الإسلام > الصلاة > الصلاة في السفر > القصر في سفر المعصية
آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08
📖 10 دقيقة قراءةلزَوجِها، فإنَّها تَصيرُ مُسافِرةً بنيَّةِ زَوجِها، وكذلك مَنْ لزِمَه طاعَةُ غيرِه، كالسُّلطانِ وأميرِ الجَيشِ؛ فإنَّه يَصيرُ مُسافِرًا بنيَّةِ مَنْ لزِمَته طَاعَتُه؛ لأنَّ حُكمَ التَّبعِ حكمُ الأصلِ، وهذا مَذهبُ الحَنفيةِ والحَنابلَةِ (١).
أمَّا الشافِعيةُ فقالوا: لو تبِعَت الزَّوجُة زَوجَها، أو الجُندِيُّ قائِدَه في السَّفرِ، ولا يَعرفُ كلُّ واحدٍ منهم مَقصدَه، فلا قَصرَ لهم؛ لأنَّ الشَّرطَ -وهو قَصدُ مَوضعٍ مُعيَّنٍ- لم يَتحقَّقْ، وهذا قبلَ بُلوغِهم مَسافَةَ القَصرِ، فإن قَطَعُوها قَصَروا.
فلو نَوتِ الزَّوجُة دونَ زَوجِها، أوِ الجُندِيُّ دونَ قائِدِه مَسافَةَ القَصرِ، أو جهِلَا الحالَ، قصَرَ الجُندِيُّ غيرُ المُثبَتِ في الدِّيوانِ دونَ الزَّوجةِ؛ لأنَّ الجُندِيَّ حينَئذٍ ليسَ تحتَ يَدِ الأميرِ وقَهرِه، بخِلافِ الزَّوجةِ؛ فنيَّتُها كالعدمِ، أمَّا الجُندِيُّ المُثبَتُ في الدِّيوانِ فلا يَقصُرُ؛ لأنَّه تحتَ يدِ الأميرِ، ومِثلُه الجَيشُ؛ إذ لو قيلَ بأنَّه ليسَ تحتَ يَدِ الأميرِ وقَهرِه كالآحادِ، لَعظُمَ الفَسادُ (٢).
القَصرُ في سَفرِ المَعصيةِ:
ويُشتَرطُ عندَ جُمهورِ الفُقهاءِ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلَةِ في السَّفرِ الذي تُقصَرُ فيه الصَّلاةُ ألَّا يَكونَ سَفرَ مَعصيةٍ، فلا يَقصُرُ عاصٍ بسَفرِه، كأنْ خرَجَ لقَطعِ الطَّريقِ، أو لِقِتالِ المسلِمينَ ظُلمًا، أو كانَ تاجِرًا في الخَمرِ
(١) «بدائع الصنائع» (١/ ٩٤)، و «كشاف القناع» (١/ ٣٢٥).
(٢) «مغني المحتاج» (١/ ٢٦٨)، و «الإقناع» للشِّربيني (١/ ١٧٣)، و «نهاية المحتاج» (٢/ ٢٦٢)، و «المجموع» (٥/ ٤٣٦).
والمُحَرماتِ، أو كانَ امرأةً ناشِزةً مِنْ زَوجِها، أو مُتغيِّبًا عن غَريمِه، مع قُدرَتِه على قَضاءِ دَينِه، ونحوَ ذلك، فلا يَجوزُ له أن يَترخَّصَ بالقَصرِ ولا بغيرِه مِنْ رُخَصِ السَّفرِ؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٧٣]؛ فأباحَ الأكلَ لمَن لم يَكنْ عادِيًا ولا باغِيًا، فلا يُباحُ لِباغٍ ولا عادٍ، قالَ ابنُ عَباسٍ: غيرَ باغٍ على المسلِمينَ، مُفارِقٍ لِجَماعتِهم، يُخيفُ السَّبيلَ، ولا عادَ عليهم؛ ولأنَّ التَّرخُّصَ شُرعَ لِلإعانةِ على تَحصيلِ المَقصِدِ المُباحِ تَوصُّلًا إلى المَصلَحةِ، فلو شُرعَ ههنا لَشُرعَ إعانَةً على المُحَرمِ تَحصيلًا للمَفسَدةِ، والشَّرعُ مُنَزَّهٌ عن هذا، والنُّصوصُ وَرَدت في حقِّ الصَّحابةِ، وكانَت أسفارُهم مُباحةً، فلا يثبُتُ الحكمُ فيمَن سَفرُه مُخالِفٌ لِسَفرِهم.
فإن قصَرَ العاصي بسَفرِه فعندَ المالِكيةِ لا يُعيدُ الصَّلاةَ، على الأصوَبِ، وإن أثِمَ بعِصيانِه.
ومَن أنشَأَ السَّفرَ عاصِيًا به، ثم تابَ في أَثنائِه، فعندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ في الصَّحيحِ والحَنابلَةِ: يَقصُرُ إن كانَ ما بقِيَ مِنْ السَّفرِ مَسافَةَ القَصرِ.
ولو سافَرَ سَفرًا مُباحًا ثم قصدَ بسَفرِه المَعصيةَ قبلَ تَمامِ سَفرِه، انقطَعَ التَّرخُّصُ؛ فلا يَقصُرُ مِنْ حينِ نَوى المَعصيةَ؛ لأنَّ سَفرَ المَعصيةِ يُنافِي التَّرخُّصَ، وهذا عندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ في الأصَحِّ والحَنابلَةِ، والقولِ الثاني لِلشافِعيَّةِ: أنَّه يَترخَّصُ بالقَصرِ وغيرِه؛ لأنَّ السَّفرَ انعَقدَ مُباحًا، فلا يتغيَّرُ العاصي في سَفرِه، وهو مَنْ خرَجَ في سَفرٍ مُباحٍ، وقَصدٍ صَحيحٍ، ثم
ارتَكبَ مَعاصيَ في طَريقِه، كشُربِ الخَمرِ وغيرِه، فله التَّرخُّصُ بالقَصرِ وغيرِه، بلا خِلافٍ عندَ المالِكيةِ والشافِعيةِ والحَنابلَةِ؛ لأنَّه ليسَ مَمنوعًا مِنْ السَّفرِ، وإنَّما يُمنَعُ مِنْ المَعصيةِ، بخِلافِ العاصي بسَفرِه (١).
أمَّا الحَنفيةُ فلم يَشتَرطوا أن يَكونَ السَّفرُ مُباحًا، بل أَجازوا القَصرَ في سَفرِ المَعصيةِ أيضًا.
قالَ الإمامُ عَلاءُ الدِّينِ السَّمرقَنديُّ رحمة الله عليه: ثم الرُّخصةُ، وهي قَصرُ الصَّلاةِ وغيرِه، تَثبُتُ بمُطلَقِ السَّفرِ، سَواءٌ كانَ سَفرَ طاعَةٍ كالجِهادِ والحَجِّ، أو سَفرًا مُباحًا كالخُروجِ إلى التِّجارةِ، أو سَفرَ مَعصيةٍ كالخُروجِ لقَطعِ الطَّريقِ ونحوِه، وهذا عندَنا (٢).
وقالوا: ولأنَّ النُّصوصَ التي ورَدَت لم تُوجِبِ الفَصلَ بينَ مُسافِرٍ ومُسافِرٍ، ومِن هذه النُّصوصِ قولُه تَعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [البقرة: ١٨٤]، وقولُه تَعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: ١٣٩]، وقولُ علِيٍّ رضي الله عنه: «جعَلَ رَسولُ اللهِ ﷺ ثَلاثةَ أيَّامٍ ولَياليَهنَّ للمُسافرِ، ويَومًا ولَيلةً للمُقيمِ» (٣)، مِنْ غيرِ فَصلٍ بينَ سَفرٍ وسَفرٍ؛ فوجَبَ
(١) «الشرح الكبير مع حاشِية الدسوقي» (١/ ٣٥٨)، و «الذَّخيرة» (٢/ ٣٦٧)، و «بداية المجتهد» (١/ ٢٣٨)، و «الشرح الصغير» (١/ ٣١٣)، و «المجموع» (٥/ ٤٤٥، ٤٤٧)، و «أسنى المطالب» (٢٣٧١)، و «الحاوي الكبير» (٢/ ٣٥٨)، و «المغني» (٢/ ٤٨٥، ٤٨٧)، و «الإنصاف» (٢/ ٣١٤، ٣١٥)، و «الإفصاح» (١/ ٢٢٠).
(٢) «تحفة الفُقَهاء» (١/ ٢٥٥).
(٣) حَديثٌ صَحيحٌ: تَقدَّمَ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الصلاة)
(باب صلاة المسافر والجمع في السفر)
(بَابُ صَلَاةِ الْمُسَافِرِ وَالْجَمْعِ فِي السَّفَرِ)
(مَسْأَلَةٌ)
: قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا سَافَرَ الرَّجُلُ سَفَرًا يَكُونُ سِتَّةً وَأَرْبَعِينَ ميلاً بالهاشمي فله أن يقصر الصلاة سافر رسول الله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أميالاً فقصر وقال ابن عباس أقصر إلى جدة وإلى الطائف وعسفان. قال الشافعي وأقرب ذلك إلى مكة ستة وأربعون ميلاً بالهاشمي وسافر ابن عمر إلى ريم فقصر قال مالك وذلك نحو من أربعة برذ "
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، جُمْلَةُ الْأَسْفَارِ عَلَى أربع أَضْرُبٍ، وَاجِبٌ، وَطَاعَةٌ، وَمُبَاحٌ وَمَعْصِيَةٌ
فَالسَّفَرُ الْوَاجِبُ كَالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَالْجِهَادِ وَالطَّاعَةِ، وَالسَّفَرِ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَزِيَارَةِ الْوَالِدَيْنِ
وَالْمُبَاحُ سَفَرُ التِّجَارَةِ
وَالْمَعْصِيَةُ السَّفَرُ فِي قَطْعِ الطَّرِيقِ وَإِخَافَةِ السُّبُلِ
فَأَمَّا سَفَرُ الْمَعْصِيَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْصُرَ فِيهِ وَلَا يُفْطِرَ، وَالْكَلَامُ فِيهِ يَأْتِي فِيمَا بَعْدُ
ارجع إلى الصلاة في السفر للاطلاع على جميع المسائل.