شروط صحة شركة المفاوضة عند الحنفية

الإسلام > الشركات والإجارات > شروط الشركة > شروط صحة شركة المفاوضة عند الحنفية

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 17 دقيقة قراءة

شروط صحة شركة المفاوضة عند الحنفية - الأقوال والأدلة

يَختصُّ بسَبَبه، فلَم يَصحَّ، كما لو عقَدا الشَّركةَ على ما يَملِكانِ بالإرثِ، أو نَقولُ: شَركةٌ على أنْ يَضمنَ كلُّ واحِدٍ منهما ما يَجِبُ على الآخَرِ بعُدوانِه، فلَم يَصحَّ، كما لو عقَدا الشَّركةَ على أنْ يَضمنَ كلُّ واحِدٍ منهما ما يَجِبُ على كلِّ واحِدٍ منهما بالجِنايةِ.

إذا ثبَت هذا: فإنْ كسَبا اختُصَّ كلُّ واحِدٍ منهما بمِلكِ ما كسَبه، ووجَب عليه ضَمانُ ما أتلَفه أو غصَبه؛ لأنَّ وُجودَ هذا العَقدِ بمَنزِلةِ عَدمِه.

وإذا استَعمَلا لَفظَ المُفاوضةِ وأرادا شَركةَ العِنانِ فالمَنصوصُ عليه الجَوازُ (١).

شُروطُ صِحَّةِ شَركةِ المُفاوضةِ عندَ الحَنفيَّةِ:

١ - التَّساوي في المالِ، فلو كان أحَدُ الشُّركاءِ أكثَرَ مالًا فإنَّ الشَّركةَ لا تَصحُّ؛ لأنَّ المالَ الأصلُ في الشَّركةِ، ومنه يَكونُ الرِّبحُ.

٢ - التَّساوي في التَّصرُّفِ، فلا تَصحُّ الشَّركةُ بينَ الصَّبيِّ والبالِغِ، ولا بينَ الحُرِّ والعَبدِ؛ لأنَّها تَقتَضي الكَفالةَ، ولأنَّ كَفالةَ هؤلاء لا تَصحُّ، وإذا لَم تَصحَّ كانت عِنانًا، ولأنَّه مَتى تَصرَّف أحَدُهما تَصرُّفًا لا يَقدِرُ الآخَرُ عليه فاتَتِ المُساواةُ.

٣ - التَّساوي في الدَّينِ، فلا تَنعقِدُ بينَ مُسلِمٍ وذِمِّيٍّ؛ لأنَّ المُسلِمَ والذِّمِّيَّ

(١) «الأم» (٧/ ١٣٤)، و «الحاوي الكبير» (٦/ ٤٧٥، ٤٧٦)، و «نهاية المطلب» (٧/ ٢٣)، و «البيان» (٦/ ٣٧٢، ٣٧٤)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٨٣)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٨، ٩)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٤).

لا يَتساويانِ في التَّصرُّفِ، بدَليلِ أنَّ الذِّمِّيَّ يَتصرَّفُ في الخَمرِ والخِنزيرِ، دونَ المُسلِمِ، وتَكونُ عِنانًا؛ لأنَّ العِنانَ يَجوزُ بينَهما إجماعًا، وإنْ تَفاوضَ الذِّمِّيانِ جازَت مُفاوَضتُهما، وإنِ اختلَف دِيناهما؛ لأنَّهما مُتساويانِ في التَّصرُّفِ.

٤ - أنْ يَكونَ كلُّ واحِدٍ مِنَ الشُّركاءِ كَفيلًا عن الآخَرِ فيما يَجِبُ عليه مِنْ شِراءٍ وبَيعٍ، كما أنَّه وَكيلٌ عنه، فلا يَصحُّ أنْ يَكونَ تَصرُّفُ أحَدِ الشُّركاءِ أكثَرَ مِنْ تَصرُّفِ الآخَرِ؛ فإذا تَحقَّقت المُساواةُ في هذه النَّواحي كلِّها انعَقدَت الشَّركةُ، وصارَ كلُّ شَريكٍ وَكيلًا عن صاحبِه وكَفيلًا عنه يُطالِبُ بعَقدِ صاحبِه، ويَسألُ عن جَميعِ تَصرُّفاتِه.

وفي كلِّ مَوضعٍ لا تَصحُّ المُفاوضةُ -لِفَقدِ شَرطِها، ولا يُشترَطُ ذلك في العِنانِ- كانت عِنانًا.

فإن وَرِث أحَدُهما مالًا تَصحُّ فيه الشَّركةُ، أو وُهِبَ له ووصَل إلى يَدِه، بَطلَت المُفاوَضةُ وصارَت عِنانًا، وإنْ وَرِث أحَدُهما عَرضًا فهو له، ولا تَفسُدُ المُفاوضةُ، وكذا العَقارُ.

وتَنعقِدُ المُفاوضةُ على الوَكالةِ والكَفالةِ، وما يَشتريه كلُّ واحِدٍ منهما يَكونُ على الشَّركةِ، إلا طَعامَ أهلِه وكِسوَتُهم، وكذا كِسوتُه، وكذا الإدامُ، ولِلبائعِ أنْ يأخُذَ بالثَّمنِ أيَّهما شاءَ: المُشتَريَ بالأصالةِ، وصاحبَه بالكَفالةِ، ويَرجعُ على المُشتَري بحِصَّتِه ممَّا أدى عندَ أبي حَنيفةَ ومالِكٍ.

وما يَلزمُ كلَّ واحِدٍ منهما مِنَ الدُّيونِ بَدلًا مما يَصحُّ فيه الاشتِراكُ،

فالآخَرُ ضامِنٌ له، تَحقيقًا لِلمُساواةِ؛ لأنَّها مُنعقدةٌ على الكَفالةِ، فكأنَّه كفَل عنه ببَدلِ ذلك، فيُطالَبُ به، والمُرادُ بَدلُ الشَّيءِ الذي يَصحُّ الاشتِراكُ فيه، حتى إذا اشتَرى العِقالَ بَطلَت شَركتُه، والذي يَصحُّ فيه الاشتِراكُ البَيعُ والشِّراءُ والاستِئجارُ، والذي لا يَصحُّ الاشتِراكُ فيه: الجِنايةُ والنِّكاحُ والخُلعُ والصُّلحُ عن دَمِ العَمدِ، وعن النَّفقةِ، فعلى هذا إذا تَزوَّجَ أحَدُ الشَّريكَيْن فذلك لَازمٌ له خاصَّةً؛ لأنَّه لا يَصحُّ الشَّركةُ عليه، وليس لِلمرأةِ أنْ تأخُذَ شَريكَه بالمَهرِ؛ لأنَّه بَدلٌ عما لا يَصحُّ فيه الاشتِراكُ، وكذا لو جَنى أحَدُهما على آدَميٍّ فهو لَازمٌ له خاصَّةً؛ لأنَّ الجِنايةَ ليست مِنَ التِّجارةِ؛ وإنْ جَنى على دابَّةٍ أو ثَوبٍ لَزمَ شَريكَه؛ لأنَّه يَملِكُ المَجنيَّ عليه بالضَّمانِ، وذلك مما يَصحُّ فيه الاشتِراكُ.

ولو كفَل أحَدُهما بمالٍ عن أجنبيٍّ بأمْرِه، لَزمَ صاحبَه -شَريكَه- عندَ أبي حَنيفةَ رحمة الله عليه، وقال أبو يُوسُفَ ومُحمدٌ: لا يَلزمُه، كالإقراضِ والكَفالةِ بالنَّفْسِ.

وعن أبي حَنيفةَ رحمة الله عليه: يَلزمُ صاحبَه في الإقراضِ، ولو كانت الكَفالةُ بغَيرِ أمرِه لَم يَلزَمْ صاحبَه في الصَّحيحِ، وضَمانُ الغَصبِ والاستِهلاكِ بمَنزِلةِ الكَفالةِ بأمرِه عندَ أبي حَنيفةَ (١).

(١) «بدائع الصانع» (٦/ ٦١)، و «الاختيار» (٣/ ١٤، ١٥)، و «العناية» (٨/ ٢٥٠)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٤٢١، ٤٢٣)، و «اللباب» (١/ ٥٢٤، ٥٢٥)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٨٠)، و «مجمع الأنهر» (٢/ ٥٤٧)، و «مجمع الضمانات» (٢/ ٦٣٢، ٦٣٣).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الشركة)
(مسألة)

ثَمَّ قَالَ كَمْ يَا سَائِبُ كُنْتَ تَعْمَلُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَعْمَالًا لَا تُقْبَلُ مِنْكَ وَهِيَ اليوم تقبل وكان ذا سلف وصداقة.

وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ قَيْسَ بْنَ السَّائِبِ قَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كَانَ شَرِيكِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ خَيْرَ شَرِيكٍ لَا يُدَارِي وَلَا يُمَارِي.

وَرَوَى أَبُو حَيَّانَ التَّيْمِيُّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ أَنَا ثَالِثُ الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَخُنْ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ فَإِنْ خَانَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ خَرَجْتُ مِنْ بَيْنِهِمَا.

وَرَوَى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ " يَدُ اللَّهِ عَلَى الشَّرِيكَيْنِ مَا لَمْ يَتَخَاوَنَا " .

وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - شَرِكَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فِي سِهَامِ خَيْبَرَ وَفِي الْأَزْوَادِ فِي السَّفَرِ وَاشْتَرَكَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَأَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ فِي أَزْوَادِهِمْ يَخْلِطُونَهَا فِي سَفَرِهِمْ.

(فَصْلٌ)

فَإِذَا ثَبَتَ جَوَازُ الشَّرِكَةِ فَقَدْ ينقسم ما تكون فيه الشركة أقسام أَرْبَعَةً:

أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ فِي الرِّقَابِ وَالْمَنَافِعِ.

وَالثَّانِي: أَنْ تَكُونَ فِي الرِّقَابِ دُونَ الْمَنَافِعِ.

وَالثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ فِي الْمَنَافِعِ دُونَ الرِّقَابِ.

وَالرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ فِي حُقُوقِ الرِّقَابِ.

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الشركة
فصل في بيان شرائط جواز أنواع الشركة

وَشَارَكْنَا قُرَيْشًا فِي تُقَاهَا … وَفِي أَحْسَابِهَا شِرْكَ الْعِنَانِ.

(وَأَمَّا) .

الْمُفَاوَضَةُ: فَقَدْ قِيلَ: إنَّهَا الْمُسَاوَاةُ فِي اللُّغَةِ قَالَ الْقَائِلُ وَهُوَ الْعَبْدِيُّ:

تُهْدَى الْأُمُورُ بِأَهْلِ الرَّأْيِ مَا صَلُحَتْ … فَإِنْ تَوَلَّتْ فَبِالْأَشْرَارِ تَنْقَادُ

لَا يَصْلُحُ النَّاسُ فَوْضَى لَا سَرَاةَ لَهُمْ … وَلَا سَرَاةٌ إذَا جُهَّالُهُمْ سَادُوا

سُمِّيَ هَذَا النَّوْعُ مِنْ الشَّرِكَةِ مُفَاوَضَةً؛ لِاعْتِبَارِ الْمُسَاوَاةِ فِيهِ فِي رَأْسِ الْمَالِ وَالرِّبْحِ وَالتَّصَرُّفِ وَغَيْرِ ذَلِكَ عَلَى مَا نَذْكُرُ.

وَقِيلَ هِيَ مِنْ التَّفْوِيضِ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُفَوِّضُ التَّصَرُّفَ إلَى صَاحِبِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ.

(وَأَمَّا) الْكَلَامُ فِي شَرِكَةِ الْأَعْمَالِ وَالْوُجُوهِ (فَوَجْهُ) قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رحمة الله عليه أَنَّ الشَّرِكَةَ تُنْبِئُ عَنْ الِاخْتِلَاطِ، وَلِهَذَا شَرَطَ الْخَلْطَ لِجَوَازِ الشَّرِكَةِ؛ وَلَا يَقَعُ الِاخْتِلَاطُ إلَّا فِي الْأَمْوَالِ، وَكَذَا مَا وُضِعَ لَهُ الشَّرِكَةَ لَا يَتَحَقَّقُ فِي هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ؛ لِأَنَّهَا وُضِعَتْ لِاسْتِنْمَاءِ الْمَالِ بِالتِّجَارَةِ؛ لِأَنَّ نَمَاءَ الْمَالِ بِالتِّجَارَةِ وَالنَّاسُ فِي الِاهْتِدَاءِ إلَى التِّجَارَةِ مُخْتَلِفُونَ، بَعْضُهُمْ أَهْدَى مِنْ الْبَعْضِ، فَشُرِعَتْ الشَّرِكَةُ؛ لِتَحْصِيلِ غَرَضِ الِاسْتِنْمَاءِ، وَلَا بُدَّ مِنْ أَصْلٍ يُسْتَنْمَى، وَلَمْ يُوجَدْ فِي هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ فَلَا يَحْصُلُ مَا وُضِعَ لَهُ الشَّرِكَةُ فَلَا يَجُوزُ.

(وَلَنَا) : أَنَّ النَّاسَ يَتَعَامَلُونَ بِهَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ فِي سَائِرِ الْأَعْصَارِ مِنْ غَيْرِ إنْكَارٍ عَلَيْهِمْ مِنْ أَحَدٍ.

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الشركة
الركن الثالث في معرفة قدر العمل في شركة العنان

وَعُمْدَةُ أَهْلِ الْعِرَاقِ: تَشْبِيهُ الشَّرِكَةِ بِالْقِرَاضِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا جَازَ فِي الْقِرَاضِ أَنْ يَكُونَ لِلْعَامِلِ مِنَ الرِّبْحِ مَا اصْطَلَحَا عَلَيْهِ، وَالْعَامِلُ لَيْسَ يَجْعَلُ مُقَابِلَهُ إِلَّا عَمَلًا فَقَطْ; كَانَ فِي الشَّرِكَةِ أَحْرَى أَنْ يجْعَلَ لِلْعَمَلِ جُزْءا مِنَ الْمَالِ إِذَا كَانَتِ الشَّرِكَةُ مَالًا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَعَمَلًا، فَيَكُونُ ذَلِكَ الْجُزْءُ مِنَ الرِّبْحِ مُقَابِلًا لِفَضْلِ عَمَلِهِ عَلَى عَمَلِ صَاحِبِهِ، فَإِنَّ النَّاسَ يَتَفَاوَتُونَ فِي الْعَمَلِ كَمَا يَتَفَاوَتُونَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ.

الرُّكْنُ الثَّالِثُ فِي مَعْرِفَةِ قَدْرِ الْعَمَلِ في شركة العنان

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 344 - 346

ارجع إلى شروط الشركة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
الله أكبر