شرائط القصر

الإسلام > الصلاة > الصلاة في السفر > شرائط القصر

آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08

📖 11 دقيقة قراءة

شرائط القصر - الأقوال والأدلة

قالَ الإمامُ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: وفي إِجماعِ الجُمهورِ مِنْ الفُقهاءِ على أنَّ المُسافِرَ إذا دخَلَ في صَلاةِ المُقيمِينَ فأدرَكَ منها رَكعةً أنَّه يَلزمُه أربَعٌ، دَليلٌ واضِحٌ على أنَّ القَصرَ رُخصةٌ؛ إذ لو كانَ فَرضُه رَكعَتينِ لم يَلزمْه أربَعٌ بحالٍ، ورَوى بإِسنادِه عن عَطاءٍ عن عائشةَ: «أَنَّ رَسولَ اللهِ كانَ يُتمُّ في السَّفرِ وَيَقصُرُ» (١).

ثم إنَّ جُمهورَ الفُقهاءِ المالِكيةَ والشافِعيةَ والحَنابلَةَ يَرَونَ أنَّ القَصرَ أفضَلُ مِنْ الإِتمامِ، أمَّا الحَنفيةُ فإنَّ هذا (أي: القَصرَ) هو الأصلُ عندَهم (٢).

شَرائطُ القَصرِ:

يَقصُرُ المُسافِرُ الصَّلاةَ الرُّباعِيَّةَ إلى رَكعَتينِ إذا تَوافَرتِ الشَّرائطُ الآتيةُ:

الأُولى: نيَّةُ السَّفرِ: وهي شَرطٌ عندَ جَميعِ الفُقهاءِ كما سبَقَ.

قالَ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفَقُوا على أنَّه إذا سافَرَ لا يَقصِدُ جِهةً مُعيَّنةً أنَّه لا يُرخَّصُ، إلا ما حُكيَ عن أَبي حَنيفةَ أنَّه إذا كانَ على هذه الحالِ، ثم سارَ مَسيرةَ ثَلاثةِ أيَّامٍ يَقصُرُ الصَّلاةَ بعدَ ذلك (٣).

(١) رواه ابن أبي شيبة في «المُصنَّف» (٢/ ٢٠٦)، والدَّارقطنيُّ (٦/ ١٨٩)، وقالَ: إسنادُه صَحيحٌ. وقال شَيخُ الإسلام: هو كَذبٌ على رَسولِ اللهِ . «الفتاوى» (٢٤/ ١٥٣)، و «الإرواء» (٣/ ٣، ٩).
(٢) «التَّمهيد» (١٦/ ٣١١)، و «معاني الآثار» (١/ ٣٠٦)، و «الشرح الصغير» (١/ ٣١١)، و «بداية المجتهد» (١/ ٢٣٧)، و «المجموع» (٥/ ٤٣٨، ٤٤٠)، و «المغني» (٢/ ٤٩٥)، و «الإنصاف» (٢/ ٣٢١، ٣٢٢)، و «الإفصاح» (١/ ٢١٩).
(٣) «الإفصاح» (١/ ٢٢١).

وقالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: لأنَّ السَّيرَ قد يَكونُ سَفرًا، وقد لا يَكونُ؛ لأنَّ الإِنسانَ قد يَخرجُ مِنْ مِصرِه إلى مَوضعٍ لِإصلاحِ الضَّيعةِ ثم تَبدُو له حاجَةٌ أُخرى إلى المُجاوَزةِ عنه إلى مَوضعٍ آخرَ، ليسَ بينَهما مدَّةُ سَفرٍ ثم وثم، إلى أن يَقطعَ مَسافةً بَعيدةً أكثرَ مِنْ مدَّةِ السَّفرِ، لا لقَصدِ السَّفرِ، فلا بدَّ مِنْ النِّيةِ للتَّميزِ (١).

وقالَ في «شَرح فَتحِ القَديرِ»: لو طافَ الدُّنيا مِنْ غيرِ قَصدٍ إلى قَطعِ مَسيرةِ ثَلاثةِ أيَّامٍ، لا يَترخَّصُ، وعلى هذا قالوا: أميرٌ خرَجَ مع جَيشِه في طلَبِ العَدوِّ، ولم يَعلَمْ أينَ يُدرِكُهم؛ فإنَّهم يُصلُّونَ صَلاةَ الإِقامةِ في الذَّهابِ، وإن طالَتِ المدَّةُ، وكذلك المُكثُ في ذلك المَوضِعِ، أمَّا في الرُّجوعِ فإن كانَ مدَّةَ سَفرٍ قَصَروا (٢).

وقالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: الاعتِبارُ بالنِّيةِ، لا بالفِعلِ، فيُعتبَرُ أن يَنوِيَ مَسافةً تُبيحُ القَصرَ، فلو خرَجَ يَقصِدُ سَفرًا بَعيدًا، فقصَرَ الصَّلاةَ، ثم بَدا له، فرجَعَ، كانَ ما صلَّاه ماضِيًا صَحيحًا، ولا يَقصُرُ في رُجوعِه إلا أن تَكونَ مَسافَةُ الرُّجوعِ مُبيحةً بنَفسِها، نصَّ أحمدُ على هذا، ولو خرَجَ طالِبًا لعَبدٍ آبِقٍ لا يَعلَمُ أينَ هو، أو مُنتجِعًا غَيثًا، أو كلَأً، متى وجَدَه أقامَ أو رجَعَ، أو سائِحًا في الأرضِ، لا يَقصِدُ مَكانًا، لم يُبَحْ له القَصرُ، وإن سارَ أيَّامًا، وقالَ

(١) «بدائع الصنائع» (١/ ٩٤).
(٢) «شرح فتح القدير» (٢/ ٢٨)، و «درر الحكام» (٢/ ١١٣)، و «القوانين الفقهية» (٥٩)، و «الشرح الكبير» (١/ ٣٦٣)، و «المجموع» (٥/ ٤٣٥)، و «المغني» (٢/ ٤٨١)، و «الأمُّ» (١/ ١٨٠)، و «منح الجليل» (١/ ٤٠٧).

ابنُ عَقيلٍ: يُباحُ له القَصرُ إذا بلَغَ مَسافَةً مُبيحةً له؛ لأنَّه مُسافِرٌ سَفرًا طَويلًا.

قالَ ابنُ قُدامةَ: ولنا: أنَّه لم يَقصِدْ مَسافةَ القَصرِ، فلم يُبَح له كابتِداءِ سَفرِه، ولأنَّه لم يُبَح القَصرُ في ابتِدائِه، لم يُبَح في أثنائِه إذا لم يُغيِّر نيَّتَه، كالسَّفرِ القَصيرِ، وسَفرِ المَعصيةِ، ومتى رَجعَ هذا يَقصدُ بَلدَه، أو نَوى مَسافَةَ القَصرِ، فله القَصرُ، لوُجودِ نيَّتِه المُبِيحَةِ، ولو قصَدَ بَلدًا بَعيدًا، أو في عَزمِه أنَّه متى وجَدَ طِلبَتَه دُونَه رَجعَ أو أقامَ، لم يُبَحْ له القَصرُ؛ لأنَّه لم يَجزِم بسَفرٍ طَويلٍ، وإن كانَ يَرجعُ ولا يُقيمُ بوُجودِه، فلَه القَصرُ (١).

وقالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: قالَ أَصحابُنا: يُشتَرطُ لجَوازِ القَصرِ أن يَربِطَ قَصدَه بمَقصِدٍ مَعلومٍ، فأمَّا الهائِمُ الذي لا يَدري أينَ يَتوجَّهُ، ولا له قَصدٌ في مَوضعٍ، وراكِبُ التَّعاسيفِ -وهو الذي لا يَسلُكُ طَريقًا، ولا له مَقصِدٌ مَعلومٌ- فلا يَترخَّصانِ أبدًا بقَصرٍ ولا غيرِه مِنْ رُخَصِ السَّفرِ، وإن طالَ سَفرُهما، وبلغَ مَراحلَ، فهذا هو المَذهبُ، وبه قطَعَ الأَصحابُ، في كلِّ الطُّرقِ.

وقالَ البَغويُّ وغيرُه: وكَذا البَدويُّ: إذا خرَجَ مُنتَجِعًا، على أنَّه متى وجَدَ مَكانًا مُعشِبًا أقامَ به، لم يَجزْ له التَّرخُّصُ (٢).

والمُعتبَرُ في نيَّةِ السَّفرِ الشَّرعيِّ نيَّةُ الأصلِ دونَ التَّابِعِ، فمَن كانَ سَفرُه تابِعًا لغيرِه فإنَّه يَصيرُ مُسافِرًا بنيَّةِ ذلك الآخَرِ، وذلك كالزَّوجةِ التَّابعةِ

(١) «المغني» (٢/ ٤٩).
(٢) «المجموع» (٥/ ٤٣٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصلاة
فصل شرائط أركان الصلاة

بِدُونِهَا، وَيُشْتَرَطُ لَهَا مَا يُشْتَرَطُ لِسَائِرِ الْأَرْكَانِ فَأَمَّا التَّحْرِيمَةُ فَلَيْسَتْ بِرُكْنٍ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَصْحَابِنَا بَلْ هِيَ شَرْطٌ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ رُكْنٌ، وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ مَشَايِخِنَا وَإِلَيْهِ مَالَ عِصَامُ بْنُ يُوسُفَ، وَعَلَى هَذَا الْخِلَافِ الْإِحْرَامُ فِي بَابِ الْحَجِّ أَنَّهُ شَرْطٌ عِنْدَنَا، وَعِنْدَهُ رُكْنٌ، وَثَمَرَةُ الْخِلَافِ أَنَّ عِنْدَنَا يَجُوزُ بِنَاءُ النَّفْلِ عَلَى الْفَرْضِ بِأَنْ يُحْرِمَ لِلْفَرْضِ وَيَفْرُغَ مِنْهُ وَيَشْرَعَ فِي النَّفْلِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمَةٍ جَدِيدَةٍ، وَعِنْدَهُ لَا يَجُوزُ وَوَجْهُ الْبِنَاءِ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ أَنَّ التَّحْرِيمَةَ لَمَّا كَانَتْ شَرْطًا جَازَ أَنْ يَتَأَدَّى النَّفَلُ بِتَحْرِيمَةِ الْفَرْضِ كَمَا يَتَأَدَّى بِطَهَارَةٍ وَقَعَتْ لِلْفَرْضِ وَعِنْدَهُ لَمَّا كَانَتْ رُكْنًا وَقَدْ انْقَضَى الْفَرْضُ بِأَرْكَانِهِ فَتَنْقَضِي التَّحْرِيمَةُ أَيْضًا.

(وَجْهُ) قَوْلُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ حَدَّ الرُّكْنِ مَوْجُودٌ فِيهَا وَهُوَ مَا ذَكَرْنَا، وَكَذَا وُجِدَتْ عَلَامَةُ الْأَرْكَانِ فِيهَا؛ لِأَنَّهَا لَا تَدُومُ بَلْ تَنْقَضِي، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّتِهَا مَا يُشْتَرَطُ لِسَائِرِ الْأَرْكَانِ بِخِلَافِ الشُّرُوطِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 82 - 84

ارجع إلى الصلاة في السفر للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 5.5 / 29.5
الإضاءة 31%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله