القعود والوقوف في صلاة التطوع

الإسلام > الصلاة > صلاة التطوع > القعود والوقوف في صلاة التطوع

آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08

📖 14 دقيقة قراءة

القعود والوقوف في صلاة التطوع - الأقوال والأدلة

القُعودُ والوُقوفُ في صَلاةِ التَّطوُّعِ:

أجمعَ العُلماءُ على جَوازِ التَّطوُّعِ قاعِدًا معَ القُدرةِ على القِيامِ؛ لأنَّ التَّطوُّعَ خَيرٌ دائِمٌ، فلو ألزَمنَاهُ القِيامَ يَتعَذَّرُ عليه إدامةُ هذا الخَيرِ (١)، ولأنَّ كَثيرًا من النَّاسِ يَشُقُّ عليهِم طُولَ القِيامِ، فلو وجبَ في التَّطوُّعِ لَتُرِكَ أكثرُه، فسَامَحَ الشَّارِعُ في تَركِ القِيامِ فيه؛ تَرغيبًا في تَكثِيرِه، كما سامَحَ في فِعلِه على الرَّاحِلَةِ في السَّفرِ (٢).

والدَّليلُ على ذلك قولُه : «صَلَاةُ القاعِدِ على النِّصفِ من صَلَاةِ القائِمِ» (٣).

قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: هذا الحَديثُ مَحمولٌ على صَلاةِ النَّفلِ قاعِدًا مع القُدرةِ على القيامِ، فهذا له نِصفُ ثَوابِ القائِمِ، وأمَّا إذا صلَّى النَّفلَ قاعِدًا لِعَجزِه عن القِيامِ فلا يَنقُصُ ثَوابُه، بل يَكونُ كَثَوابِه قائمًا (٤).

وقد رَوَت عائِشةُ رضي الله عنها: «أَنَّ رَسولَ اللهِ كانَ يُصلِّي جالسًا، فَيَقرأُ وهو جَالِسٌ، فإذا بَقيَ من قِراءَتِه قَدرُ ما يكونُ ثَلاثينَ أو

(١) «شرحُ مُسلِم» (٦/ ١٠)، و «المجموع» (٣/ ٢٣١)، و «بدائع الصنائعِ» (١/ ٢٩٧)، و «البحر الرائق» (٢/ ٦٧)، و «حاشية الطحطاوي» (١/ ٢٦٥)، و «حليةُ العُلماءِ» (٢/ ١٢٠)، و «المجموع» (٣/ ٢٣٢)، و «فتح الباري» (٢/ ٥٨٥)، و «عُمدَةُ القارِي» (٧/ ١٦٠)، و «درر الحكام» (٢/ ٣٠)، و «نهاية المحتاج» (١/ ٤٧١)، و «نَيلُ الأوطار» (٣/ ٩٩).
(٢) «المغني» (١/ ٤٤٣)، و «إعلامُ الموقِّعِين» (١/ ٣٠٣).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابنُ ماجه (١٢٣٠)، وغيرُه.
(٤) «شرح مُسلِم» (٦/ ١٣).

أَربَعِينَ آيَةً قام فَقرأَ وهو قائِمٌ، ثم رَكَعَ، ثم سجدَ، ثم يَفعلُ في الرَّكعَةِ الثَّانيَةِ مثلَ ذلكَ» (١).

وقد رُويَ من طَريقٍ آخرَ ما يُفيدُ التَّخييرَ في الرُّكوعِ والسُّجودِ بينَ القِيامِ والقُعودِ، حيثُ فعلَ الرَّسولُ الأمرَينِ جَميعًا، كما زادَت عائِشةُ: أنَّها لم تَرَ رَسولَ اللهِ يُصلِّي صَلاةَ اللَّيلِ قاعِدًا قَطُّ حتى أسَنَّ، فكانَ يَقرأُ قاعِدًا حتى إذا أرادَ أن يَركَعَ قامَ فقرأَ نَحوًا مِنْ ثَلاثِينَ آيةً أو أربَعينَ آيةً ثم رَكَعَ (٢).

وعنها: «أنَّ رَسولَ اللهِ كانَ يُصلِّي لَيلًا طَوِيلًا قائِمًا، وَلَيلًا طَوِيلًا قاعِدًا، وكان إذا قرأَ وهو قائِمٌ رَكع وَسَجد، وهو قائِمٌ، وإذا قرأَ قاعِدًا رَكع وسَجد وهو قاعِدٌ» (٣).

ولو افتَتحَ التَّطوُّعَ قائِمًا ثم أرادَ أن يَقعُدَ، أو افتَتحَهُ قاعِدًا ثم أرادَ أن يَقومَ، جازَ ذلك عندَ أبي حَنيفَةَ؛ استِحسانًا، وعندَ مالِكٍ والشافِعيِّ وأحمدَ؛ لأنَّه مُتَبرِّعٌ، وهو مُخيَّرٌ بينَ القيامِ والقُعودِ في الابتِداءِ، فكَذَا بعدَ الشُّروعِ؛ لأنَّه مُتَبرِّعٌ أيضًا. ولِلأحاديثِ السابقةِ عن عائِشةَ في هذا.

وذَهب أبو يُوسفَ ومُحمدٌ من الحَنفيَّةِ إلى أنَّه لا يَجوزُ له ذلكَ. قالَ الكاسانِيُّ: وهو القِياسُ؛ لأنَّ الشُّروعَ مُلزِمٌ، كالنَّذرِ، ولو نَذَرَ أن يُصلِّيَ رَكعتَينِ قائِمًا لا يُجوزُ له القُعودُ من غيرِ عُذرٍ؛ فكَذا إذا شرعَ قائِمًا.

(١) رواه مُسلِم (٧٣١).
(٢) رواه البُخاري (١٠٩٧)، ومُسلِم (٧٣١).
(٣) رواه مُسلِم (٧٣٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصلاة
فصل سجدة التلاوة

أُخْرَى فَعَلَيْهِ السَّهْوُ اسْتِحْسَانًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا سَهْوَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ السَّهْوَ تَمَكَّنَ فِي الْفَرْضِ وَقَدْ أَدَّى بَعْدَهَا صَلَاةً أُخْرَى.

(وَجْهُ) الِاسْتِحْسَانِ أَنَّهُ إنَّمَا بَنَى النَّفَلَ عَلَى تِلْكَ التَّحْرِيمَةِ وَقَدْ تَمَكَّنَ فِيهَا النَّقْصُ بِالسَّهْوِ فَيُجْبَرُ بِالسَّجْدَتَيْنِ عَلَى مَا ذَكَرْنَا فِي الْمَسْبُوقِ.

(ثُمَّ) اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا أَنَّ هَاتَيْنِ السَّجْدَتَيْنِ لِلنَّقْصِ الْمُتَمَكَّنِ فِي الْفَرْضِ أَوْ لِلنَّقْصِ الْمُتَمَكِّنِ فِي النَّفْلِ، فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لِلنَّقْصِ الْمُتَمَكَّنِ فِي النَّفْلِ لِدُخُولِهِ فِيهِ لَا عَلَى وَجْهِ السُّنَّةِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ لِلنَّقْصِ الَّذِي تَمَكَّنَ فِي الْفَرْضِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ عِنْدَ أَبِي يُوسُفَ انْقَطَعَتْ تَحْرِيمَةُ الْفَرْضِ بِالِانْتِقَالِ إلَى النَّفْلِ، فَلَا وَجْهَ إلَى جَبْرِ نُقْصَانِ الْفَرْضِ بَعْدَ الْخُرُوجِ مِنْهُ وَانْقِطَاعِ تَحْرِيمَتِهِ، وَعِنْدَ مُحَمَّدٍ التَّحْرِيمَةُ بَاقِيَةٌ؛ لِأَنَّهَا اشْتَمَلَتْ عَلَى أَصْلِ الصَّلَاةِ وَوَصْفِهَا، وَبِالِانْتِقَالِ إلَى النَّفْلِ انْقَطَعَ الْوَصْفُ لَا غَيْرُ فَبَقِيَتْ التَّحْرِيمَةُ، أَلَا تَرَى أَنَّ بِنَاءَ النَّفْلِ عَلَى تَحْرِيمَةِ الْفَرْضِ جَائِزٌ فِي حَقِّ الِاقْتِدَاءِ حَتَّى جَازَ اقْتِدَاءُ الْمُتَنَفِّلِ بِالْمُفْتَرِضِ؟ فَكَذَا بِنَاءُ فِعْلِ نَفْسِهِ عَلَى تَحْرِيمَةِ فَرْضِهِ يَكُونُ جَائِزًا، وَالْأَصْلُ فِي الْبِنَاءِ هُوَ الْبِنَاءُ فِي إحْرَامٍ وَاحِدٍ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصلاة
باب الإمامة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بابُ الإِمَامةِ

الجَماعةُ وَاجِبَةٌ للصَّلواتِ الخَمْسِ، يُرْوَى نحوُ ذلك عن ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبى مُوسى. وبه قال عَطاءٌ، والأوْزَاعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ . ولم يُوجِبْها مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حَنِيفَةَ، والشَّافِعِىُّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تَفْضُلُ صَلَاةُ الجَمَاعَةِ على صَلَاةِ الفَذِّ بِخَمْسٍ وعِشْرِينَ دَرَجَةً" . مُتَّفَقٌ عليه . ولأنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُنْكِرْ على اللَّذَيْنِ قالا: صَلَّيْنَا في رِحَالِنا . ولو كانت وَاجِبَةً لأنْكَرَ عليْهما، ولأنَّها لو كانتْ وَاجِبَةً في الصلاةِ لكانتْ شَرْطًا لها كالجُمُعَةِ. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ} . الآية، ولو لم تَكُن وَاجِبَةً لَرَخَّصَ فيها حَالَةَ الخَوْفِ، ولم يُجِز الإِخْلَالَ بوَاجِباتِ الصَّلَاةِ من أجْلِها. ورَوَى أبو هُرَيْرَةَ أنَّ رسولَ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: "والَّذِى نَفْسِى بِيَدِه لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ آمُرَ بِحَطَبٍ لِيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بالصُّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا؛ ثم آمُرَ رَجُلًا فيَؤُمَّ النَّاسَ، ثم أخَالِفَ إلى رِجَالٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُم" . مُتَّفَقٌ عليه . وفيه ما يَدُلُّ

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الصلاة)
(باب الصلاة بالنجاسة ومواضع الصلاة من مسجد وغيره)

(بَابُ الصَّلَاةِ بِالنَّجَاسَةِ وَمَوَاضِعِ الصَّلَاةِ مِنْ مسجدٍ وغيره)

قال الشافعي: رحمه الله تعالى: وَإِذَا صَلَّى الْجُنُبُ بِقَوْمٍ أَعَادَ وَلَمْ يُعِيدُوا وَاحْتَجَّ فِي ذَلِكَ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَالْعَبَّاسِ " قال المزني " يقول كما لا يجزئ عني فعل إمامي فكذلك لا يفسد علي فساد إمامي ولو كان معناي في إفساده معناه لما جاز أن يحدث فينصرف وأبني ولا أنصرف وقد بطلت إمامته واتباعي له ولم تبطل صلاتي ولا طهارتي بانتقاض طهره "

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا: فِي إِمَامٍ صَلَّى بِقَوْمٍ ثُمَّ عَلِمَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنَ الصَّلَاةِ أَنَّهُ جُنُبٌ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ وَحْدَهُ فَأَمَّا الْمَأْمُومُونَ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِمْ إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا بِحَالِهِ قَبْلَ صَلَاتِهِمْ

وَقَالَ أبو حنيفة: عَلَيْهِمُ الْإِعَادَةُ بِكُلِّ حَالٍ كَالْإِمَامِ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَحْدَثَ الْإِمَامُ فِي تَضَاعِيفِ صَلَاتِهِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَصَلَاةُ الْمَأْمُومِينَ مَعَهُ وغلط عَلَيْهِ فَأَلْزَمَهُ حَدَثَ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 455 - 456

ارجع إلى صلاة التطوع للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله