تعدد رب مال المضاربة لمضارب آخر غير رب المال الأول

الإسلام > الشركات والإجارات > فيما يجوز لرب المال فعله وما لا يجوز > تعدد رب مال المضاربة لمضارب آخر غير رب المال الأول

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

تعدد رب مال المضاربة لمضارب آخر غير رب المال الأول - الأقوال والأدلة

٣ - تَعدُّد رَبِّ مالِ المُضاربةِ لِمُضارِبٍ آخَرَ غَيرِ رَبِّ المالِ الأولِ:

اتَّفَق فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على أنَّه يَجوزُ لِلمُضاربِ أنْ يُضارِبَ لِأكثرَ مِنْ واحِدٍ؛ فإذا أخَذَ إنسانٌ مالًا لِلمُضاربةِ ثم أرادَ أخْذَ مُضاربةٍ أُخرى مِنْ آخَرَ جازَ، سَواءٌ أذِنَ له الأولُ أو لَم يَأذَنْ، إذا لَم يَكُنْ عليه ضَرَرٌ.

قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: بغَيرِ خِلافٍ (١).

وإنْ كان فيه ضَررٌ على رَبِّ المالِ الأولِ ولَم يَأذنْ له، مِثلَ أنْ يَكونَ المالُ الثاني كَثيرًا يَحتاجُ إلى أنْ يَقطعَ زَمانَه ويَشغَلَه عن التِّجارةِ في الأولِ أو أنْ يَكونَ المالُ الأولُ كَثيرًا متى اشتَغَل عنه بغَيرِه انقَطَع عن بَعضِ تَصرُّفاتِه، لَم يَجُزْ له ذلك عندَ المالِكيَّةِ والحَنابِلةِ.

قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وقال أكثَرُ الفُقهاءِ: يَجوزُ؛ لأنَّه عَقدٌ لا يَملِكُ به مَنافِعَه كلَّها، فلَم يَمنَعْ مِنَ المُضاربةِ، كما لو لَم يَكُنْ فيه ضَررٌ، وكالأجيرِ المُشترَكِ.

ولنا: أنَّ المُضاربةَ على الحَظِّ والنَّماءِ، فإذا فعَل ما تَمنَعه لَم يَكُنْ له كما لو أرادَ التَّصرُّفَ بالعَينِ وفارَق ما لا ضَررَ فيه.

فعلى هذا إذا فعَل ورَبِح رَدَّ الرِّبحَ في شَركةِ الأولِ ويَقتَسِمانِه (٢)، فليَنظُرْ ما رَبِح في المُضارَبةِ الأُخرى ويَدفَعْ إلى رَبِّ المالِ منها نَصيبَه ويأخُذِ المُضارِبُ نَصيبَه مِنَ الرِّبحِ فيَضُمَّه إلى رِبحِ المُضاربةِ الأُولى ويُقاسِمْه رَبَّ

(١) «المغني» (٥/ ٣٠).
(٢) قال ابنُ تَيميَّةَ: لا يردُّ كعَملِه في مالِه أو إِيجارِ نفسِه، «الفروع» (٤/ ٢٩١).

المُضاربةِ الأُولى؛ لأنَّه استحَقَّ حِصَّتَه مِنَ الرِّبحِ بالمَنفعةِ التي استُحِقَّت بالعَقدِ الأولِ، فكانَ بينَهما كرِبحِ المالِ الأولِ، فأمَّا حِصَّةُ رَبِّ المالِ الآخَرِ مِنَ الرِّبحِ فتُدفَعُ إليه؛ لأنَّ العُدوانَ مِنَ المُضارِبِ لا يُسقِطُ حَقَّ رَبِّ المالِ الآخَرِ، ولأنَّا لو رَدَدنا رِبحَ الآخَرِ كلَّه في الشَّركةِ الأُولى لاختَصَّ الضَّررُ برَبِّ المالِ الآخَرِ، فلَم يَلحَقِ المُضارِبَ شَيءٌ مِنَ الضَّررِ والعُدوانِ منه، بل ربما انتَفَع إذا كان قد شرَط الأولُ النِّصفَ، وشرَط الآخَرُ الثُّلثَ، ولأنَّه لا يَخلو مِنْ أنْ يَحكُمَ بفَسادِ المُضاربةِ الأُخرى أو بصِحَّتِها؛ فإنْ كانت فاسِدةً فالرِّبحُ كلُّه لِرَبِّ المالِ، ولِلمُضارِبِ أجرُ مِثلِه.

وإنْ حَكَمنا بصِحَّتِها وجَب صَرفُ حِصَّةِ ربِّ المالِ إليه بمُقتَضى العَقدِ ومُوجِبِ الشَّرطِ، والنَّظرُ يَقتَضي ألَّا يَستحِقَّ رَبُّ المُضاربةِ الأُولى مِنْ رَبِّ الأُخرى شَيئًا؛ لأنَّه إنَّما يَستحِقُّ بمالٍ أو عَملٍ، وليس له في المُضاربةِ الأُخرى مالٌ ولا عَملٌ، وتَعدِّي المُضارِبِ إنَّما كان بتَركِ العَملِ واشتِغالِه عن المالِ الأولِ، وهذا لا يُوجِبُ عِوَضًا كما لو اشتَغَل بالعَملِ في مالِ نَفْسِه أو آجَرَ نَفْسَه أو تَركَ التِّجارةَ لِلَّعِبِ أو اشتَغل بعِلمٍ أو غَيرِ ذلك، ولو أوجَبَ عِوضًا لَأوجَبَ شَيئًا مُقدَّرًا لا يَختلِفُ ولا يَتقدَّرُ برِبحِه في الآخَرِ.

وإنْ أخذَ مِنْ رَجُلٍ مُضاربةً ثم أخذَ مِنْ آخَرَ بِضاعةً أو عَمِل في مالِ نَفْسِه أو اتَّجَرَ فيه فرَبِحه في مالِ البِضاعةِ لِصاحبِها وفي مالِ نَفْسِه لِنَفْسِه (١).

(١) «المغني» (٥/ ٣٠، ٣١)، وينظر: «شرح الزركشي» (٢/ ١٤٦)، و «المبدع» (٥/ ٢٦)، و «الإنصاف» (٥/ ٤٣٧)، و «كشاف القناع» (٣/ ٦٠٣، ٦٠٤) «روضة الطالبين» (٣/ ٧٤٧)، ولَم أَقفْ على مَصدرٍ من مَصادرِ الحَنفيَّة ينصُّ على هذا.

وقال المالِكيَّةُ: لا يَجوزُ لِلمُقارِضِ أنْ يأخُذَ قِراضًا ثانيًا مِنْ غَيرِ رَبِّ المالِ، وعَدمُ الجَوازِ إنْ كان الآخَرُ يَشغَلُه عن العَملِ في القِراضِ الأولِ؛ لأنَّ رَبَّ المالِ استحَقَّ مَنفعةَ العامِلِ؛ فإذا لَم يَشغَلْه عن العَملِ فيه جازَ له أنْ يأخُذَ قِراضًا ثانيًا وثالِثًا، ومَفهومٌ مِنْ غَيرِه جَوازُه منه وإنْ كان الآخَرُ يَشغَلُه عن الأولِ.

وقال الحَطَّابُ رحمة الله عليه: وقال في «المُدوَّنةِ» في كِتابِ القِراضِ: ولِلعامِلِ أنْ يأخُذَ مالًا قِراضًا مِنْ رَجلٍ آخَرَ إنْ لَم يَكُنِ الأولُ كَثيرًا يَشغَلُه الآخَرُ عنه، فلا يأخُذُ حينَئِذٍ مِنْ غَيرِه شَيئًا؛ فإنْ أخَذَهما وهو يَحتمِلُ العَملَ بهما فلَه أنْ يَخلِطَهما ولا يَضمنَ ولا يَجوزُ أنْ يَكونَ ذلك بشَرطٍ مِنَ الأولِ أو الآخَرِ. انتهى.

فإنْ كان الآخَرُ يَشغَلُه عن الأولِ وأخَذَه، قال اللَّخميُّ في تَبصِرتِه في بابِ القِراضِ: ولِلعامِلِ أنْ يَخلِطَ القِراضَ بمالِه إذا كان قادِرًا على التَّجْرِ بهما، وإنْ كان لا يَقدِرُ على التَّجْرِ بأكثَرَ مِنْ مالِ القِراضِ لَم يَكُنْ ذلك له؛ فإنْ فعَل وتَجَر في الآخَرِ وعَطَّل الأولَ لَم يَكُنْ عليه في الأولِ سِوى رأسِ المالِ على المَشهورِ مِنَ المَذهبِ، وعلى القَولِ الآخَرِ يَكونُ عليه قَدرُ ما حَرَمه مِنَ الرِّبحِ، وكذلك إذا تَجَر في الأولِ ثم اشتَغَل بالآخَرِ عن بَيعِ الأولِ حتى نَزَل سُوقَه فيَختلِفُ هل يَضمَنُ العامِلُ ما حَطَّ السُّوقُ؛ لأنَّه حَرَمه ذلك، وإن فسَد لِأجْلِ شُغلِه عنه ضمِن، وكذلك إذا أخَذ قِراضًا بعدَ قِراضٍ فلا يَمنَعُ مِنَ الآخَرِ إذا كان يَقدِرُ على التَّجْرِ فيهما؛ فإنْ كان لا يَقدِرُ إلا على التَّجرِ في أحَدِهما مُنِع مِنَ التَّجرِ في الآخَرِ؛ فإنْ فعَل ضمِن ما كان في الأولِ

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب المضاربة
فصل في شرائط ركن المضاربة

مُضَارَبَةً عَلَى أَنَّ لِيَّ نِصْفَ الرِّبْحِ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا فَالْقِيَاسُ أَنْ تَكُونَ الْمُضَارَبَةُ فَاسِدَةٌ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رحمة الله عليه ، وَلَكِنَّهَا جَائِزَةٌ اسْتِحْسَانًا، وَيَكُونُ لِلْمُضَارِبِ النِّصْفُ.

(وَجْهُ) الْقِيَاسِ أَنَّ رَبَّ الْمَالِ لَمْ يَجْعَلْ لِلْمُضَارِبِ شَيْئًا مَعْلُومًا مِنْ الرِّبْحِ، وَإِنَّمَا سَمَّى لِنَفْسِهِ النِّصْفَ فَقَطْ، وَتَسْمِيَتُهُ لِنَفْسِهِ لَغْوٌ؛ لِعَدَمِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا، فَكَانَ ذِكْرُهُ وَالسُّكُوتُ عَنْهُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ، وَإِنَّمَا الْحَاجَةُ إلَى التَّسْمِيَةِ فِي حَقِّ الْمُضَارَبَةِ، وَلَمْ يُوجَدْ فَلَا تَصِحُّ الْمُضَارَبَةُ.

(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّ الْمُضَارَبَةَ تَقْتَضِي الشَّرِكَةَ فِي الرِّبْحِ، فَكَانَ تَسْمِيَةُ أَحَدِ النِّصْفَيْنِ لِنَفْسِهِ تَسْمِيَةَ الْبَاقِي لِلْمُضَارِبِ، كَأَنَّهُ قَالَ: خُذْ هَذَا الْمَالَ مُضَارَبَةً عَلَى أَنَّ لَكَ النِّصْفَ كَمَا فِي مِيرَاثِ الْأَبَوَيْنِ فِي قَوْلِهِ ﷾ ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ النساء: ١١ لَمَّا كَانَ مِيرَاثُ الْمَيِّتِ لِأَبَوَيْهِ وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى ﷿ لِلْأُمِّ مِنْهُ الثُّلُثَ كَانَ ذَلِكَ جَعَلَ الْبَاقِي لِلْأَبِ كَذَا هَذَا.

وَلَوْ قَالَ عَلَى أَنَّ لِي نِصْفَ الرِّبْحِ وَلَكَ ثُلُثُهُ وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا، فَالثُّلُثُ لِلْمُضَارِبِ وَالْبَاقِي لِرَبِّ الْمَالِ؛ لِمَا ذَكَرْنَا أَنَّ اسْتِحْقَاقَ الْمُضَارِبِ الرِّبْحَ بِالشَّرْطِ، وَاسْتِحْقَاقَ رَبِّ الْمَالِ لِكَوْنِهِ مِنْ نَمَاءِ مَالِهِ، فَإِذَا سَلَّمَ الْمَشْرُوطَ لِلْمُضَارِبِ بِالشَّرْطِ يُسَلِّمُ الْمَسْكُوتَ عَنْهُ، وَهُوَ الْبَاقِي لِرَبِّ الْمَالِ؛ لِكَوْنِهِ مِنْ نَمَاءِ مَالِهِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 527 - 529

ارجع إلى فيما يجوز لرب المال فعله وما لا يجوز للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله