الحالة الثالثة: أن يختلفا في التصرف المأذون فيه والقبض

الإسلام > الشركات والإجارات > يد الوكيل > الحالة الثالثة: أن يختلفا في التصرف المأذون فيه والقبض

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 24 دقيقة قراءة

الحالة الثالثة: أن يختلفا في التصرف المأذون فيه والقبض - الأقوال والأدلة

الرَّافِعيُّ في الشَّرحِ الصَّغيرِ، ورَجَّحَ الوَجْهَ الآخَرَ الإمامُ، ونقَله ابنُ الرِّفعةِ عن القاضي حُسَينٍ، وصَحَّحَه الغَزاليُّ في بَسيطِه (١).

وقالَ في «العُبابِ»: لو تَلِفَ ثَمَنُ ما باعَه الوَكيلُ بيَدِه، ولَم يَعلَمِ المالِكُ بتَلَفِه، فطالَبَه به، فأخَّرَ مَع مُكْنةِ رَدِّه لو كانَ باقيًا … لَم يَضمَنْ.

وكذا لو قالَ: اعْطِ هذا زَيدًا، فتَمكَّنَ ولَم يَفعَلْ حتى تَلِفَ، أو طالَبَ الوَكيلَ بِرَدِّ المَتاعِ أو ثَمَنِه إنْ باعَه، فقالَ: أرُدُّ وَقتًا آخَرَ، ثم ادَّعى أنَّه كانَ تالِفًا ولَم يَشعُرْ به، وأقامَ بيِّنةً بالتَّلَفِ السَّابِقِ، وحلَف أنَّه كانَ جاهِلًا (٢).

الحالةُ الثَّالثةُ: أنْ يَختلِفا في التَصرُّفِ المَأذونِ فيه والقَبضِ:

إذا اختَلفَ الوَكيلُ والمُوكِّلُ في التَصرُّفِ وقَبضِ الثَّمنِ، بأنْ قالَ الوَكيلُ: بِعتُ وقَبَضتُ الثَّمنَ، فتَلِفَ، وأنْ يَقولَ المُوكِّلُ: لَم تَبِعْ، ولَم تَقبِضْ، ولَم تُقبِضْ شَيئًا، هَلِ القَولُ قَولُ الوَكيلِ أم المُوكِّلِ؟

فَذهَب الحَنفيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ إلى أنَّه يُقبَلُ قَولُ الوَكيلِ على تَفصيلٍ عندَهم.

قالَ الحَنفيَّةُ: الوَكيلُ ببَيعِ الشَّيءِ إذا قالَ: بِعتُ وقَبَضتُ الثَّمنَ وهَلَكَ، فهذا على وَجهَيْنِ:

(١) «مغني المحتاج» (٣/ ٢٢٢، ٢٢٣)، و «المهذب» (١/ ٣٥٨)، و «البيان» (٦/ ٤٦٦)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٥٣٥)، و «العباب» (٦٩٦)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٢٦٦)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٦٨)، و «كنز الراغبين» (٢/ ٨٧٦)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٦٨)، و «الديباج» (٢/ ٣٢٨).
(٢) «العباب» (٦٩٦).

أمَّا إنْ كانَ المُوكِّلُ سلَّمَ المَبيعَ إلى الوَكيلِ، أو كانَ لَم يُسلِّمْ إليه، فَإنْ لَم يَكُنْ سلَّمَ المَبيعَ إليه فقالَ الوَكيلُ: بِعتُه مِنْ هذا الرَّجلِ وقَبَضتُ مِنه الثَّمنَ وهَلكَ الثَّمنُ في يَدي، أو قالَ: دَفَعتُه إلى المُوكِّلِ، فهذا لا يَخلو إمَّا أنْ يُصَدِّقَه في ذلك وإمَّا أنْ يُكَذِّبَه؛ فَإنْ كذَّبه بالبَيعِ أو صدَّقه بالبَيعِ وكذَّبه في قَبضِ الثَّمنِ، أو صدَّقه فيهِما وكذَّبه في الهَلاكِ؛ فَإنْ صدَّقه في ذلك كلِّه يَهلِكُ الثَّمنُ مِنْ مالِ المُوكِّلِ، ولا شَيءَ على الوَكيلِ؛ لأنَّه يَهلِكُ أمانةً في يَدِه.

وإنْ كذَّبه في ذلك كلِّه بأنْ كذَّبه بالبَيعِ، أو صدَّقه بالبَيعِ وكذَّبه في قَبضِ الثَّمنِ؛ فإنَّ الوَكيلَ يُصدَّقُ في البَيعِ، ولا يُصدَّقُ في قَبضِ الثَّمنِ في حَقِّ المُوكِّلِ؛ لأنَّ إقرارَ الوَكيلِ في حَقِّ نَفْسِه جائِزٌ عليه، والمُشتَرِي بالخيارِ، إنْ شاءَ نقَد الثَّمنَ ثانيةً إلى المُوكِّلِ، وأخَذَ مِنه المَبيعَ، وإنْ شاءَ فسَخ البَيعَ، وله أنْ يَرجِعَ في الحالَتَيْنِ جَميعًا على الوَكيلِ بما نقَده.

ولو أقَرَّ الوَكيلُ بالبَيعِ، وزَعَمَ أنَّ المُوكِّلَ قبَض مِنْ المُشتَرِي الثَّمنَ وأنكَرَ المُوكِّلُ ذلك؛ فإنَّ الوَكيلَ يُصدَّقُ في البَيعِ ولا يُصدَّقُ في إقرارِه على المُوكِّلِ بالقَبضِ، ويُخيَّرُ المُشتَرِي على ما ذَكَرْنا، إلَّا أنَّه هُناكَ لا يَرجِعُ على الوَكيلِ بشَيءٍ؛ لأنَّه لَم يُوجَدْ مِنه الإقرارُ بقَبضِ الثَّمنِ.

وإنْ صدَّقه المُوكِّلُ في البَيعِ وقبَض الثَّمنَ وكذَّبه في الهَلاكِ أوِ الدَّفْعِ إليه فالقَولُ قَولُ الوَكيلِ في دَعْوَى الهَلاكِ أوِ الدَّفْعِ إليه، مَع يَمينهِ؛ لأنَّه أمينٌ، ويُجبَرُ المُوكِّلُ على تَسليمِ المَبيعِ إلى المُشتَرِي؛ لأنَّه ثَبَتَ البَيعُ وقبَض

الثَّمنَ بتَصديقِه إيَّاه، ولا يُؤمَرُ المُشتَرِي بنَقدِ الثَّمنِ ثانيةً إلى المُوكِّلِ؛ لأنَّه ثَبَتَ وُصولُ الثَّمنِ إلى يَدِ وَكيلِه بتَصديقِه، ووُصولُ الثَّمنِ إلى يَدِ وَكيلِه كَوُصولِه إلى يَدِه.

هذا إذا لَم يَكُنِ المَبيعُ مُسلَّمًا إلى الوَكيلِ، فأمَّا إذا كانَ مُسلَّمًا إليه فقالَ الوَكيلُ: بِعتُه مِنْ هذا الرَّجلِ، وقَبَضتُ مِنه الثَّمنَ فهَلكَ عِندي، أو قالَ: دَفَعتُه إلى المُوكِّلِ، أو قالَ: قبَض المُوكِّلُ الثَّمنَ مِنْ المُشتَرِي؛ فإنَّ الوَكيلَ يُصدَّقُ في ذلك كلِّه، ويُسلَّمُ المَبيعُ إلى المُشتَرِي ويَبرَأُ المُشتَرِي مِنْ الثَّمنِ، ولا يَمينَ عليه.

أمَّا إذا صدَّقه المُوكِّلُ في ذلك كلِّه فلا يُشكِلُ، وكذا إذا كذَّبه في البَيعِ أو صدَّقه فيه وكذَّبه في قَبضِ الثَّمنِ؛ لأنَّ الوَكيلَ أقَرَّ ببَراءةِ المُشتَرِي عن الثَّمنِ فلا يَحلِفُ، ويَحلِفُ الوَكيلُ؛ فَإنْ حلَف على ما يَدَّعيه بَرِئَ مِنْ الثَّمنِ، وإنْ نَكَلَ عن اليَمينِ لَزِمَه ضَمانُ الثَّمنِ لِلمُوكِّلِ.

فَإنِ استَحقَّ المَبيعَ بعدَ ذلك مِنْ يَدِ المُشتَرِي؛ فإنَّه يَرجِعُ بالثَّمنِ على الوَكيلِ إذا أقَرَّ بقَبضِ الثَّمنِ مِنه، والوَكيلُ لا يَرجِعُ على المُوكِّلِ بما ضَمِن مِنْ الثَّمنِ لِلمُشتَرِي؛ لأنَّ المُوكِّلَ لَم يُصَدِّقْه على قَبضِ الثَّمنِ، فإقرارُ الوَكيلِ في حَقِّه جائِزٌ، ولا يَجوزُ في حَقِّه الرُّجوعُ على المُوكِّلِ، وله أنْ يَحلِفَ المُوكِّلُ على العِلمِ بقَبضِ الوَكيلِ، فإنْ نَكَلَ رجَع عليه بما ضَمِن.

ولو أقَرَّ المُوكِّلُ بقَبضِ الوَكيلِ الثَّمنَ لكنَّه كذَّبه في الهَلاكِ أوِ الدَّفعِ إليه، فإنَّ الوَكيلَ يَرجِعُ بما ضَمِن عليه؛ لأنَّ يَدَ وَكيلِه كَيَدِه، ولو كانَ الوَكيلُ

لَم يُقِرَّ بقَبضِ الثَّمنِ بنَفْسِه، ولكنَّه أقَرَّ أنَّ المُوكِّلَ قَبَضَه مِنْ المُشتَريِ، لا يَرجِعُ المُشتَرِي على الوَكيلِ؛ لأنَّه لَم يَقبِضْ مِنه الثَّمنَ، ولا يَرجِعُ على المُوكِّلِ أيضًا؛ لأنَّ إقرارَهُما على المُوكِّلِ لا يَجوزُ.

ولو لَم يَستحقَّ المَبيعَ، ولكنَّه وجَد به عَيبًا، كانَ له أنْ يُخاصِمَ الوَكيلَ؛ فإذا رَدَّ عليه بقَضاءِ القاضي رجَع عليه بالثَّمنِ، إنْ أقَرَّ بقَبضِ الثَّمنِ مِنه، ولِلوَكيلِ أنْ يَرجِعَ على المُوكِّلِ بما ضَمِن، إذا أقَرَّ المُوكِّلُ بقَبضِ الوَكيلِ الثَّمنَ، ويَكونُ المَبيعُ لِلمُوكِّلِ، وإنْ لَم يُقِرَّ المُوكِّلُ بقَبضِ الوَكيلِ الثَّمنَ لا يَرجِعُ الوَكيلُ بما ضَمِن على المُوكِّلِ، وله أنْ يَحلِفَ المُوكِّلُ على العِلمِ بقَبضِه، فإنْ نَكَلَ رجَع عليه، وإنْ حلَف لا يَرجِعُ، ولكنَّه يَبيعُ المَبيعَ فيَستَوفي ما ضَمِن مِنْ ثَمَنِ المَبيعِ؛ فإنْ كانَ فيه فَضلٌ رَدَّه على المُوكِّلِ، وإنْ كانَ فيه نُقصانٌ لا يَرجِعُ بالنُّقصانِ على أحَدٍ.

ولو كانَ الوَكيلُ لَم يُقِرَّ بقَبضِ الثَّمنِ بنَفْسِه، ولكنَّه أقَرَّ بقَبضِ المُوكِّلِ، لا يَرجِعُ المُشتَرِي بالثَّمنِ على الوَكيلِ؛ لأنَّه لَم يَدفَعْه إليه، ولا يَرجِعُ على المُوكِّلِ أيضًا؛ لأنَّهما لا يُصدَّقانِ عليه بالقَبضِ، وعلى المُوكِّلِ اليَمينُ على البَتَاتِ، فإنْ نَكَلَ رجَع عليه، والمَبيعُ له، وإنْ حلَف لا يَرجِعُ عليه بشَيءٍ، ولكنَّ المَبيعَ يُباعُ عليه.

وذكَر الطَّحاويُّ أنَّ الوَكيلَ يَبيعُه في قَولِ أبي يُوسفَ ومُحمَّدٍ، وفي قَولِ أبي حَنيفةَ رحمة الله عليه لا يَبيعُه، وجعَل هذا كَبَيعِ مالِ المَدِينِ المُفلِسِ، ولكنَّ الوَكيلَ لو باعَه يَجوزُ بَيعُهُ؛ لأنَّه لمَّا رَدَّ عليه فَسَخًا عادَتِ الوَكالةُ؛ فإذا بِيعَ

المَبيعُ يَستَوفي المُشتَرِي الثَّمنَ مِنه، إنْ أقَرَّ الوَكيلُ بقَبضِ المُوكِّلِ، ولَم يُقِرَّ بقَبضِ نَفْسِه، وإنْ أقَرَّ بقَبضِ الثَّمنِ وضَمِن المُشتَرِي يَأخُذُ مِنْ الثَّمنِ مِقدارَ ما غُرِّمَ؛ فإنْ كانَ فيه فَضلٌ رَدَّه على المُوكِّلِ، وإنْ كانَ فيه نُقصانٌ لا يُرجَعُ على أحَدٍ (١).

وقالَ المالِكيَّةُ: إذا قالَ الوَكيلُ تصرَّفتُ كما أذِنتَ لي مِنْ بَيعٍ أو غيرِه، فقالَ المُوكِّلُ: لَم تَتصرَّفْ كما أذِنتُ، صُدِّقَ الوَكيلِ؛ لأنَّه أمينٌ ويَلزَمُ الآمِرَ ذاكَ التَصرُّفُ مِنْ بَيعٍ أو غيرِه؛ لِإقرارِه بالوَكالةِ، وكَذلك لو ادَّعى تَلَفَ رَأْسِ المالِ صُدِّقَ؛ لأنَّ الأصلَ عَدمُ شَغْلِ ذِمَّتِه بالضَّمانِ، وكَذلك لو ادَّعى رَدَّ المالِ، سَواءٌ كانَ بجُعلٍ أو لا.

وكَذلك قَولُه: قَبَضتُ الثَّمنَ وتَلِفَ، كانَ القَولُ قوله؛ لأنَّه يَنبَغي دَفعُ الضَّمانِ عن نَفْسِه إنْ ثَبَتَ القَبضُ ببيِّنةٍ، أو صدَّقه المُوكِّلُ فيه، وإلَّا لَم يَبرَأِ الغَريمُ مِنْ الدَّيْنِ إلَّا أنْ يَكونَ القابِضُ وَكيلًا مُفَوَّضًا أو وَصِيًّا، فيَبرَأَ باعتِرافِه مِنْ غيرِ بيِّنةٍ، بخِلافِ الوَكيلِ المَخصوصِ، وفي كِلَا الوَجهَيْنِ لا غُرْمَ على الوَكيلِ (٢).

وقالَ الشَّافِعيَّةُ: إذا وكَّله في بَيعٍ أو هِبةٍ أو صُلحٍ أو طَلاقٍ أو إعتاقٍ أو إبراءٍ فقالَ: تصرَّفتُ كما أذِنتَ، وقالَ المُوكِّلُ: لَم تَتصرَّفْ بعدَ نَظَرٍ، إنْ جَرى هذا الِاختِلافُ بعدَ انعِزالِ الوَكيلِ لَم يُقبَلْ قَولُه إلَّا ببيِّنةٍ؛ لأنَّه غيرُ

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ٣٦)، و «المبسوط» (١٢/ ٢١٥).
(٢) «عقد الجواهر الثمينة في مذهب عالم المدينة» (٢/ ٨٣٣)، و «الذخيرة» (٨/ ١٧).

مالِكٍ لِلتَصرُّفِ حينَئذٍ، قالَ النَّوَويُّ: وإنْ جَرى قبلَ الِانعِزالِ فهَلِ القَولُ قَولُ المُوكِّلِ أو الوَكيلِ؟ قَولانِ: أظهَرَهُما عندَ الأكثَرينَ: هو قَولُ المُوكِّلِ، وهو نَصُّه في مَواضِعَ.

وقيلَ: ما يَستَقِلُّ به الوَكيلُ، كالطَّلاقِ والإعتاقِ والإبراءِ يُقبَلُ قَولُه فيه بيَمينِه، وما لا، كالبَيعِ، فلا.

ولو صدَّق المُوكِّلُ الوَكيلَ في البَيعِ ونحوِه، لكنْ قالَ: عَزلتُكَ قبلَ التَصرُّفِ، وقالَ الوَكيلُ: بَلْ بعدَ التَصرُّفِ، فهو كما لو قالَ الزَّوجُ: راجَعتُكِ قبلَ انقِضاءِ العِدَّةِ، فقالَتِ: انقَضَتْ عِدَّتي قبلَ الرَّجعةِ.

ولو قالَ المُوكِّلُ: باعَ الوَكيلُ، فقالَ: لَم أبِعْ، فإنْ صدَّق المُشتَرِي المُوكِّلَ حُكِمَ بانتِقالِ المِلْكِ إليه، وإلَّا فالقَولُ قَولُه.

ولو وكَّله في البَيعِ وقبَض الثَّمنَ، أو في البَيعِ مُطلَقًا، وجَوَّزْنا له قَبْضَ الثَّمنِ، فاتَّفقَا على البَيعِ، واختَلفَا في قَبضِ الثَّمنِ، فقالَ الوَكيلُ: قَبَضتُه وتَلِفَ في يَدي، أو دَفَعتُه إلَيكَ، وأنكَرَ المُوكِّلُ، ففي المُصدَّقِ مِنهُما طَريقانِ:

أحَدُهما: على الخِلافِ السَّابِقِ في البَيعِ ونحوِه.

وَأصَحُّهُما: أنَّهما إنِ اختَلَفا قبلَ تَسليمِ المَبيعِ فالقَولُ قَولُ المُوكِّلِ، وإنْ كانَ بعدَ تَسليمِه فوَجهانِ:

أحَدُهما: قَولُ المُوكِّلِ.

وَأصَحُّهُما: قَولُ الوَكيلِ، وبِه قالَ ابنُ الحَدَّادِ؛ لأنَّ المُوكِّلَ يَدَّعِي تَقصيرَه وخيانَتَه بالتَّسليمِ بلا قَبضٍ، والأصْلُ عَدمُه، وهذا التَّفصيلُ فيما إذا أَذِنَ في البَيعِ مُطلَقًا.

فَإذا أَذِنَ في التَّسليمِ قبلَ قَبضِ الثَّمنِ، أو في البَيعِ بمُؤجَّلٍ، وفي القَبضِ بعدَ الأجَلِ، لَم يَكُنْ خائِنًا بالتَّسليمِ بلا قَبْضٍ، كالِاختِلافِ قبلَ التَّسليمِ؛ فإذا صَدَّقنا الوَكيلَ فحلَف ففي بَراءةِ المُشتَرِي وَجهانِ:

أصَحُّهُما عندَ الإمامِ: يَبرَأُ.

وَأصَحُّهُما عندَ البَغَويِّ: لا.

فَعلَى الأوَل إذا حلَف وأُبْرِئَ المُشتَرِي ثم وجَد المُشتَرِي بالمَبيعِ عَيبًا، فإنْ رَدَّه على المُوكِّلِ وغرَّمه الثَّمنَ لَم يَكُنْ له الرُّجوعُ على الوَكيلِ؛ لِاعتِرافِه بأنَّ الوَكيلَ لَم يَأخُذْ شَيئًا، وإنْ رَدَّه على الوَكيلِ وغرَّمه لَم يَرجِعْ على المُوكِّلِ، والقَولُ قَولُه بيَمينِه أنَّه لَم يَأخُذْ مِنه شَيئًا، ولا يَلزَمُ مِنْ تَصديقِنا لِلوَكيلِ في الدَّفعِ عن نَفْسِه بيَمينِه أنْ نُثبِتَ بها حَقًّا على غيرِه.

ولو خرَج المَبيعُ مُستحَقًّا رجَع المُشتَرِي بالثَّمنِ على الوَكيلِ؛ لأنَّه دفَعه إليه، ولا رُجوعَ له على المُوكِّلِ، لِمَا سبَق (١).

(١) «روضة الطالبين» (٣/ ٥٣٤)، و «الشرح الكبير» (٥/ ٢٦٤)، و «الحاوي الكبير» (٦/ ٥٣٣)، و «التنبيه» (١١٠) «مغني المحتاج» (٣/ ٢٢١)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٦٨)، و «كنز الراغبين» (٢/ ٨٧٥، ٨٧٦)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٦٩، ٧٠)، و «الديباج» (٢/ ٣٢٨).

وأمَّا الحَنابِلةُ؛ فقالَ منهم ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: الحالُ الثَّالثةُ أنْ يَختلِفا في التَصرُّفِ فيَقولَ الوَكيلُ: بِعتُ الثَّوبَ وقَبَضتُ الثَّمنَ، فتَلِفَ، فيَقولَ المُوكِّلُ: لَم تَبِعْ، ولَم تَقبِضْ، أو يَقولَ: بِعتَ ولَم تَقبِضْ شَيئًا، فالقَولُ قَولُ الوَكيلِ، ذكَره ابنُ حامِدٍ، وهو قَولُ أصحابِ الرَّأْيِ؛ لأنَّه يَملِكُ البَيعَ والقَبضَ، فيُقبَلُ قَولُه فيهِما، كما يُقبَلُ قَولُ وَليِّ المَرأةِ المُجبَرةِ على النِّكاحِ في تَزويجِها.

ويُحتمَلُ ألَّا يُقبَلَ قَولُه، وهو أحَدُ القولَيْنِ لِأصحابِ الشَّافِعيِّ؛ لأنَّه يُقِرُّ بحَقٍّ لِغيرِه على مُوكِّلِه، فلَم يُقبَلْ، كما لو أقَرَّ بدَيْنٍ عليه.

وإنْ وُكِّلَ في شِراءِ عَبدٍ فاشتَراه واختَلَفا في قَدْرِ ما اشتَراه به، فقالَ: اشترَيتُه بألْفٍ، وقالَ: بَلِ اشترَيتَه بخَمسِمِئةٍ، فالقَولُ قَولُ الوَكيلِ؛ لِمَا ذَكَرناه.

وقالَ القاضي رحمة الله عليه: القَولُ قَولُ المُوكِّلِ، إلَّا أنْ يَكونُ عيَّنَ له الشِّراءَ بما ادَّعاه، فقالَ: اشتَرِ لي عَبدًا بألْفٍ، فادَّعى الوَكيلُ أنَّه اشتَراه بذلك، فالقَولُ قَولُ الوَكيلِ إذًا، وإلَّا فالقَولُ قَولُ المُوكِّلِ؛ لأنَّ مَنْ كانَ القَولُ قوله في أصْلِ شَيءٍ كانَ القَولُ قوله في صِفَتِه، ولِلشَّافِعيِّ قَولانِ كَهَذَيْنِ الوَجهَيْنِ.

وقالَ أبو حَنيفةَ: إنْ كانَ الشِّراءُ في الذِّمةِ فالقَولُ قَولُ المُوكِّلِ؛ لأنَّه غارِمٌ مُطالَبٌ بالثَّمنِ، وإنِ اشترَى بعَينِ المالِ، فالقَولُ قَولُ الوَكيلِ، لِكَونِه الغارِمَ؛ فإنَّه يُطالِبُه بَرَدِّ ما زادَ على الخَمسمِئةِ.

ولَنا: أنَّهما اختَلَفا في تَصرُّفِ الوَكيلِ، فكانَ القَولُ قوله، كما لو اختَلَفا

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الوكالة
٨٤١ - مسألة؛ قال: (وليس للوكيل أن يوكل فيما وكل فيه، إلا أن يجعل ذلك إليه)

يَقْتَضِى اجْتِمَاعَهُما على فِعْلِه، وهو ممَّا يُمْكِنُ، فتَعَلَّقَ بهما. وفارَقَ هذا قولَه: بِعْتُكُما. حيث كان منْقَسِمًا بينهما؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ كونُ المِلْكِ لهما على الاجْتِماعِ، فانْقَسَمَ بينهما. فإن غابَ أحدُ الوَكِيلَيْنِ، لم يكُنْ للآخَرِ أن يَتَصَرَّفَ، ولا لِلْحاكِم ضَمُّ أمِينٍ إليه لِيَتَصَرَّفا؛ لأنَّ المُوَكِّلَ رَشِيدٌ جائِزُ التَّصَرُّفِ، لا وِلايَةَ لِلْحَاكِم عليه، فلا يَضُمُّ الحاكِمُ وَكِيلًا له بغيرِ أمْرِه. وفارَقَ ما لو ماتَ أحدُ الوَصِيَّيْنِ، حيث يُضِيفُ الحاكِمُ إلى الوَصِىِّ أمِينًا لِيَتَصَرَّفَا ؛ لِكَوْنِ الحاكِم له النَّظَرُ في حَقِّ المَيِّتِ واليَتِيمِ، ولهذا لو لم يُوص إلى أحَدٍ، أقَامَ الحاكِمُ أمِينًا في النَّظَرِ لِلْيَتِيمِ. وإن حَضَرَ الحاكِمَ أحَدُ الوَكِيلَيْنِ، والآخَرُ غائِبٌ، وادَّعَى الوَكالَةَ لهما، وأقَامَ بَيِّنَةً سَمِعَها الحاكِمُ، وحَكَمَ بِثُبُوتِ الوَكَالَةِ لهما، ولم يَمْلِك الحاضِرُ التَّصَرُّفَ وَحْدَه، فإذا حَضَرَ الآخَرُ تَصَرَّفَا معا، ولا يَحْتاجُ إلى إِعادَةِ البَيِّنَةِ؛ لأنَّ الحاكِمَ سَمِعَها لهما مَرَّةً. فإن قِيل: هذا حُكْمٌ للغائِبِ. قُلْنا: يجوزُ تَبَعًا لِحَقِّ الحاضِرِ، كما يجوزُ أن يَحْكُمَ بالوَقْفِ الذي يَثْبُتُ لمن لم يُخْلَقْ لأَجْلِ من يَسْتَحِقُّه في الحالِ، كذا ههُنا. وإن جَحَدَ الغائِبُ الوَكالةَ، أو عَزَلَ نَفْسَه، لم يكُنْ للآخَرِ أن يَتَصَرَّفَ. وبما ذَكَرْناه قال أبو حنيفةَ، والشَّافِعِىُّ. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا. وجَمِيعُ التَّصَرُّفاتِ في هذا سَوَاءٌ. وقال أبو حنيفةَ: إذا وَكَّلَهما في خُصُومَةٍ، فلكلِّ واحد منهما الانْفِرَادُ بها. ولَنا، أنَّه لم يَرْضَ بِتَصَرُّفِ أحَدِهِما، أشْبَه البَيْعَ والشِّرَاءَ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 526 - 533

ارجع إلى يد الوكيل للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر