القنوت في الوتر

الإسلام > الصلاة > صلاة التطوع > القنوت في الوتر

آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08

📖 26 دقيقة قراءة

القنوت في الوتر - الأقوال والأدلة

قد سُئلَ عن نَقضِ الوِترِ فقالَ: «إنَّما هو شَيءٌ أَفعَلُه بِرَأيٍ، لَا أَروِيهِ عَنْ أَحدٍ».

قالَ ابنُ المُنذرِ -بعدَ أن ذكرَ سَندَه-: ولَا أعلَمُ اختِلافًا في أنَّ رَجلًا بعدَ أن أدَّى صَلاةَ فَرضٍ، كما فُرِضت عليه، ثم أرادَ بعدَ أن فرغَ منها نَقضًا أن لا سَبيلَ له إليه، فحكمُ المُختَلَفِ فيه مِنْ الوِترِ حكمُ ما لا نَعلمُهم اختَلَفوا فيه ممَّا ذكَرنا، وكذلك الحَجُّ والصَّومُ والعُمرةُ، والاعتِكافُ، لا سَبيلَ إلى نَقضِ شَيءٍ منها بعدَ أن يُكمِلَها (١).

القُنوتُ في الوِترِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ القُنوتِ في صَلاةِ الوِترِ على أربَعةِ أقوالٍ:

الأوَّل: لِأبي حَنيفَةَ رحمة الله عليه، وهو أنَّ القُنوتَ واجِبٌ في الوِترِ قبلَ الرُّكوعِ في جَميعِ السَّنَةِ.

وقالَ الصَّاحِبانِ أبو يُوسفَ ومُحمدٌ: هو سُنَّةٌ في كلِّ السنةِ قبلَ الرُّكوعِ.

قال الكاسانيُّ رحمة الله عليه: وذلك لمَا رُويَ عن عمرَ وعلِيٍّ وابنِ مَسعودٍ وابنِ عبَّاسٍ رضي الله عنهم أَنَّهم قالوا: «رَاعَينَا صَلاةَ رَسولِ اللهِ بِاللَّيلِ، فقنَت قبلَ الرُّكُوعِ» (٢). ولم يَذكُروا وَقتًا في السنةِ.

(١) «الأوسط» (٥/ ١٩٩)، و «فتح القدير» (١/ ٣١٢)، والزرقاني (١/ ٣٦٨)، و «التاج والإكليل» (٢/ ٧٢)، و «الاستذكار» (٢/ ١١٧، ١١٨)، و «الشرح الكبير» للرَّافِعي (٤/ ٢٤٠)، و «روضة الطالبين» (١/ ٣٢٩)، و «المجموع» (٥/ ٤٥)، و «المغني» (٢/ ٣٦١)، و «كشاف القناع» (١/ ٤٢٧)، و «مطالب أولي النُّهى» (١/ ٥٦٤)، و «شَرح صحيح البخاري» لابن بطال (٢/ ٥٨١)، و «فتح الباري» (٧/ ٤٥٢)، و «مُغني المحتاج» (١/ ٢٢٢).
(٢) رَواه البُخاري (٩٥٧)، ومُسلم (٦٧٧) مِنْ حَديثِ أنَسِ بنِ مالِك رضي الله عنه.

فعَلى هذا إذا فرغَ مُصلِّي الوِترِ مِنْ القِراءةِ في الرَّكعةِ الثَّالثةِ كبَّر رافِعًا يَديه، ثم يَقرأُ دُعاءَ القُنوتِ.

أمَّا مِقدارُ القُنوتِ فقد ذكرَ الكَرخِيُّ أنَّ مِقدارَ القِيامِ في القُنوتِ مِقدارُ سُورةِ: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾؛ لمَا رُويَ عن النَّبيِّ أَنَّه كانَ يَقرأُ في القُنوتِ: «اللَّهُمَّ إنَّا نَستَعِينُكَ … » إلخ؛ «اللَّهُمَّ اهدِنَا فِيمَن هَدَيتَ … » إلخ؛ وكِلاهما على مِقدارِ هذه السُّورةِ.

قالَ الكاسانيُّ: أمَّا دُعاءُ القُنوتِ فليس في القُنوتِ دُعاءٌ مُؤقَّتٌ، كذا ذكرَ الكَرخِيُّ في كتابِ الصَّلاةِ؛ لأنَّه رُويَ عن الصَّحابةِ أدعِيةٌ مُختَلِفةٌ في حالِ القُنوتِ، ولأنَّ المُؤقَّتَ مِنْ الدُّعاءِ يَجري على لِسانِ الدَّاعي مِنْ غيرِ احتِياجِه إلى إحضارِ قَلبِه وصِدقِ الرَّغبةِ منه إلى اللهِ تَعالى، فيَبعُدُ عن الإجابةِ، ولِأَنَّه لا تَوقيتَ في القِراءةِ لِشَيءٍ مِنْ الصَّلواتِ، ففي دُعاءِ القُنوتِ أَولى. وقد رُويَ عن مُحمدٍ أَنَّه قالَ: التَّوقيتُ في الدُّعاءِ يُذهِبُ رِقَّةَ القَلبِ.

وقالَ بَعضُ مَشايِخِنا: المُرادُ مِنْ قولِه: ليس في القُنوتِ دُعاءٌ مُؤقَّتٌ مَا سِوى قولِه: «اللَّهُمَّ إنَّا نَستَعِينُكَ … »؛ لأنَّ الصَّحابَةَ رضي الله عنهم اتَّفَقوا على هذا في القُنوتِ، فالأَولى أن يَقرأَه، ولو قرأَ غيرَه جازَ، ولو قرأَ معَه غيرَه كانَ حَسَنًا، والأَولى أن يَقرأَ بعدَه ما علَّم رَسولُ اللهِ الحَسنَ بنَ عَلِيٍّ رضي الله عنه في قُنوتِه: «اللَّهُمَّ اهدِنَا فِيمَن هَدَيتَ … » إلى آخرِه.

وقالَ بَعضُهم: الأفضَلُ في الوِترِ أن يَكونَ فيه دُعاءٌ مُؤقَّتٌ، لأنَّ الإمامَ رُبَّما يَكونُ جاهِلًا، فيأتي بدُعاءٍ يُشبِهُ كَلامَ النَّاسِ، فيُفسِدُ الصَّلاةَ، ومَا رُويَ

عن مُحمدٍ أنَّ التَّوقيتَ في الدُّعاءِ يُذهِبُ رِقَّةَ القَلبِ مَحمولٌ على أدعيةِ المَناسِكِ دونَ الصَّلاةِ؛ لمَا ذكَرنا.

وأمَّا صِفةُ دُعاءِ القُنوتِ مِنْ الجَهرِ والمُخافَتةِ فقد ذكرَ القاضي في شَرحِه: «مُختَصَر الطَّحاوي» أَنَّه إن كانَ مُنفرِدًا فهو بالخيارِ، إن شاءَ جهرَ وأسمعَ غيرَه، وإن شاءَ جهرَ وَأسمعَ نَفسَه، وإن شاءَ أسَرَّ، كما في القِراءةِ، وإن كانَ إمامًا يَجهَرُ بالقُنوتِ، لكن دونَ الجَهرِ بالقِراءةِ في الصَّلاةِ، والقَومُ يُتابِعونَه هكذا، إلى قولِه: «إنَّ عَذَابَكَ بِالكُفَّارِ مُلحَقٌ»، وإذا دَعا الإمامُ بعدَ ذلك، هل يُتابِعُه القَومُ؟ ذكرَ في الفَتاوى اختِلافًا بينَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ، في قولِ أبي يُوسفَ: يُتابِعُونَه ويَقرؤُونَ، وفي قولِ مُحمدٍ: لا يَقرؤُونَ، ولكن يُؤَمِّنُونَ، وقالَ بَعضُهم: إن شاءَ القَومُ سَكَتوا.

وأمَّا الصَّلاةُ على النَّبيِّ في القُنوتِ فقد قالَ أبو القاسِمِ الصَّفَّارُ: لا يَفعلُ، لأنَّ هذا ليس مَوضِعَها. وقالَ الفَقيهُ أبو اللَّيثِ: يَأتي بها؛ لأنَّ القُنوتَ دُعاءٌ؛ فالأفضَلُ أن يَكونَ فيه الصَّلاةُ على النَّبيِّ ، ذكرَه في الفَتاوى.

واختارَ مَشايِخُنا بما وَراءَ النَّهَرِ الإخفاءَ في دُعاءِ القُنوتِ في حقِّ الإمامِ والقَومِ جَميعًا؛ لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقولِ النَّبيِّ : «خَيرُ الدُّعاءِ الخَفِيُّ» (١).

(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الإمام أحمد (١/ ١٧٢)، بلَفظِ: «خَيرُ الذِّكرِ الخَفِيُّ، وَخَيرُ الرِّزقِ ما يَكفي».

أمَّا حكمُ القُنوتِ إذا فاتَ عن مَحَلِّه فنَقولُ: إذا نَسيَ القُنوتَ حتى ركَع ثم تذكَّر بعدَما رفعَ رَأسَه مِنْ الرُّكوعِ لا يَعودُ، ويسقطُ عنه القُنوتُ، وإن كانَ في الرُّكوعِ فكذلك في ظاهِرِ الرِّوايةِ.

ورُويَ عن أبي يُوسفَ في غيرِ رِوايةِ الأُصولِ أَنَّه يَعودُ إلى القُنوتِ؛ لأنَّ له شَبَهًا بالقِراءةِ، فيَعودُ، كما لو تركَ الفاتِحةَ أوِ السُّورةَ، فتذكَّرها في الرُّكوعِ، أو بعدَ رَفعِ الرَّأسِ منه، فإنَّه يَعودُ ويَنتَقِضُ رُكوعُه، كَذا ههنا (١).

القولُ الثَّاني: لِلمالِكيَّةِ في المَشهورِ أَنَّه يُكرَه القُنوتُ في الوِترِ.

وفي رِوايةٍ عنه -أي: الإمامِ مالِكٍ- أَنَّه يَقنُتُ في النِّصفِ الأخيرِ مِنْ رَمضانَ (٢).

قال الزرقانيُّ رحمة الله عليه: رَوى المدَنِيُّونَ وابنُ وَهبٍ عن مالِكٍ أنَّ الإمامَ كانَ يَقنُتُ في النِّصفِ الآخَرِ مِنْ رَمضانَ، يَلعَنُ الكفَرةَ ويُؤمِّنُ مَنْ خلفَه.

ورَوى ابنُ نافِعٍ عن مالِكٍ أنَّ القُنوتَ في الوِترِ واسِعٌ، إن شاءَ فعلَ، وإن شاءَ تركَ. ورَوى ابنُ القاسِمِ عنه: ليس عليه العملُ، ومعناه عِنْدِي: ليس بسُنَّةٍ، لكِن مُباحٌ. ذكرَ ابنُ عَبد البرِّ: لكِن رَوى المِصرِيُّونَ أنَّ مالِكًا، قال: لا يَقنُتُ في الوِترِ، أي: لا في رَمضانَ ولا في غيرِه، وهو المَذهبُ، وقد قالَ ابنُ القاسِمِ: كان مالِكٌ بعدَ ذلك يُنكِرُه إنكارًا شديدًا، ولا أرَى أن يُعمَلَ به (٣).

(١) «معاني الآثار» (٢/ ٢٣٢، ٢٣٤)، و «البحر الرائق» (١/ ٣١٨).
(٢) «الاستذكار» (٢/ ٧٧)، و «الكافي» (٧٤)، و «الأوسط» (٥/ ٢٠٧)، و «القوانين الفقهية» (٦٦)، و «منح الجليل» (١/ ١٥٧)، و «شرح الزرقاني» (١/ ٣٤٣).
(٣) «شَرح الزرقاني على موطَّأ مالِك» (١/ ٣٤٣).

القولُ الثَّالثُ: لِلشافِعيَّةِ في المَذهبِ: وهو أَنَّه يُستحبُّ القُنوتُ في الوِترِ في النِّصفِ الأخيرِ مِنْ شَهرِ رَمضانَ خاصَّةً، فإن أوتَرَ برَكعَةٍ قنَت فيها، وإن أوتَرَ بأكثرَ قنَت في الأخيرةِ.

وفي وَجهٍ عندَهم أَنَّه يُستحبُّ أن يَقنُتَ في جَميعِ شَهرِ رَمضانَ.

وفي وَجهٍ ثالِثٍ أَنَّه يُستحبُّ القُنوتُ في الوِترِ في جَميعِ السَّنَةِ.

قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وهذا الوَجهُ قَويٌّ في الدَّليلٍ، لحَديثِ الحَسنِ بنِ عَلِيٍّ رضي الله عنه في القُنوتِ، لكنَّ المَشهورَ في المَذهبِ ما سبقَ، وبه قالَ جُمهورُ الأصحابِ.

قالَ الرَّافِعيُّ: وظاهرُ كَلامِ الشافِعيِّ رحمة الله عليه كَراهَةُ القُنوتِ في غيرِ النِّصفِ الأخيرِ مِنْ رَمضانَ (١).

أمَّا مَحَلُّ القُنوتِ في الوِترِ عندَهم فهو بعدَ رَفعِ الرَّأسِ مِنْ الرُّكوعِ على الصَّحيحِ المَشهورِ، وفي وَجهٍ: قبلَ الرُّكوعِ، قالَه ابنُ سُرَيجٍ، والثَّالثُ: يَتخيَّرُ بينَهما، حَكاهُ الرَّافِعيُّ.

أمَّا لَفظُ القُنوتِ في الوِترِ فالاختِيارُ أن يَقولَ ما رُويَ عن الحَسنِ بنِ علِيٍّ رضي الله عنه قالَ: علَّمنِي رَسولُ اللهِ كَلِماتٍ أقولُهنَّ في الوِترِ: «اللَّهُمَّ اهدِنِي فِيمَن هَدَيتَ، وَعافِنِي فِيمَن عافَيتَ، وَتَولَّنِي فِيمَن تَولَّيتَ، وَبارِك لي فِيمَا أَعطَيتَ، وَقِنِي شَرَّ ما قَضيتَ؛ إِنَّكَ تَقضِي ولا يُقضَى عَلَيكَ، وَإِنَّه لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيتَ، تَبارَكتَ رَبَّنَا وَتَعالَيتَ» (٢). وزادَ العُلماءُ فيه: «ولا

(١) «المجموع» (٥/ ٢٥).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (١٤٢٥)، والتِّرمذي (٤٦٤)، والنسائي (١٧٤٥)، وأحمد في «المسند» (١/ ١٩٩، ٢٠٠)، وابن خُزَيمة في «صحيحه» (٢/ ١٥١، ١٥٢).

يَعِزُّ مَنْ عادَيتَ». قبلَ: «تَبارَكتَ رَبَّنَا وَتَعالَيتَ». وبعدَه: «فلَكَ الحَمدُ على مَا قَضيتَ، أَستَغفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيكَ».

قالَ النَّوويُّ: قالَ أصحابُنا: لا بَأسَ بهذه الزِّيادةِ. وقالَ أبو حامِدٍ والبَندنيجِيُّ وآخَرونَ: مُستحَبَّةٌ (١).

ويُسنُّ أن يَقولَ عَقِبَ هذا الدُّعاءِ: اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحمَّدٍ وَعلى آلِ مُحمَّدٍ. وذلك في الوَجهِ الصَّحيحِ المَشهورِ.

قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: واعلَم أنَّ القُنوتَ لا يَتعيَّنُ فيه دُعاءٌ على المَذهبِ المُختار، فأيُّ دُعاءٍ دَعا به حصَل القُنوتُ، ولو قنَت بآيةٍ، أو آياتٍ مِنْ القُرآنِ العَزيزِ، وهي مُشتمِلةٌ على الدُّعاءِ حصَل القُنوتُ، ولكنَّ الأفضَلَ ما جاءَت به السُّنةُ (٢).

واستَحَبَّ الشافِعيَّةُ أن يُضَمَّ إلى ما ذكَرنا مِنْ دُعاءِ القُنوتِ قُنوتُ عمرَ رضي الله عنه، فقد رُويَ أَنَّه قنَت في الصُّبحِ بعدَ الرُّكوعِ، فقالَ: «اللَّهُمَّ اغفِر لنا ولِلمُؤمِنينَ والمُؤمِناتِ، وَالمُسلِمِينَ وَالمُسلمَاتِ، وَأَلِّف بينَ قُلُوبِهم، وَأصلِح ذَاتَ بَينِهم، وَانصُرهُم على عَدُوِّكَ وَعَدُوِّهِمُ، اللَّهُمَّ العَن كفرَةَ أَهلِ الكتابِ الذينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِكَ، وَيُكَذِّبُونَ رُسُلَكَ، وَيُقاتِلُونَ أَولِيَاءَكَ، اللَّهُمَّ خَالِف بينَ كَلِمَتِهم، وَزَلزِل أَقدَامَهم، وَأَنزِل بِهم بَأسَكَ الذي لَا تَرُدُّهُ عَنِ القَومِ المُجرِمِينَ، بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ، اللَّهُمَّ إنَّا نَستَعِينُكَ وَنَستَغفِرُكَ

(١) «رَوضة الطالِبين» (١/ ٢٥٣)، و «الأذكار» (١/ ٥٠)، و «المجموع» (٣/ ٤٥٦).
(٢) «الأذكار» (١/ ٥١).

وَنُثنِي عَلَيكَ ولا نَكفُرُكَ، ونَخلَعُ ونَترُكُ مَنْ يَفجُرُكَ، بِسمِ اللَّهِ الرَّحمنِ الرَّحِيمِ، اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسجُدُ، وَإِلَيكَ نَسعَى ونَحفِدُ، ونَخشى عَذابَكَ، ونَرجو رَحمَتَكَ؛ إنَّ عَذَابَكَ الجِدَّ بِالكُفَّارِ مُلحَقٌ» (١).

وأمَّا الجَهرُ بالقُنوتِ أوِ الإسرارُ بِه، فيُفرَّقُ فيه بينَ ما إذا كانَ المُصلِّي إمامًا، أو مُنفرِدًا، أو مَأمومًا.

فإن كانَ إمامًا: يُستحبُّ له الجَهرُ بالقُنوتِ في الأصَحِّ، وإن كان مُنفرِدًا يُسِرُّ به بلا خِلافٍ.

وإن كان مَأمومًا: فإن لم يَجهَرِ الإمامُ، قنَت سِرًّا كسائرِ الدَّعَواتِ، وإن جهرَ الإمامُ بالقُنوتِ، فإن كانَ المَأمومُ يَسمَعُه أمَّنَ على دُعائِه وشارَكَه في الثَّناءِ على آخرِه، وإن كان لا يَسمَعُه قنَت سِرًّا (٢).

القولُ الرابِعُ: لِلحَنابلَةِ، وهو أَنَّه يُسنُّ القُنوتُ في الوِترِ في الرَّكعةِ الواحدةِ الأخيرةِ في جَميعِ السَّنَةِ، هذا هو المَنصوصُ، وتَعليلُ مَشروعيَّةِ كلِّ السَّنَةِ أَنَّه وِترٌ، فيُشرعُ فيه القُنوتُ، كالنِّصفِ الأخيرِ مِنْ رَمضانَ، ولِأَنَّه ذِكرٌ شُرِعَ في الوِترِ، فشُرِعَ في جَميعِ السَّنَةِ كسائرِ الأذكارِ.

وعنِ الإمامِ أحمدَ رِوايةٌ أُخرى: أَنَّه لا يُقنَتُ إلا في النِّصفِ الأخيرِ مِنْ رَمضانَ.

(١) رواه عَبد الرازق في «مصَنَّفه» (٣/ ١١١)، وابن المُنذِر في «الأوسط» (٥/ ٢١٤)، والبَيهَقي في «الكبرى» (٢/ ٢١٠، ٢١١) بإسناد صحيح.
(٢) «رَوضة الطالِبين» (١/ ٢٥٣، ٢٥٥)، و «الأذكار» (٨٦)، و «المجموع» (٥/ ٢٦).

ويَكونُ القُنوتُ بعدَ الرُّكوعِ؛ لمَا رَوى أبو هُريرةَ وأنَسٌ أنَّ النَّبيَّ : «قنَت بعدَ الرُّكُوعِ» (١).

ولو كبَّر ورفعَ يَديهِ بعدَ القِراءةِ، ثم قنَت قبلَ الرُّكوعِ، جازَ، لمَا رَوى أُبَيُّ بنُ كَعبٍ: «أنَّ رَسولَ اللهِ قنَت في الوِترِ قبلَ الرُّكُوعِ» (٢).

وهَيئةُ القُنوتِ أن يَرفَعَ يَديهِ إلى صَدرِه ويَبسُطَهما وبَطنَاهُما نحوَ السَّماءِ، ولو كانَ مَأمومًا، ويَقولَ جَهرًا -سَواءٌ كانَ إمامًا، أو مُنفرِدًا-: «اللَّهُمَّ إنَّا نَستَعِينُكَ وَنَستَهدِيكَ وَنَستَغفِرُكَ وَنَتُوبُ إلَيكَ، وَنُؤمِنُ بكَ وَنَتَوَكَّلُ عَلَيكَ وَنُثنِي عَلَيكَ الخَيرَ كلَّهُ، وَنَشكُرُكَ ولا نَكفُرُكَ، اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسجُدُ، وَإِلَيكَ نَسعَى وَنَحفِدُ، نَرجو رَحمَتَكَ، وَنَخشَى عَذَابَكَ؛ إنَّ عَذَابَكَ الجِدَّ بِالكُفَّارِ مُلحَقٌ، اللَّهُمَّ اهدِنَا فِيمَن هَدَيتَ، وَعافِنَا فِيمَن عافَيتَ، وَتَوَلَّنَا فِيمَن تَوَلَّيتَ، وَبارِك لنا فِيمَا أَعطَيتَ، وَقِنَا شَرَّ ما قَضيتَ؛ إنَّكَ تَقضِي ولا يُقضَى عَلَيكَ، إِنَّه لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيتَ، ولا يَعِزُّ مَنْ عادَيتَ، تَبارَكتَ رَبَّنَا وَتَعالَيتَ، اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ برِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ، وَبِعَفوِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ، وَبِكَ مِنكَ، لَا نُحصِي ثَنَاءً عَلَيكَ، أنتَ كما أثنَيتَ على نَفسِكَ».

وله أن يَزيدَ ما شاءَ ممَّا يَجوزُ به الدُّعاءُ في الصَّلاةِ. قال المَجدُ، ابنُ تيميَّةَ: فقد صحَّ عن عمرَ رضي الله عنه أَنَّه كانَ يَقنُتُ بقَدرِ مئةِ آيةٍ، ثم يُصلِّي على النَّبيِّ ، ويُفرِدُ المُنفرِدُ الضَّميرَ، فيَقولُ: اللَّهُمَّ اهدِني … اللَّهمَّ

(١) رواه البُخاري (٩٥٧)، ومُسلم (٦٧٧).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (١٤٢٧) مُعَلَّقًا، والنسائي في «الكبرى» (١٤٣٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصلاة
فصل في أنواع الصلاة الواجبة ومنها صلاة الوتر

يَكُونَ الْمُقِيمُ لَهَا عَلَى أَحْسَنِ وَصْفٍ، وَقَالَ مَالِكٌ: غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَرِيضَةٌ، وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» أَوْ قَالَ: «حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ» ؛ وَلَنَا مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ وَمَنْ اغْتَسَلَ فَهُوَ أَفْضَلُ» ، وَمَا رُوِيَ مِنْ الْحَدِيثِ فَتَأْوِيلُهُ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ أَنَّهُمَا قَالَا: كَانَ النَّاسُ عُمَّالَ أَنْفُسِهِمْ وَكَانُوا يَلْبَسُونَ الصُّوفَ وَيَعْرَقُونَ فِيهِ وَالْمَسْجِدُ قَرِيبُ السَّمْكِ فَكَانَ يَتَأَذَّى بَعْضُهُمْ بِرَائِحَةِ بَعْضٍ فَأُمِرُوا بِالِاغْتِسَالِ لِهَذَا، ثُمَّ اُنْتُسِخَ هَذَا حِينَ لَبِسُوا غَيْرَ الصُّوفِ وَتَرَكُوا الْعَمَلَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ غُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَمْ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ: لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ إظْهَارًا لِفَضِيلَتِهِ، قَالَ النَّبِيُّ: ﷺ «سَيِّدُ الْأَيَّامِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ» ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ؛ لِأَنَّهَا مُؤَدَّاةٌ بِشَرَائِطَ لَيْسَتْ لِغَيْرِهَا فَلَهَا مِنْ الْفَضِيلَةِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهَا، وَفَائِدَةُ الِاخْتِلَافِ أَنَّ مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ ثُمَّ أَحْدَثَ فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى بِهِ الْجُمُعَةَ فَعِنْدَ أَبِي يُوسُفَ لَا يَصِيرُ مُدْرِكًا لِفَضِيلَةِ الْغُسْلِ، وَعِنْدَ الْحَسَنِ يَصِيرُ مُدْرِكًا لَهَا، وَكَذَا إذَا تَوَضَّأَ وَصَلَّى بِهِ الْجُمُعَةَ ثُمَّ اغْتَسَلَ فَهُوَ عَلَى هَذَا الِاخْتِلَافِ فَأَمَّا إذَا اغْتَسَلَ يَوْمَ…

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 525 - 532

ارجع إلى صلاة التطوع للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر