الإسلام > الصلاة > صلاة الجمعة > هل للجمعة سنة قبلية أو لا؟
آخر تحديث 05 أغسطس 2026 - 04:08
📖 25 دقيقة قراءةوقالَ القاضِي عبدُ الوهَّابِ المالِكيُّ رحمة الله عليه: إذا فاتَتهمُ الجمُعةُ فالمُستحَبُّ لهم أن يَقضُوها ظُهرًا مُنفرِدينَ، خِلافًا لِلشافِعيِّ في استِحبابِه لهم أن يَقضُوها ظُهرًا في جَماعةٍ؛ لأنَّ مِنْ أصلِنا الحُكمَ بالذَّرائِعِ، وهي مَنعُ ظاهِرِ الشَّيءِ المُباحِ إذا كان فيه تَطَرُّقٌ لِأهلِ البِدَعِ إلى الشَّيءِ المَحظورِ، وفي قَضاءِ الظُّهرِ ههنا جَماعةً ذَريعةٌ إلى المُبتَدعةِ في فَواتِ الجمُعةِ ليُصلُّوا الظُّهرَ خلفَ مَنْ يَعتقِدونَ إمامَتَه، ويُظهِروا فَواتَ الجمُعةِ، فوَجبَ كَراهَتُها لذلك (١).
هل لِلجمُعةِ سُنةٌ قَبليَّةٌ أو لا؟
اختَلفَ العُلماءُ في سُنَّةِ الجمُعةِ القَبليَّةِ على قولَينِ:
القولُ الأوَّلُ: أنَّه يُسنُّ أن يُصلِّيَ رَكعَتينِ أو أربَعًا قبلَ الجمُعةِ، وممَّن قالَ بهذا الحَنفيةُ والشافِعيةُ والحَنابلَةُ على تَفصيلٍ عندَهم.
قالَ الإمامُ السَّرخسِيُّ رحمة الله عليه: «والتَّطوُّعُ بعدَ الجمُعةِ أربَعٌ لا فَصلَ بينَهُنَّ إلا بتَشهُّدٍ، وقبلَ الجمُعةِ أربَعٌ، أما قبلَ الجمُعةِ فلأنَّها نَظيرُ الظُّهرِ، والتَّطوُّعُ قبلَ الظُّهرِ أربَعُ رَكعاتٍ» (٢).
وقالَ في «الدُّرّ المُختار»: «وسُنَّ مُؤكَّدًا أربَعٌ قبلَ الظُّهرِ، وأربَعٌ قبلَ الجمُعةِ، وأربَعٌ بعدَها، بتَسليمةٍ» (٣).
(١) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٢/ ٨، ٩) رقم (٣٣٥).
(٢) «المبسوط» (١/ ١٥٧).
(٣) «الدُّر المختار» (٢/ ١٢)، وانظر أيضًا: «معاني الآثار» (١/ ٢٨٥)، و «الاختيار لتعليل المختار» (١/ ٧٢)، و «تبيين الحقائق» (١/ ١٧٢)، و «البحر الرائق» (٢/ ٥٣).
وقالَ الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه في «الأُمّ»: «نَأمرُ المَأمومَ بالنَّافِلةِ قبلَ الجمُعةِ وبعدَها» (١).
وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: «فَرعٌ: في سُنةِ الجمُعةِ بعدَها وقبلَها: تُسَنُّ قبلَها وبعدَها صَلاةٌ، وأقَلُّها رَكعَتانِ قبلَها، ورَكعَتانِ بعدَها، والأكمَلُ أربَعٌ قبلَها، وأربَعٌ بعدَها، هذا مُختصَرُ الكَلامِ فيها … » (٢).
وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: «فأمَّا الصَّلاةُ قبلَ الجمُعةِ، فلا أعلَمُ فيه إلا ما رُويَ، أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يَركعُ مِنْ قبلِ الجمُعةِ أربَعًا» (٣) أخرَجه ابنُ ماجه، ورَوى عَمرُو بنُ سَعيدِ بنِ العاصِ، عن أبيه قالَ: «كُنْتُ أَلقَى أَصحابَ رَسولِ اللهِ ﷺ، فَإِذَا زالَت الشَّمسُ قَامُوا فَصَلوا أَربَعًا». قالَ أَبو بَكرٍ -أي: ابنُ عَياشٍ-: كُنا نَكونُ مع حَبيبِ ابنِ أَبي ثابِتٍ في الجمُعةِ، فيَقولُ: أزالَت الشَّمسُ بَعدُ؟ أو يَلتفِتُ فيَنظرُ، فإذا زالَت الشَّمسُ، صلَّى الأربعَ التي قبلَ الجمُعةِ، وعن أَبي عُبيدةَ عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ، أنَّه كان يُصلِّي قبلَ الجمُعةِ أربعَ رَكعاتٍ، وبعدَها أربعَ رَكعاتٍ (٤).
وقالَ البُهوتِيُّ رحمة الله عليه: وليسَ لها (أي: الجمُعةِ) قبلَها سُنةٌ راتِبةٌ نَصًّا، بل يُستحبُّ أربَعُ رَكعاتٍ، وقالَ عبدُ اللهِ -أي: ابنُ الإمامِ أحمدَ-: رَأيتُ
(١) «الأمُّ» (١/ ٢٣٤).
(٢) «المجموع» (٤/ ١٢).
(٣) ضَعيفٌ جِدًّا: رواه ابن ماجه (١١٢٩) عن ابن عَباسٍ.
(٤) حَديثٌ صَحيحٌ، كما سيَأتي، وانظر: «المغني» (٢/ ١٠٩) (٣/ ٩٢، ٩٣).
أَبي يُصلِّي في المَسجدِ إذا أذَّنَ المُؤذِّنُ أربعَ رَكعاتٍ (١).
وقالَ إِسحاقُ بنُ إِبراهيمَ بنِ هانِئٍ في «مَسائلِه لِلإمامِ أحمدَ»: رأيتُ أبا عبدِ اللهِ -يَعني أحمدَ- إذا كانَ يَومُ الجمُعةِ يُصلِّي إلى أن يَعلَمَ أنَّ الشَّمسَ قد قارَبَت أن تَزولَ، فإذا قارَبَت أمسَكَ عن الصَّلاةِ حتى يُؤذِّنَ المُؤذِّنُ، فإذا أخَذَ في الأذانِ قامَ فصلَّى رَكعَتينِ أو أربَعًا، يَفصِلُ بينَهما بالسَّلامِ.
وقالَ أيضًا: رَأَيتُ أبا عبدِ اللهِ إذا أذَّنَ المُؤذِّنُ يومَ الجمُعةِ صلَّى رَكعَتينِ، وربَّما صلَّى أربَعًا على خِفَّةِ الأذانِ وطُولِه.
قالَ ابنُ رَجبٍ رحمة الله عليه: وممَّا يَدلُّ على استِحبابِ الصَّلاةِ في هذا الوقتِ يومَ الجمُعةِ: أنَّه وقتٌ يُرجَى فيه ساعةُ الإجابةِ، فالمُصلِّي فيه يَدخلُ في قولِه ﷺ: «لا يُوافِقُها عبدٌ قائِمٌ يُصلِّي، يَسألُ اللهَ شَيئًا إلا أَعطاه». ثم قالَ: وقدِ اختُلفَ في الصَّلاةِ قبلَ الجمُعةِ: هل هي مِنْ السُّننِ الرَّواتبِ كسُنةِ الظُّهرِ قبلَها، أو هي مُستحبَّةٌ مُرغَّبٌ فيها، كالصَّلاةِ قبلَ العَصرِ؟ وأكثرُ العُلماءِ على أنَّها سُنةٌ راتِبةٌ، منهمُ: الأَوزاعيُّ والثَّوريُّ وأبو حَنيفةَ وأَصحابُه، وهو ظاهرُ كَلامِ أحمدَ، وقد ذكَرَ القاضِي أبو يَعلى في «شَرح المُهذَّبِ»، وابنُ عَقيلٍ، وهو الصَّحيحِ عندَ أَصحابِ الشافِعيِّ، وقالَ كَثيرٌ مِنْ مُتأَخِّري أَصحابِنا: ليسَت سُنةً راتِبةً، بَلْ مُستحَبَّةٌ (٢).
(١) «كشاف القناع» (٢/ ٤١)، و «مطالب أولي النُّهى» (١/ ٧٨٢).
(٢) «فتح الباري» لابن رجب (٥/ ٥٤٢، ٥٤٤)، وله رسالة في هذا سَمَّاها: «نَفي البِدعة عن الصَّلاة قبلَ الجمُعة». وانظر في هذا: «الإنصاف» (٢/ ٤٠٦)، و «نيل الأوطار» (٣/ ٣١٢، ٣١٤)، و «طرح التَّثريب» (٣/ ٣٦)، و «مُغني المحتاج» (١/ ٢٢٠).
واستدَلُّوا على ذلك بأَحاديثَ وآثارٍ، منها:
١ - عن نافِعٍ: «كانَ ابنُ عمرَ يُطِيلُ الصَّلاةَ قبلَ الجمُعةِ، ويُصلِّي بعدَها رَكعَتينِ في بَيتِه، ويُحدِّثُ أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ كانَ يَفعلُ ذلك» (١).
٢ - عن أَبي عبدِ الرَّحمنِ السُّلميِّ قالَ: «كانَ عبدُ اللهِ بنُ مَسعُودٍ يَأمرُنَا أَنْ نُصَلِّيَ قبلَ الجمُعةِ أَربَعًا، وَبعدَها أَربَعًا، حتى جاءَنا عَلِيٌّ فأَمرَنا أَنْ نُصلِّيَ بعدَها رَكعَتينِ ثم أَربَعًا» (٢).
٣ - عن نافِعٍ قالَ: «كانَ ابنُ عمرَ يُهجِّرُ يومَ الجمُعةِ، فَيُطِيلُ الصَّلاةَ قبلَ أَنْ يَخرُجَ الإِمَامُ» (٣).
القولُ الثاني: أنَّه ليسَ لِلجمُعةِ سُنةٌ راتِبةٌ قبلَها، وهو قولُ الإمامِ مالِكٍ، وعَزاه شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تيميَّةَ إلى الإمامِ الشافِعيِّ وأكثَرِ أَصحابِه (٤)، وأحمدَ في المَشهورِ عنه.
(١) حَديثٌ صَحيحٌ: رواه ابو داود (١١٢٨).
(٢) رواه عبد الرزاق في «المصنف» (٣/ ٥٥٢٥) عن الثَّوريِّ عن عَطاءِ بن السَّائبِ عن أبي عبدِ الرَّحمنِ السُّلَميِّ به، ومن طريقِه ابن المُنذِر في «الأوسط» (٤/ ١٨٤٦) بلَفظ: «كانَ عبدُ الله بنُ مَسعودٍ يَأمرُنا أن نُصلِّيَ قبلَ الجمُعةِ أربَعًا». وعَطاء بن السَّائبِ اختَلطَ بآخِرِه لكنَّ الثَّوريَّ رَوى عنه قبلَ الاختِلاطِ. ورواه أيضًا الطبراني في «الكبير» (٩٥٥٢).
(٣) رواه ابن أبي شيبة في «المُصنَّف» (١/ ٤٦٣) بإسنادٍ صَحيحٍ.
(٤) تَقدَّمَ نَقلُ الإمامِ الشَّافِعيِّ رحمة الله عليه في «الأُمِّ» (١/ ٢٣٤)، والنَّووي عنه في «المجموع» (٤/ ١٢) أنَّ هذا سُنَّة.
قالَ المالِكيةُ: يُكرَهُ تَنفُّلُ إمامٍ إذا جاءَ وقد حانَ وقتُ الخُطبةِ، وليَرقَ المِنبَرَ كما يَدخلُ؛ لأنَّه ﷺ كانَ إذا دخَلَ رَقَى المِنبَرَ، ولا يَتنفَّلُ، إلا إن بكَّرَ قبلَ ذلك؛ فلا بَأسَ أن يَركَعَ ويَجلِسَ مع النَّاسِ.
ويُكرَهُ تَنفُّلُ جالِسٍ في المَسجدِ يومَ الجمُعةِ عندَ الأذانِ الأوَّلِ لها قبلَ خُروجِ الخَطيبِ؛ وإنَّما يُكرَهُ إذا كانَ يُقتدَى به (مِنْ عالِمٍ أو سُلطانٍ أو إمامٍ) لا غيرِهم؛ خَوفَ اعتِقادِ العامَّةِ وُجوبَه، فلو فعَلَه إِنسانٌ في خاصَّةِ نَفسِه فلا بَأسَ به، إذا لم يُجعَلْ ذلك استِنانًا، ولا يُكرَهُ لداخِلٍ إلى المَسجدِ (١).
فقد سُئلَ شَيخُ الإِسلامِ رحمة الله عليه عن الصَّلاةِ بعدَ الأَذانِ يومَ الجمُعةِ: هل فعَلَه النَّبيُّ ﷺ، أو أحَدٌ مِنْ الصَّحابةِ والتَّابِعينَ، والأئمَّةِ أو لا؟ وهل هو مَنصوصٌ في مَذهبٍ مِنْ مَذاهبِ الأئمَّةِ المُتفَقِ عليهم؟ وقولُ النَّبيِّ ﷺ: «بينَ كلِّ أَذانَينِ صَلاةٌ»، هل هو مَخصوصٌ بيَومِ الجمُعةِ أو هو عامٌّ في جَميعِ الأَوقاتِ؟
فأجابَ رضي الله عنه: الحَمدُ للهِ رَبِّ العالَمِينَ: أمَّا النَّبيُّ ﷺ فإنَّه لم يَكنْ يُصلِّي قبلَ الجمُعةِ بعدَ الأذانِ شَيئًا، ولا نُقلَ هذا عن أحَدٍ، فإنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ لا يُؤَذَّنُ على عَهدِه إلا إذا قعَدَ على المِنبَرِ، ويُؤذِّنُ بِلالٌ، ثم يَخطُبُ النَّبيُّ ﷺ الخُطبَتينِ، ثم يُقيمُ بِلالٌ فيُصلِّي النَّبيُّ ﷺ بالنَّاسِ، فما كانَ يُمكِنُ أن يُصلِّيَ بعدَ الأذانِ هو ولا أحَدٌ مِنْ
(١) «شرح مختصر خليل» (٢/ ٨٧)، و «الفواكه الدواني» (١/ ٢٦٥)، و «منح الجليل» (١/ ٤٤٦)، و «جواهر الدُّرر» (٢/ ٤٧٣).
المسلِمينَ الذينَ يُصلُّونَ معه ﷺ، ولا نقَلَ عنه أحَدٌ أنَّه صلَّى في بَيتِه قبلَ الخُروجِ يومَ الجمُعةِ، ولا وقَّتَ بقولِه صَلاةً مَقدورةً قبلَ الجمُعةِ، بل أَلفاظُه فيها التَّرغيبُ في الصَّلاةِ إذا قدِمَ الرَّجلُ المَسجدَ يومَ الجمُعةِ مِنْ غيرِ تَوقيتٍ، كقولِه: «مَنْ بكَّرَ وابتَكَرَ، وَمَشى ولَم يَركَب، وصلَّى ما كُتبَ لَه»، وهذا هو المَأثورُ عن الصَّحابةِ، كانوا إذا أتَوُا المَسجدَ يومَ الجمُعةِ يُصلُّونَ مِنْ حينِ يَدخُلونَ ما تَيسَّرَ، فمنهم مَنْ يُصلِّي عَشرَ رَكعاتٍ، ومنهم مَنْ يُصلِّي اثنَتَي عَشرَةَ رَكعةً، ومنهم مَنْ يُصلِّي ثَمانِيَ رَكعاتٍ، ومنهم مَنْ يُصلِّي أقَلَّ مِنْ ذلك، ولهذا كانَ جَماهيرُ الأئمَّةِ مُتَّفِقينَ على أنَّه ليسَ قبلَ الجمُعةِ سُنةٌ مُؤقَّتَةٌ بوَقتٍ، مُقدَّرةٌ بعددٍ؛ لأنَّ ذلك إنَّما يثبُتُ بقولِ النَّبيِّ ﷺ أو فِعلِه، وهو لم يَسُنَّ في ذلك شَيئًا، لا بقولِه ولا بفِعلِه، وهذا مَذهبُ مالِكٍ ومَذهبُ الشافِعيِّ وأكثَرِ أَصحابِه، وهو المَشهورُ في مَذهبِ أحمدَ.
وذهَبَ طائِفةٌ مِنْ العُلماءِ إلى أنَّ قبلَها سُنةً، فمنهم مَنْ جَعَلها رَكعَتينِ، كما قالَه طائِفةٌ مِنْ أَصحابِ الشافِعيِّ وأحمدَ، ومنهم مَنْ جعَلَها أربَعًا، كما نُقلَ عن أَصحابِ أَبي حَنيفَةَ، وطائِفةٍ مِنْ أَصحابِ أحمدَ، وقد نُقلَ عن الإمامِ أحمدَ ما استَدلَّ به على ذلك، وهؤلاء منهم مَنْ يَحتَجُّ بحَديثٍ ضَعيفٍ، منهم مَنْ يَقولُ: هي ظُهرٌ مَقصورةٌ، وتَكونُ سُنةُ الظُّهرِ سُنتَها، وهذا خَطأٌ مِنْ وجهَينِ:
الأوَّلُ: أنَّ الجمُعةَ مَخصوصةٌ بأَحكامٍ تُفارِقُ بها ظُهرَ كلِّ يَومٍ باتِّفاقِ المسلِمينَ، وإن سُمِّيت ظُهرًا مَقصورةً فإنَّ الجمُعةَ يُشتَرطُ لها الوقتُ فلا
تُقضَى، وإنَّ الظُّهرَ تُقضَى، وإنَّ الجمُعةَ يُشتَرطُ لها العددُ، والاستِيطانُ، وإذنُ الإمامِ، وغيرُ ذلك، وإنَّ الظُّهرَ لا يُشتَرطُ لها شَيءٌ مِنْ ذلك؛ فلا يَجوزُ أن تُتَلقَّى أَحكامُ الجمُعةِ مِنْ أَحكامِ الظُّهرِ، مع اختِصاصِ الجمُعةِ بأَحكامٍ تُفارِقُ بها الظُّهرَ؛ فإنَّه إذا كانَت الجمُعةُ تُشارِكُ الظُّهرَ في حُكمٍ، وتُفارِقُها في حُكمٍ، لم يَكنْ إِلحاقُ مَورِدِ النِّزاعِ بإحداهُما إلا بدَليلٍ، فليسَ جَعلُ السُّنةِ مِنْ مَوارِدِ الاشتِراكِ بأَولَى مِنْ جَعلِها مِنْ مَوارِدِ الافتِراقِ.
الوَجهُ الآخَرُ: أن يُقالَ: هَب أنَّها ظُهرٌ مَقصورةٌ، فالنَّبيُّ ﷺ لم يَكنْ يُصلِّي في سَفرِه سُنةَ الظُّهرِ المَقصورةِ، لا قبلَها ولا بعدَها، وإنَّما كانَ يُصلِّيها إذا أتَمَّ الظُّهرَ، فصلَّى أربَعًا، فإذا كانَت سُنَّتُه التي فعَلَها في الظُّهرِ المَقصورةِ خِلافَ التامَّةِ، كانَ ما ذَكَروه حُجَّةً عليهم لا لهم، وكانَ السَّببُ المُقتَضِي لِحَذفِ بعضِ الفَريضةِ أَولى بحَذفِ السُّنةِ الرَّاتبةِ، كما قالَ بعضُ الصَّحابةِ: لو كُنْتُ مُتطوِّعًا لَأتمَمتُ الفَريضةَ، فإنَّه لوِ استُحِبَّ للمُسافرِ أن يُصلِّي أربَعًا لَكانَت صَلاةُ الظُّهرِ أربَعًا أَولى مِنْ أن يُصلِّيَ رَكعَتينِ فَرضًا، ورَكعَتينِ سُنةً.
وهذا لأنَّه قد ثبَتَ بسُنَّةِ رَسولِ اللهِ ﷺ المُتواتِرةِ أنَّه كانَ لا يُصلِّي في السَّفرِ إلا رَكعَتينِ الظُّهرَ والعَصرَ والعِشاءَ، وكذلك لمَّا حَجَّ بالنَّاسِ عامَ حَجةِ الوَداعِ، لم يُصلِّ بهم بمنًى، ولا بغيرِها إلا رَكعَتينِ، وكذلك أَبو بَكرٍ بعدَه لم يُصلِّ إلا رَكعَتينِ، وكذلك عمرُ، لم يُصلِّ إلا رَكعَتينِ. اه (١).
(١) «مجموع الفتاوى» (٢٤/ ١٨٨، ١٩١)، وانظر: «زاد المعاد» (١/ ٤٣١، ٤٣٢)، و «طرح التَّثريب» (٣/ ٣٥، ٣٧)، و «شرح الزرقاني» (١/ ٤٧٨)، و «نيل الأوطار» (٣/ ٣١٢، ٣١٤)، و «الإنصاف» (٢/ ٤٠٦).
ثم قالَ شَيخُ الإِسلامِ رحمة الله عليه: والصَّوابُ أن يُقالَ: ليسَ قبلَ الجمُعةِ سُنةٌ راتِبةٌ مُقدَّرةٌ، ولو كانَ الأَذانانِ على عَهدِه؛ فإنَّه قد ثبَتَ عنه في الصَّحيحِ أنَّه قالَ: «بينَ كلِّ أَذانَينِ صَلاةٌ، بينَ كلِّ أَذانَينِ صَلاةٌ، بينَ كلِّ أَذانَينِ صَلاةٌ»، ثم قالَ في الثَّالثَةِ: «لمَن شاءَ»؛ كَراهيَةَ أن يَتَّخِذَها النَّاسُ سُنةً؛ فهذا الحَديثُ الصَّحيحُ يَدلُّ على أنَّ الصَّلاةَ مَشروعةٌ قبلَ العَصرِ، وقبلَ العِشاءِ الآخِرةِ، وقبلَ المَغربِ، وأنَّ ذلك ليسَ بسُنةٍ رَاتِبةٍ، وكذلك قد ثبَتَ أنَّ أَصحابَه كانوا يُصلُّونَ بينَ أذانَيِ المَغربِ، وهو يَراهُم فلا يَنهاهم، ولا يَأمرُهم، ولا يَفعلُ هو ذلك، فدلَّ على أنَّ ذلك فِعلٌ جائِزٌ.
وقدِ احتَجَّ بعضُ النَّاسِ على الصَّلاةِ قبلَ الجمُعةِ بقولِه: «بينَ كلِّ أَذانَينِ صَلاةٌ»، وعارَضَه غيرُه فقالَ: الأذانُ الذي على المَنابرِ لم يَكنْ على عَهدِ رَسولِ اللهِ، ولكنَّ عُثمانَ أمرَ به حينما كثُرَ النَّاسُ على عَهدِه، ولم يَكنْ يَبلُغُهم الأذانُ حينَ خُروجِه وقُعودِه على المِنبَرِ، ويُتوَجَّهُ أن يُقالَ: هذا الأذانُ لمَّا سَنَّه عُثمانُ، واتَّفقَ المُسلِمونَ عليه صارَ أذانًا شَرعيًّا، وحينَئذٍ تَكونُ الصَّلاةُ بينَه وبينَ الأذانِ الثاني جائِزةً حَسَنةً، وليسَت سُنةً رَاتِبةً كالصَّلاةِ قبلَ صَلاةِ المَغربِ، وحينَئذٍ فمَن فعَلَ ذلك لم يُنكَرْ عليه، ومَن ترَكَ ذلك لم يُنكَرْ عليه، وهذا أعدَلُ الأَقوالِ. وكَلامُ الإمامِ أحمدَ يَدلُّ عليه،
وحينَئذٍ قد يَكونُ تَركُها أفضَلَ، إذا كانَ الجُهَّالُ يظُنُّونَ أنَّ هذه سُنةٌ رَاتِبةٌ، أو أنَّها واجِبةٌ؛ فتُتركُ حتى يَعرِفَ النَّاسُ أنَّها ليسَت سُنةً رَاتِبةً، وليسَت واجِبةً، لاسيَّما إذا داوَمَ النَّاسُ عليها؛ فيَنبَغي تَركُها أَحيانًا؛ حتى لا تُشبِهَ الفَرضَ، كما استَحبَّ أكثرُ العُلماءِ ألَّا يُداوَمَ على قِراءةِ السَّجدةِ يومَ الجمُعةِ، مع أنَّه قد ثبَتَ في الصَّحيحِ أنَّ النَّبيَّ ﷺ فعَلَها، فإذا كانَ يُكرَهُ المُداوَمةُ على ذلك، فتَركُ المُداوَمةِ على ما لم يَسُنَّه النَّبيُّ ﷺ أَولى، وإن صلَّاها الرَّجلُ بينَ الأذانَينِ أَحيانًا؛ لأنَّها تَطوُّعٌ مُطلَقٌ، أو صَلاةٌ بينَ الأذانَينِ، كما يُصلَّى قبلَ العَصرِ والعِشاءِ، لا لأنَّها سُنةٌ رَاتِبةٌ، فهذا جائِزٌ، وإن كانَ الرَّجلُ مع قَومٍ يُصَلُّونها، فإن كانَ مُطاعًا إذا ترَكَها، وبيَّنَ لهمُ السُّنةَ لم يُنكِروا عليه، بل عَرَفوا السُّنةَ، فتَركُها حَسنٌ، وإن لم يَكنْ مُطاعًا، ورَأى أنَّ في صَلاتِها تَأليفًا لقُلوبِهم إلى ما هو أنفَعُ، أو دَفعًا للخِصامِ والشَّرِّ، لِعدمِ التَّمكُّنِ مِنْ بَيانِ الحقِّ لَهم، وقَبولِهم له، ونحوِ ذلك، فهذا أيضًا حَسنٌ.
فالعملُ الواحدُ يَكونُ فِعلُه مُستحَبًّا تارَةً، وتَركُه مُستحَبًّا تارَةً، باعتِبارِ ما يَترجَّحُ مِنْ مَصلَحةِ فِعلِه وتَركِه بحسَبِ الأدلَّةِ الشَّرعيَّةِ، والمُسلِمُ قد يَتركُ المُستحَبَّ إذا كانَ في فِعلِه فَسادٌ راجِحٌ على مَصلحَتِه، كما ترَكَ النَّبيُّ ﷺ بِناءَ البَيتِ على قَواعدِ إِبراهيمَ، وقالَ لعائشةَ: «لَولَا أنَّ قَومَكِ حَديثُو عَهدٍ بالجاهليَّةِ لَنَقَضتُ الكَعبَةَ، ولأَلصَقتُها بالأَرضِ، ولجَعَلتُ لها بابَينِ، بابًا يَدخلُ النَّاسُ منه، وبابًا يَخرُجونَ منه»، والحَديثُ في الصَّحيحَينِ.
ارجع إلى صلاة الجمعة للاطلاع على جميع المسائل.