أخذ الأجرة على الإمامة

الإسلام > الصلاة > صلاة الجماعة > أخذ الأجرة على الإمامة

آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08

📖 15 دقيقة قراءة

أخذ الأجرة على الإمامة - الأقوال والأدلة

لتَلقِّيهِمُ القُرآنَ بمعانِيهِ وأحكامِه، فأمَّا في زَمنِنا فقد يَكونُ الرَّجلُ ماهِرًا في القُرآنِ، ولا حَظَّ له مِنْ العِلمِ؛ فكانَ الأعلَمُ أولَى. وأيضًا: لقولِ النَّبيِّ : «مُرُوا أَبا بَكرٍ فَليُصلِّ بِالنَّاسِ» (١).

وكانَ ثَمةَ مَنْ هو أقرَأُ منه، لا أعلَمُ منه، لقولِ النَّبيِّ : «أَقرَؤُكُم أُبَيٌّ» (٢).

ولقولِ أبي سَعيدٍ: «وكانَ أَبو بَكرٍ أَعلَمَنَا» (٣). وهذا آخرُ الأمرَينِ مِنْ رَسولِ اللهِ ، فيَكونُ المُعوَّلَ عليه، ولأنَّ الحاجَةَ إلى الفِقهِ أهَمُّ منها إلى القِراءةِ؛ لأنَّ القِراءةَ إنَّما يَحتَاجُ إليها لِإقامةِ رُكنٍ واحدٍ، والفِقهَ يَحتَاجُ إليه لجَميعِ الأركانِ والواجِباتِ والسُّننِ (٤).

أخذُ الأُجرةِ على الإمامةِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ أخذِ الأُجرةِ على الإمامةِ في الصَّلاةِ، هل تَجوزُ أو لا؟

(١) رواه البُخاري (٦٣٣/ ٦٤٦)، ومُسلِم (٤١٨).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه التِّرمِذيُّ (٣٧٩٠/ ٣٧٩١)، وقالَ: «حَسَن صَحِيح»، وابن ماجه (١٥٤)، وابن حِبَّانَ في «صحيحه» (١٦/ ٧٤)، والحاكم في «المستدرك» (٣/ ٤٧٧).
(٣) رواه البُخاري (٤٥٤/ ٣٤٥٤)، ومُسلِم (٢٣٨٢).
(٤) «فَتح القدير» (١/ ٣٠٣)، و «تبيين الحقائق» (١/ ١٣٤)، و «معاني الآثار» (١/ ٤٩٥)، والطحطاوي (١/ ٢٠١)، و «التُّحفة» (٢/ ٣٦٢)، و «عُمدة القاري» (٥/ ٢٠٣)، و «الذَّخيرة» (٢/ ٢٥٣، ٢٥٥)، و «جواهر الإكليل» (١/ ٨٣)، و «المجموع» (٥/ ٣٧٠، ٣٧٤)، و «نهاية المحتاج» (٢/ ١٧٦)، و «المغني» (٢/ ٣٩٥)، و «فتح الباري» (٢/ ١٧١)، و «الإفصاح» (٢١٧١).

فذَهب مُتقدِّمُو الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةُ في الأصَحِّ والحَنابلَةُ في المَذهبِ وابنُ حَبيبٍ مِنْ المالِكيَّةِ إلى أنَّه لا يَجوزُ أخذُ الأُجرةِ على الإمامةِ في الصَّلاةِ المَفروضةِ، وكذا النافِلةُ، كالتَّراويحِ في الأصَحِّ؛ لأنَّه مُصَلٍّ لِنَفسِه، ومتى صلَّى اقتَدَى به مَنْ أرادَ، وإن لم يَنوِ الإمامةَ، وإن تَوَقَّفَ على نيَّتِه شَيءٌ، فهو إحرازُ فَضيلةِ الجَماعةِ، وهذه فائِدةٌ تَختَصُّ به، لا تَحصُلُ لِلمُستَأجِرِ.

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: الاستِئجارُ لِإمامَةِ الصَّلواتِ المَفروضةِ باطِلٌ، وكذا لِلتَّراويحِ وسائرِ النَّوافِلِ، على الأصَحِّ؛ لأنَّه مُصَلٍّ لِنَفسِه، ومتى صلَّى اقتَدَى به مَنْ أرادَ، وإن لم يَنوِ الإمامةَ، وإن تَوَقَّفَ على نيَّتِه شَئٌ فهو إحرازُ فَضيلةِ الجَماعةِ، وهذه فائِدةٌ تَختَصُّ به، ومَن جَوَّزَه شَبَّهَه بالأذانِ في الشِّعارِ (١).

وذَهب المالِكيَّةُ في المَشهورِ ومُتأخِّرُو الحَنفيَّةِ -وعليه الفَتوَى عندَهم- والشافِعيَّةُ في قَولٍ والحَنابلَةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يَجوزُ أخذُ الأُجرةِ على الإمامةِ؛ لتَأدِّي الشِّعارِ به، كالأذانِ.

رَوى أشهَبُ عن مالِكٍ أنَّه سُئلَ عن الصَّلاةِ خلفَ مَنْ يُستأجَرُ في رَمضانَ يَقومُ بالناسِ، فقالَ: أرجو ألا يَكونَ به بَأسٌ، وإن كانَ به بَأسٌ فعَلَيه، لا على مَنْ صلَّى خلفَه، ورَوى عنه ابنُ القاسِمِ أنَّه كَرِهَهُ، قال: وهو أشَدُّ كَراهةً له في الفَريضةِ.

(١) «روضة الطالبين» (٤/ ١٨).

قالَ المالِكيَّةُ: يُكرَهُ أخذُ الأُجرةِ على الصَّلاةِ، أي: إمامَتِها، مُفرَدةً، فَرضًا أو نَفلًا، وهو في المَكتوبةِ أشَدُّ كَراهيةً، وإن وقعَت صحَّت، وحُكم بها، كالإجارةِ على الحَجِّ، وتَجوزُ الصَّلاةُ خلفَ مَنْ يَأخُذُ الأُجرةَ مِنْ غيرِ كَراهةٍ؛ لأنَّ الإجارةَ ليست عليه حَرامًا؛ فَتَكونَ جَرحةً فيه، تَقدَحُ في إمَامَتِه، وإنَّما هي له مَكروهةٌ، فتَركُها أفضَلُ. ولا تُكرَهُ إمامَةُ مَنْ فعلَ ما تَركُه أفضَلُ، كما لا تُكرَهُ إمامةُ مَنْ تركَ ما فِعلُه أفضَلُ مِنْ النَّوافِلِ.

ومَحَلُّ الكَراهةِ إذا كانَتِ الأُجرةُ تُؤخَذُ مِنْ المُصلِّينَ، وأمَّا إذا أُخِذَت مِنْ بَيتِ المالِ، أو مِنْ وَقفِ المَسجدِ، فلا كَراهةَ؛ لأنَّه مِنْ بابِ الإعانةِ، لا مِنْ بابِ الإجارةِ (١).

أمَّا أخذُ الرِّزقِ على الإمامةِ فمُجمَعٌ عَلى جَوازِه.

قالَ القَرافيُّ رحمة الله عليه: وتَناوُلُ الأرزاقِ على الإمامةِ مُجمَعٌ على جَوازِه؛ لأنَّها مِنْ بابِ المَعروفِ، لا مِنْ بابِ الإجارةِ، كما ظَنَّه كَثيرٌ مِنْ الفُقهاءِ، فقالَ: إنَّما يَجوزُ تَناوُلُ الرِّزقِ على الإمامةِ في الصَّلاة بِناءً على القولِ بجَوازِ الإجارةِ عليها، وتَورَّعَ عن تَناوُلِه بِناءً على الخِلافِ في جَوازِ الإجارةِ عليها، ولم يَفهَم أنَّ جَوازَ الأرزاقِ عليها كجَوازِ الوَقفِ عليها، بدُونِ أدنى خِلافٍ؛ إذِ الرِّزقُ ليس بمُعاوَضةٍ ألبَتَّةَ، وكيف يَكونُ كذلك

(١) «الاستذكار» (٥/ ٤١٨)، و «شرح مختصر خليل» (١/ ٢٣٦)، و «البيان والتحصيل» (١/ ٤٦٩).

وقد أجازوا تَناوُلَه في أضيَقِ المَواضِعِ التي تَمتنِعُ فيها المُعاوَضةُ قَطعًا، وهي القَضاءُ، والحكمُ بينَ الناسِ، فحينَئذٍ لا ورعَ في تَناوُلِ الأرزاقِ على الإمامةِ مِنْ هذا الوَجهِ … (١).

(١) «الفُروق» (٣/ ٨)، ويُنظر: «مُختصَر الوقاية» (٢/ ١١٩)، و «البحر الرائق» (٥/ ٢٤٩)، و «الجوهرة النَّيِّرة» (٣/ ٣٦٠)، و «مجمع الأنهُر» (٣/ ٥٣٣)، و «اللُّباب» (١/ ٤٨٩)، و «حاشية ابن عابدين» (٤/ ١٤٣)، و «تنقيح الفتاوى الحامدية» (٥/ ٤٢٠، ٤٢١)، و «روضة الطالبين» (٤/ ١٨)، و «مُغني المحتاج» (٣/ ٣٩٩)، و «النجم الوهاج» (٥/ ٣٥٣)، و «نهاية المحتاج» (٥/ ٣٣٢)، و «مجموع الفتاوى» (٣٠/ ٢٠٢)، و «الإنصاف» (٦/ ٤٥، ٤٦)، و «كشاف القناع» (٤/ ١٣)، و «شرح منتهى الإرادات» (٤/ ٤١)، و «منار السبيل» (٢/ ٢١٧، ٢١٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصلاة
باب الإمامة

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بابُ الإِمَامةِ

الجَماعةُ وَاجِبَةٌ للصَّلواتِ الخَمْسِ، يُرْوَى نحوُ ذلك عن ابْنِ مَسْعُودٍ، وأبى مُوسى. وبه قال عَطاءٌ، والأوْزَاعِىُّ، وأبو ثَوْرٍ . ولم يُوجِبْها مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حَنِيفَةَ، والشَّافِعِىُّ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: "تَفْضُلُ صَلَاةُ الجَمَاعَةِ على صَلَاةِ الفَذِّ بِخَمْسٍ وعِشْرِينَ دَرَجَةً" . مُتَّفَقٌ عليه . ولأنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُنْكِرْ على اللَّذَيْنِ قالا: صَلَّيْنَا في رِحَالِنا . ولو كانت وَاجِبَةً لأنْكَرَ عليْهما، ولأنَّها لو كانتْ وَاجِبَةً في الصلاةِ لكانتْ شَرْطًا لها كالجُمُعَةِ. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ} . الآية، ولو لم تَكُن وَاجِبَةً لَرَخَّصَ فيها حَالَةَ الخَوْفِ، ولم يُجِز الإِخْلَالَ بوَاجِباتِ الصَّلَاةِ من أجْلِها. ورَوَى أبو هُرَيْرَةَ أنَّ رسولَ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: "والَّذِى نَفْسِى بِيَدِه لَقَدْ هَمَمْتُ أنْ آمُرَ بِحَطَبٍ لِيُحْتَطَبَ، ثُمَّ آمُرَ بالصُّلَاةِ فَيُؤَذَّنَ لَهَا؛ ثم آمُرَ رَجُلًا فيَؤُمَّ النَّاسَ، ثم أخَالِفَ إلى رِجَالٍ لا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ فأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُم" . مُتَّفَقٌ عليه . وفيه ما يَدُلُّ

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الصلاة)
(باب إمامة المرأة)

(باب إمامة المرأة)

(مَسْأَلَةٌ)

: قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: " أَخْبَرَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا صَلَّتْ بِنِسْوَةٍ الْعَصْرَ فَقَامَتْ وَسَطَهُنَّ وَرُوِيَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا أَمَّتْهُنَّ فَقَامَتْ وَسَطَهُنَّ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ جَارِيَةً لَهُ تَقُومُ بِأَهْلِهِ فِي رَمَضَانَ وَعَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ مِنَ السُّنَّةِ أَنْ تُصَلِّيَ الْمَرْأَةُ بِنِسَاءٍ تَقُومُ وَسَطَهُنَّ "

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي صَلَاةِ الْمَرْأَةِ بِالنِّسَاءِ جَمَاعَةً عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ

فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهَا أَنْ تَؤُمَّ النِّسَاءَ فَرْضًا وَنَفْلًا

وَقَالَ مَالِكٌ وأبو حنيفة يُكْرَهُ لَهَا أَنْ تَؤُمَّ فِي الْفَرْضِ وَالنَّفْلِ

وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ يُكْرَهُ لَهَا الْإِمَامَةُ فِي الْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ، تَعَلُّقًا بِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: " أَخِّرُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَخَّرَهُنَّ اللَّهُ "

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 642 - 645

ارجع إلى صلاة الجماعة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله