هل تجوز الصلاة أمام الإمام للزحام؟

الإسلام > الصلاة > صلاة الجمعة > هل تجوز الصلاة أمام الإمام للزحام؟

آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08

📖 28 دقيقة قراءة

هل تجوز الصلاة أمام الإمام للزحام؟ - الأقوال والأدلة

فتَركُ النَّبيِّ هذا الأمرَ الذي كانَ عندَه أفضَلَ الأمرَينِ للمُعارِضِ الرَّاجحِ، وهو حُدثانُ عَهدِ قُريشٍ بالإِسلامِ؛ لمَا في ذلك مِنْ التَّنفيرِ لهم؛ فكانَتِ المَفسَدةُ راجِحةً على المَصلَحةِ … إلخ (١).

هل تَجوزُ الصَّلاةُ أَمامَ الإمامِ لِلزِّحامِ؟

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ صَلاةِ المَأمومِ أمامَ الإمامِ، هل تَصحُّ مُطلَقًا سَواءٌ وُجدَ زِحامٌ أم لم يُوجَدْ؟ أم لا تَصحُّ مُطلَقًا سَواءٌ وُجدَ زِحامٌ أو لم يُوجدْ؟ أم تَصحُّ عندَ وُجودِ الزِّحامِ ولا تَصحُّ إذا لم يُوجَدْ؟

فذهَبَ المالِكيةُ في المَشهورِ إلى جَوازِ صَلاةِ المَأمومِ أمامَ الإمامِ معَ الكَراهةِ مِنْ غيرِ ضَرورةٍ، فإنْ وُجِدتْ ضَرورةٌ كالزِّحامِ جازَ بلا كَراهةٍ.

جاءَ في «الشَّرْح الكَبِير» للدِّرديرِ رحمة الله عليه: (و) كُرِهَتْ للجَماعةِ (صَلاةٌ بينَ الأساطِينِ) أي: الأعمِدةِ، (أو) صَلاةٌ (أمامَ) أي: قُدَّامَ (الإمامِ) أو بمُحاذاتِه (بلا ضَرورةٍ).

قالَ الدُّسوقيُّ في «حاشِيتِه على الشَّرحِ الكَبيرِ»: قولُه: (أو أمامَ الإمامِ) أي: ولو تَقدَّمَ الجَميعَ؛ لأنَّ مُخالَفةَ الرُّتبةِ لا تُفسِدُ الصَّلاةَ، كما لو وقَفَ على يَسارِ الإمامِ فإنَّ صَلاةَ المَأمومِ لا تَبطلُ، ورَأى بعضُهم أنَّ وُقوفَ المَأمومِ أمامَ الإمامِ مِنْ غَيرِ ضَرورةٍ مُبطِلٌ لصَلاتِه، وهو ضَعيفٌ، كما أنَّ القولَ بأنَّه إذا تقدَّمَ جَميعَ المأمومِينَ عليهِ تَبطلُ عليهِ وعَليهِم، وإلا فلا بُطلانَ، كذلكَ

(١) «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ١٩٣، ١٩٥).

ضَعيفٌ، قالَ أبو الحَسنِ على قَولِ «المُدوَّنَة»: «وإنْ صَلَّى الإمامُ بالناسِ في السفينةِ أسفَلَ وهُم فَوقُ أجزَأَهم إنْ كانَ إمامُهم قُدَّامَهم» ما نَصُّه: مَفهومُه: لو لم يَكنْ قُدَّامَهم لم يُجْزِئْهم، وليسَ كذلكَ، بل هيَ مُجزِئةٌ ولو لم يَكنْ قُدَّامَهم، وإنما المعنَى إذا كانَ قُدامَهم يُجزِئُهم بلا كَراهةٍ. اه بن (١).

ولا فرْقَ عندَ المالِكيةِ بينَ الرَّجلِ والمَرأةِ، قالَ الآبيُّ الأزهَريُّ رحمة الله عليه: وحُكمُ هذهِ المَراتبِ الاستِحبابُ، فمَن خالَفَ مَرتبةً وصَلَّى في غيرِها لا شيءَ عليهِ، إلا أنَّ المَرأةَ إذا تَقدَّمتْ إلى مَرتبةِ الرَّجلِ أو أمامَ الإمامِ فكالرَّجلِ يَتقدمُ أمامَ الإمامِ يُكرَهُ له ذلكَ مِنْ غيرِ عُذرٍ، ولا تَفسدُ صَلاةُ الإمامِ الذي تَقدَّمَتِ المَرأةُ أمامَهُ ولا صلاةُ مَنْ مَعه، إلا أنْ يَلتذَّ برُؤيتِها أو بمُماسَّتِها، وضُعِّفَ القولُ بالبُطلانِ بالتلذُّذِ بالرُّؤيةِ حيثُ لا مُماسَّةَ ولا إنزالَ، فلو تَقدمَ المأمومُ لعُذرٍ كضِيقِ المَسجدِ جازَ مِنْ غيرِ كَراهةٍ (٢).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في الأظهَرِ والحَنابلةُ في المَشهورِ إلى أنه لا تَصحُّ صَلاةُ المأمومِ أمامَ الإمامِ.

قالَ الإمامُ السَّرخسيُّ رحمة الله عليه: وإنْ تَقدَّمَ المُقتدِي على الإمامِ لا يَصحُّ اقتِداؤُه به، إلا على قَولِ مالكٍ رحمة الله عليه؛ فإنه يَقولُ: الواجِبُ عليه المُتابَعةُ في الأفعالِ، فإذا أتَى به لم يَضرَّه قِيامُه قُدَّامَ الإمامِ).

(١) «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (١/ ٣٣١).
(٢) «الثمر الداني شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني» ص (١٥٦)، و «كفاية الطالب الرباني» (١/ ٣٨٧).

(ولنَا): الحَديثُ: ليسَ معَ الإمامِ مَنْ يقدمُهُ، ولأنه إذا تَقدَّمَ على الإمامِ اشتَبهَ عليه حالةُ افتِتاحِه واحتاجَ إلى النَّظرِ وَراءَه في كلِّ وَقتٍ ليَقتديَ به، فلِهذا لا يَجوزُ (١).

وقالَ الإمامُ الماوَرديُّ رحمة الله عليه: فأمَّا إذا تقدَّمَ المأمومُ على إمامِه في المَوقفِ فوقَفَ قُدَّامَ إمامِه فذلكَ ضَربانِ:

أحَدُهما: أنْ يكونَ بمَكةَ، والضَّربُ الثاني: بغَيرِها.

فإنْ كانَ بغَيرِ مكَّةَ ففي بُطلانِ صَلاةِ المَأمومِ المُتقدِّمِ على إمامِه قَولانِ:

أحَدُهما: قالَه في القَديمِ: صَلاتُه جائِزةٌ؛ لأنه ليسَ في التقدُّمِ على الإمامِ أكثَرُ مِنْ مُخالَفةِ المَوقفِ المَسنونِ، ومُخالَفةُ المَوقفِ المَسنونِ لا يَمنعُ مِنْ صحَّةِ الصلاةِ، كالمَأمومِ الواحِدِ إذا وقَفَ على يَسارِ إمامِه، أو الجَماعةِ إذا وَقَفوا على يَمينِه ويَسارِه.

والقولُ الثاني: قالَه في الجَديدِ، وهو الصَّحيحُ: صَلاتُه باطِلةٌ؛ لقَولِه : «إنما جُعلَ الإمامُ ليُؤتَمَّ به» (٢)، والائتِمامُ الاتِّباعُ، والمُتقدِّمُ على إمامِه لا يَكونُ تابعًا، بل يكونُ مَتبوعًا، ولأنَّ على المَأمومِ اتِّباعَ إمامِه في مَوقفِه وأفعالِه، فلمَّا لَمْ يَجُزْ له التَّقدمُ عليهِ في إحرامِه وأفعالِ صَلاتِه لم يَجُزْ له التقدُّمُ عليه في مَوقفِ صلاتِه.

(١) «المبسوط» (١/ ٤٣).
(٢) حَديثٌ صَحيحٌ: تَقدَّمَ.

وإنْ كانَ بمكَّةَ فله حالانِ: أحَدُهما: أنْ يُصليَ في مَسجدِها، والثاني: في غَيرِ مَسجدِها في مَنازلِها.

فإنْ صلَّى في غيرِ مَسجدِها فحُكمُه حُكمُ المُصلِّي في غيرِها، وفي بُطلانِ صَلاتِه إذا تقدَّمَ على إمامِه قَولانِ كما مضَى.

وإنْ صلَّى في مَسجدِها فالسُّنةُ أنْ يَستديرَ الناسُ حولَ الكَعبةِ وراءَ الإمامِ وتُجاهَه، ويَكونُ مَوقفُ الإمامِ عندَ المَقامِ مُستقبِلًا لبابِ الكَعبةِ مُستدبِرًا لبابِ بَني شَيبةَ، وإنْ وقَفَ مُستقبِلًا للكَعبةِ أجزَأهُ، ويَجبُ أنْ يكونَ الإمامُ أقرَبَ إلى الكَعبةِ مِنْ المَأمومينَ، فإنْ كانَ الإمامُ منها على نَحوِ الذِّراعِ تأخَّرَ المَأمومينَ نحوَ الذِّراعينِ، فإنْ فعَلَ هذا الذينَ هُمْ وَراءَ الإمامِ كانَ في بُطلانِ صَلاتِهم قَولانِ كما مضَى، وإنْ فعَلَه الذينَ هُمْ في مُقابَلتِه فقدْ قالَ الشافِعيُّ أيضًا في كِتابِ «الأُمّ»: «إنَّ صَلاتَهم جِائزةٌ»، وقالَ في «الجَامِع»: «إذا تَوجَّهَ الإمامُ إلى الكَعبةِ فائْتَمَّ به قَومٌ على ظَهرِ الكَعبةِ أجزَأتْهم صَلاتُهم»، ومَعلومٌ أنَّ مَنْ على ظَهرِ الكَعبةِ أقرَبُ إليها مِنْ الإمامِ.

واختَلفَ أصحابُنا في ذلكَ على وَجهينِ: أحَدُهما: قالَ أبو إسحاقَ أنَّ في صَلاتِهم قَولينِ كما مضَى، وحُملَ مَنصوصُ الشافِعيِّ على أحَدِهما.

والوَجهُ الثاني: وهو قَولُ جُمهورِهم: إنَّ صَلاتَهم جائزةٌ قَولًا واحِدًا؛ استِعمالًا لظاهِرِ نَصِّه، والفَرقُ بينَهُم وبينَ غَيرِهم مِنْ وَجهينِ: أحَدُهما: أنهُم وإنْ كانوا إلى البيتِ أقرَبَ مِنْ الإمامِ فإنهُم غيرُ مَوصوفينِ بالتقدُّمِ عليهِ؛ لأنهُم في مُقابَلتِه ومُحاذاتِه، وغيرُهم إذا كانَ إلى القِبلةِ أقرَبَ صارَ

مُتقدِّمًا عليهِ، فخرَجَ بالتقدُّمِ مِنْ اتِّباعِه، وسرَى ذلكَ في صحَّةِ صَلاتِه، والفَرقُ الثاني: أنهُم وإنْ كانُوا أقرَبَ إلى البَيتِ مِنْ الإمامِ فيُمكِنُهم مُشاهَدةُ أفعالِه والاقتداءُ بهِ، وغيرُهم إذا تقدَّمَ إمامَه لم يَقدرْ على اتِّباعِه ولا على فِعلِ الصَّلاةِ بفِعلِه، فافتَرقَا مِنْ هذَينِ الوَجهينِ في صحَّةِ الصلاةِ وبُطلانِها (١).

وقالَ الإمامُ الشِّيرازيُّ رحمة الله عليه: فإنْ تَقدَّمَ المأمومُ على الإمامِ ففيهِ قَولانِ:

قالَ في القَديمِ: لا تَبطلُ صَلاتُه، كما لو وقَفَ خلْفَ الإمامِ وحْدَه.

وقالَ في الجَديدِ: تَبطلُ؛ لأنه وقَفَ في مَوضعٍ ليسَ مَوقفَ مُؤتَمٍّ بحالٍ، فأشبَهَ إذا وقَفَ في مَوضعٍ نَجسٍ.

قال النووي رحمة الله عليه: الشَّرحُ: إذا تَقدَّمَ المأمومُ على إمامِه في المَوضعِ فقَولانِ مَشهورانِ: الجَديدُ الأظهَرُ: لا تَنعقدُ، وإنْ كانَ في أثنائِها بَطلَتْ، والقَديمُ: انعِقادُها، وإنْ كانَ في أثنائِها لم تَبطلْ، ودَليلُهما في الكِتابِ، وإنْ لم يَتقدَّمْ لكنْ ساواهُ لم تَبطلْ بِلا خِلافٍ، لكنْ يُكرَهُ، والاعتبارُ في التَّقدمِ والمُساواةِ بالعَقبِ على المَذهبِ، وبه قطَعَ الجُمهورُ، فلو تَساويَا في العَقبِ وتَقدَّمتْ أصابعُ المأمومِ لم يَضرَّه، وإنْ تَقدَّمتْ عَقبُه وتأخَّرتْ أصابعُه عن أصابعِ الإمامِ فعَلى القَولينِ، وقيلَ: يَصحُّ قَطعًا، حكاهُ الرافِعيُّ وآخَرونَ، وقالَ في «الوَسِيط»: الاعتِبارُ بالكَعبِ، والمَذهبُ المَعروفُ: الأولُ (٢).

(١) «الحاوي الكبير» (٢/ ٣٤١، ٣٤٢).
(٢) «المجموع» (٢٥٦، ٢٥٧).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: السُّنةُ أنْ يَقفَ المَأمومونَ خلْفَ الإمامِ، فإنْ وَقَفوا قُدَّامَه لم تَصحَّ، وبهذا قالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ.

وقالَ مالكٌ وإسحاقُ: تَصحُّ؛ لأنَّ ذلكَ لا يَمنعُ الاقتِداءَ به، فأشبَهَ مَنْ خلْفَه.

ولنَا: قَولُه : «إنِّما جُعلَ الإمامُ ليُؤتَمَّ به» (١)، ولأنه يَحتاجُ في الاقتِداءِ إلى الالتِفاتِ إلى وَرائِه، ولأنَّ ذلكَ لم يُنقلْ عن النبيِّ ولا هو في معنَى المَنقولِ، فلمْ يَصحَّ كما لو صلَّى في بَيتِه بصَلاةِ الإمامِ، ويُفارِقُ مَنْ خلْفَ الإمامِ؛ فإنه لا يَحتاجُ في الاقتِداءِ إلى الالتِفاتِ إلى وَرائِه (٢).

وقالَ الإمامُ المِرداويُّ رحمة الله عليه: قَولُه: «السُّنةُ أنْ يَقفَ المَأمومونَ خَلفَ الإمامِ، فإنْ وَقَفوا قُدَّامَه لم تَصحَّ».

هذا المَذهبُ بلا رَيبٍ، وعليهِ جَماهيرُ الأصحابِ، وقطَعَ به كَثيرٌ منهُم، وذكَرَ الشيخُ تَقيُّ الدِّينِ وَجهًا قالوهُ: وتَصحُّ مُطلَقًا، قالَ في «الفُرُوع»: والمُرادُ: وأمكَنَ الاقتِداءُ، وهو مُتجِهٌ. انتهى

وقيلَ: تَصحُّ في الجُمعةِ والعِيدِ والجنازةِ ونحوِها لعُذرٍ، اختارَه الشَّيخُ تَقيُّ الدِّينِ، وقالَ: مَنْ تأخَّرَ بلا عُذرٍ فلمَّا أذَّنَ جاءَ فصَلَّى

(١) حَديثٌ صَحيحٌ: تَقدَّمَ.
(٢) «المغني» (٢/ ٤٢٦).

قُدَّامَه عُذِرَ، واختارَه في «الفَائِق» وقالَ: قلتُ: وهو مُخرَّجٌ مِنْ تَأخرِ المَرأةِ في الإمامةِ. انتهى

قُلتُ: وفيه نَظرٌ (١).

وذهَبَ الحَنابلةُ في رِوايةٍ اختارَها شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ إلى أنه إذا صَلَّى أمامَ الإمامِ لعُذرٍ كالزِّحامِ في صَلاةِ الجُمعةِ والجنازةِ صحَّتْ صَلاتُه، وتكونُ صَلاتُه أمامَ الإمامِ خَيرًا مِنْ صَلاتِه وحْدَه.

سُئلَ شَيخُ الإسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: هل تُجزِئُ الصلاةُ قُدَّامَ الإمامِ أو خلْفَه في المَسجدِ وبينَهُما حائلٌ أم لا؟

فأجابَ: أما صَلاةُ المَأمومِ قُدَّامَ الإمامِ ففيها ثَلاثةُ أَقوالٍ للعُلماءِ:

أحَدُها: أنها تَصحُّ مُطلَقًا، وإنْ قيلَ: إنها تُكرَهُ، وهذا القَولُ هو المَشهورُ مِنْ مَذهبِ مالكٍ والقَولُ القَديمُ للشافِعيِّ.

والثاني: أنها لا تَصحُّ مُطلقًا، كمَذهبِ أبي حَنيفةَ والشافِعيِّ وأحمَدَ في المَشهورِ مِنْ مَذهبِهما.

والثالثُ: أنها تَصحُّ مع العُذرِ دونَ غيرِه، مثلَ ما إذا كانَ زَحمةٌ فلمْ يُمكِنْه أنْ يُصليَ الجُمعةَ أو الجنازةَ إلا قُدامَ الإمامِ، فتكونُ صَلاتُه قُدامَ الإمامِ خَيرًا له مِنْ تَركِه للصلاةِ، وهذا قَولُ طائِفةٍ مِنْ العُلماءِ، وهو قَولٌ في مَذهبِ أحمَدَ وغيرِه، وهو أعدَلُ الأقوالِ وأرجَحُها؛ وذلكَ لأنَّ ترْكَ التَّقدمِ

(١) «الإنصاف» (٢/ ٢٨٠).

على الإمامِ غايتُه أنْ يكونَ واجِبًا مِنْ واجِباتِ الصَّلاةِ في الجَماعةِ، والواجِباتُ كلُّها تَسقطُ بالعُذرِ، وإنْ كانَتْ واجِبةً في أصلِ الصَّلاةِ، فالواجِبُ في الجَماعةِ أَولى بالسُّقوطِ، ولهذا يَسقطُ عن المُصلِّي ما يَعجزُ عنه مِنْ القِيامِ والقِراءةِ واللِّباسِ والطَّهارةِ وغيرِ ذلكَ (١).

وقالَ الإمامُ أبو بَكرٍ ابنُ المُنذرِ رحمة الله عليه: سَنَّ رسولُ اللهِ أنْ يَكونَ الإمامُ أمامَ المأمومِينَ.

واختَلفَ أهلُ العلم في المَأمومِ يُصلِّي أمامَ الإمامِ في حالِ الضَّرورةِ مِنْ الزِّحامِ وما أشبَهَ ذلكَ:

فقالَتْ طائِفةٌ: إذا كانَ كذلكَ فصَلاةُ مَنْ صلَّى منهم أمامَ الإمامِ جائِزةٌ، هذا قولُ مالكٍ إذا ضاقَ الزِّحامُ في الجُمعةِ، وكذلكَ قالَ إسحاقُ وأبو ثَورٍ، ورُويَ ذلكَ عنِ الحَسنِ.

وقالَتْ طائِفةٌ: لا يُجزِي المأمومَ أنْ يُصليَ أمامَ إمامِه، هذا قولُ الشافعيِّ وأصحابِ الرَّأيِ، وقد كانَ الشافعيُّ إذ هو بالعِراقِ يَقولُ: هو مِنْ قولِ مالكٍ، ثمَّ رجَعَ عنه بمِصرَ (٢).

(١) «مجموع الفتاوى» (٢٣/ ٤٠٤، ٤٠٥).
(٢) «الأوسط» (٤/ ٢٣٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الصلاة)
(باب صلاة الإمام قاعدا بقيام وقائما بقعود)

(بَابُ صَلَاةِ الْإِمَامِ قَاعِدًا بقيامٍ وَقَائِمًا بقعودٍ)

(مسألة)

: قال الشافعي وَأُحِبُّ لِلْإِمَامِ إِذَا لَمْ يَسْتَطِعِ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ فَإِنْ صَلَّى قَاعِدًا وَصَلَّى الَّذِينَ خَلْفَهُ قِيَامًا أَجْزَأَتْهُ وَإِيَّاهُمْ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي مَرَضِهِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ وَفِعْلُهُ الْآخِرُ ناسخٌ لِفِعْلِهِ الْأَوَّلِ وَفَرَضَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى الْمَرِيضِ أَنْ يُصَلِّيَ جَالِسًا إِذَا لَمْ يَقْدِرْ قَائِمًا وَعَلَى الصَّحِيحِ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا فَكُلٌّ قَدْ أَدَّى فَرْضَهُ

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ

يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ إِذَا لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا لِمَرَضِهِ وَعَجْزِهِ أَنْ يَسْتَخْلِفَ عَلَيْهِمْ مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ قَائِمًا لِأَمْرَيْنِ

أَحَدُهُمَا: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - اسْتَخْلَفَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الصَّلَاةِ فِي مَرَضِهِ فَقَالَ مرُوا بِلَالًا فَلْيُؤَذِّنْ ومُرُوا أَبَا بكرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ

وَالثَّانِي: أَنَّ صَلَاةَ الْقَائِمِ أَكْمَلُ مِنْ صَلَاةِ الْقَاعِدِ مِنَ الْإِلْبَاسِ عَلَى الرَّاجِلِ فَلَا يَدْرِي إِذَا رَآهُ جَالِسًا أَهُوَ فِي مَكَانِ قِيَامٍ، أَوْ جُلُوسٍ

فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - بِأَصْحَابِهِ قَاعِدًا فِي مَوْضِعِهِ

فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ

أَحَدُهَا: أَنَّ أَكْثَرَ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - فِي مَرَضِهِ الِاسْتِخْلَافُ فِي الصَّلَاةِ، وَإِنَّمَا صَلَّى قاعداً مرتين أو ثلاث فكان الاقتداء بأكثر أفعاله الأولى

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصلاة
فصل أركان الصلاة

الْمُقِيمِينَ، فَإِنْ عَلِمَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْمِصْرَ أَنَّ الْمَاءَ أَمَامَهُ فَمَشَى إلَيْهِ فَتَوَضَّأَ - صَلَّى أَرْبَعًا أَيْضًا؛ لِأَنَّ بِالنِّيَّةِ صَارَ مُقِيمًا، فَبِالْمَشْيِ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ أَمَامَهُ لَا يَصِيرُ مُسَافِرًا فِي حَقِّ تِلْكَ الصَّلَاةِ وَإِنْ حَصَلَتْ النِّيَّةُ مُقَارِنَةً لِفِعْلِ السَّفَرِ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّهُ لَوْ جُعِلَ مُسَافِرًا لَفَسَدَتْ صَلَاتُهُ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ عَمَلٌ، فَحُرْمَةُ الصَّلَاةِ مَنَعَتْهُ عَنْ مُبَاشَرَةِ الْعَمَلِ شَرْعًا، بِخِلَافِ الْإِقَامَةِ؛ لِأَنَّهَا تَرْكُ السَّفَرِ، وَحُرْمَةُ الصَّلَاةِ لَا تَمْنَعُهُ عَنْ ذَلِكَ، فَلَوْ تَكَلَّمَ حِينَ عَلِمَ بِالْمَاءِ أَمَامَهُ، أَوْ أَحْدَثَ مُتَعَمِّدًا حَتَّى فَسَدَتْ صَلَاتُهُ، ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ فِي مَكَانِهِ يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي أَرْبَعًا؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُقِيمًا، وَلَوْ مَشَى أَمَامَهُ ثُمَّ وَجَدَ الْمَاءَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مُسَافِرًا ثَانِيًا بِالْمَشْيِ إلَى الْمَاءِ بِنِيَّةِ السَّفَرِ خَارِجَ الصَّلَاةِ، فَيُصَلِّي صَلَاةَ الْمُسَافِرِينَ، بِخِلَافِ الْمَشْيِ فِي الصَّلَاةِ؛ لِأَنَّ حُرْمَةَ الصَّلَاةِ أَخْرَجَتْهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ سَفَرًا - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ -.

فَصْلٌ أَرْكَانُ الصَّلَاةِ

(فَصْلٌ) :

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الصلاة
كتاب صلاة الخوف

كتابُ صلاةِ الخَوْفِ

صلاةُ الخَوْفِ ثَابِتَةٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ؛ أما الكِتَابُ فقولُ اللهِ تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ} الآية. وأمَّا السُّنَّةُ فثَبَتَ أنَّ النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصَلِّى صَلَاةَ الخَوْفِ، وجُمْهُورُ العُلَمَاءِ مُتَّفِقُونَ على أنَّ حُكْمَها باقٍ بعدَ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-. وقال أبو يوسفَ: إنَّما كانت تَخْتَصُّ بالنَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لِقَوْلِه تعالى: {وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ} . وليس بِصَحِيحٍ؛ فإنَّ ما ثَبَتَ في حَقِّ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ثَبَتَ في حَقِّنَا، ما لم يَقُمْ دَلِيلٌ على اخْتِصَاصِه به، فإنَّ اللهَ تعالى أمَرَ بِاتِّبَاعِه بقَوْلِه: {فَاتَّبِعُوهُ} . وسُئِلَ عن القُبْلَةِ لِلصَّائِمِ، فأجَابَ: "بأَنَّنِى أَفْعَلُ ذلك" ، فقال السَّائِلُ: لستَ مِثْلَنا، فغَضِبَ وقال: "إنِّي لَأَرْجُو أنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ للهِ تَعَالَى، وأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتَّقِى" . ولو اخْتَصَّ بِفِعْلِهِ لَما كان الإِخْبَارُ بِفِعْلِه جَوَابًا، ولا غَضِبَ من قولِ السَّائِلِ لستَ مِثْلَنا؛ لأن قَوْلَه إذًا يكونُ صَوَابًا. وكان أصْحَابُ النَّبِيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَحْتَجُّونَ بأفْعَالِ رسولِ اللهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ويَرَوْنَها مُعَارِضَةً لِقَوْلِه ونَاسِخَةً له، ولذلك لمَّا أخْبَرَتْ عائشةُ وأُمُّ سَلَمَةَ بَأنَّ النَّبِيَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصْبِحُ جُنُبًا مِن غيرِ احْتِلَامٍ، ثم يَغْتَسِلُ، ويَصُومُ ذلك اليَوْمَ . تَرَكُوا به خَبَرَ أبي

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 56 - 63

ارجع إلى صلاة الجمعة للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده