، وأمَّا بُطلانُ الشَّركةِ فلأنَّ المَعقودَ عليه عَقدُ الشَّركةِ هو المالُ المُعيَّنُ؛ لأنَّه يَتعيَّنُ بالتَّعيينِ في الشَّركةِ، والهِبةِ، والوَصيَّةِ، وبهَلاكِ المَعقودِ عليه يَبطُلُ العَقدُ، كما في البَيعِ، بخِلافِ المُضاربةِ، والوَكالةِ المُفردةِ.
وهذا ظاهِرٌ فيما إذا هلَك المالانِ، وكذا إذا هلَك أحَدُهما؛ لأنَّه -أي الشَّريكَ- الذي لَم يَهلِك مالُه لَم يَرضَ بشَركةِ صاحبِه في مالِه إلا لِيُشرِكَه هو أيضًا في مالِه بتَقديرِ بَقائِه؛ فإذا فات ذلك ظهَر وُقوعُ ما لَم يَكُنْ راضيًا به عندَ عَقدِ الشَّركةِ فيَبطُلُ العَقدُ لِعَدمِ فائِدتِه، وهي الاشتِراكُ فيما يَحصُلُ.
فإنِ اشتَرى أحَدُهما بمالِه ثم هلَك مالُ الآخَرِ، فالمُشتَري بينَهما على ما شرَطا؛ لأنَّ المِلكَ حين وقَع وقَع مشتَركًا بينَهما لِقيامِ الشَّركةِ وَقتَ الشِّراءِ، لأنَّ الهَلاكَ لَم يَقعْ قبلَه لِيَبطُلَ فيَختصَّ المُشتَري بما اشتَراه، فلا يَتغيَّرُ حُكمُ الشَّركةِ بهَلاكِ مالِ الآخَرِ بعدَ ذلك (١).
وقال الحَنابِلةُ: إنْ تَلِف أحَدُ المالَيْن أو بَعضُه، ولو قبلَ الخَلطِ فالتالِفُ مِنْ ضَمانِهما معًا؛ لأنَّ الشَّركةَ اقتَضتْ ثُبوتَ المِلكِ لكلِّ واحِدٍ منهما في نِصفِ مالِ صاحبِه، فيَكونُ تَلفُه منها وزيادَتُه لها.
فالوَضيعةُ -ولو في أحدِ المالَيْن قبلَ الخَلطِ- عليهما على قَدْرِ المالِ
(١) «بدائع الصانع» (٦/ ٦٠)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ١٧٩، ١٨٠)، و «الهداية» (٣/ ٨)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٣١)، و «مجمع الضمانات» (٦٤٠)، و «الهندية» (٢/ ٣٢٠).
بالحِسابِ؛ لأنَّها عبارةٌ عن نُقصانِ رأسِ المالِ، وهو مُختصٌّ بالقَدْرِ، فيَكونُ النَّقصُ منه دونَ غَيرِه، وسَواءٌ كانتِ الوَضيعةُ لِتَلفٍ أو نُقصانٍ في الثَّمنِ أو غَيرِ ذلك (١).
وأمَّا المالِكيَّةُ فاختلَف النَّقلُ والتَّرجيحُ عِندَهم وسَببُ الخِلافِ هل الشَّركةُ تَلزمُ بالعَقدِ، سَواءٌ خُلِطَ المالُ أو لا، أو لا بُدَّ مِنْ خَلطِ المالَيْن ولو حُكمًا.
قال القاضي عبدُ الوَهَّابِ رحمة الله عليه: لا تَصحُّ الشَّركةُ إذا انفَردَ كلُّ واحِدٍ بمالِ نَفْسِه مِنْ غَيرِ أنْ تَكونَ يَدُ الآخَرِ عليه حتى تَكونَ أيديهما عليه، بأنْ يَجعَلاه في تابوتِهما أو حانوتِهما، أو على يَدِ وَكيلِهما، فتَصحُّ حينَئذٍ الشَّركةُ، وإنْ لَم يَخلِطاه، وإنْ كانت أعيانُه مُتميِّزةً.
وقال أبو حَنيفةَ رحمة الله عليه: تَصحُّ الشَّركةُ وإنْ كان مالُ كلِّ واحِدٍ منهما في يَدِه إذا عَيَّنا المالَ وأحضَراه، إلا أنَّه متى هلَك أحَدُ المالَيْن كان مِنْ رَبِّه إذا هلَك قبلَ الخَلطِ.
وقال الشافِعيُّ رحمة الله عليه: لا تَصحُّ الشَّركةُ إلا أنْ يَخلِطا رأسَ المالِ حتى لا يَتميَّزَ بَعضُه عن بَعضٍ.
فدَليلُنا على أبي حَنيفةَ: أنَّ الشَّركةَ تَقتَضي تَساويهما في الاشتِراكِ بالمالِ، وإذا انفرَد أحَدُهما بثُبوتِ يَدِه عليه لَم تُوجَدْ حَقيقةُ الشَّركةِ؛ لأنَّهما على ما كانا عليه مِنَ انفِرادِ المالَيْن، فلَم يَحصُلْ منهما إلا القَولُ، ومُجرَّدُ القَولِ لا
(١) «المغني» (٥/ ١٢)، و «كشاف القناع» (٣/ ٥٨٤).
تأثيرَ له؛ بدَليلِ أنَّهما لو تعاقَدا الشَّركةَ على مالٍ ولم يُعيِّناه لَم تَنعقِدْ، لأنَّ الشَّركةَ لا تَحصُلُ على مالٍ لَم تَثبُتْ أيديهما عليه، ولأنَّ كلَّ واحِدٍ مِنَ المالَيْن يَتلَفُ على مِلكِ صاحبِه، فلَم يَثبُتْ به شَركةٌ، أصلُه سائِرُ أموالِه، عَكسُه إذا خلَطاه، أو كانت أيديهما عليه، ولأنَّ كلَّ مالٍ في يَدِ صاحبِه كالشَّركةِ على الطَّعامِ، ولأنَّهم وافَقونا على أنَّ الخُسرانَ لا يَكونُ بينَهما، فكذلك يَجِبُ أنْ يَكونَ الرِّبحُ، بعِلَّةِ أنَّه أحَدُ نَوعَيِ الشَّركةِ.
ودَليلُنا على الشافِعيِّ: أنَّ أيديَهما ثابِتةٌ على المالَيْن كما لو خلَطاه (١).
لكنْ ذهَب المالِكيَّةُ في المَشهورِ -وهو قَولُ ابنِ القاسِمِ- إلى أنَّ الشَّركةَ تَلزمُ بالعَقدِ، أي: بما يَدلُّ عليها عُرفًا، سَواءٌ كان قَولًا، ك: «اشتَركْنا»، أو فِعلًا كخَلطِ المالَيْن، أو هُما معًا، وأمَّا القَولُ بأنَّ الخَلطَ شَرطٌ في لُزومِها فهو قَولُ سَحنونٍ، ودرَج عليه القاضي عَبدُ الوَهَّابِ في القَولِ الذي ذكَرتُه قَبلُ، وهو خِلافُ المَشهورِ.
وإنَّما الصَّحيحُ: أنَّ الخَلطَ شَرطٌ في الضَّمانِ، فما تَلِفَ من مالِ الشَّركةِ قبلَ الخَلطِ فمِن رَبِّه دونَ صاحبِه، إنْ كان مالُ الشَّركةِ مِثلِيًّا، كعَينٍ، وإلَّا بأنْ حصَل التَّلفُ بعدَ الخَلطِ، أو كان المالُ عَرضًا، فمنهما الضَّمانُ معًا، ولا يَختصُّ برَبِّ المالِ، ثم إذا تَلِف شَيءٌ قبلَ الخَلطِ -وقُلنا: ضَمانُه مِنْ رَبِّه فقط- فالشَّركةُ لَم تَنفسِخْ؛ لأنَّها لَازمةٌ بالعَقدِ.
ويَكونُ ما اشتَرى بالسالِمِ بينَهما على ما دخَلا عليه مِنْ مُناصَفةٍ أو
(١) «الإشراف» (٣/ ٦٧، ٦٨) رقم (٩٢٦)، و «المعونة» (٢/ ١٤٠، ١٤١).
ارجع إلى شروط الشركة للاطلاع على جميع المسائل.