الإسلام > الصيام > صوم التطوع > صوم عاشوراء وتاسوعاء
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 32 دقيقة قراءةوهذه الأيامُ مَتى صِيمَت مُتَّصِلةً كانت احتِذاءً لِفِعلِ النَّصارى، والنَّبيُّ ﷺ لم يُرِدْ هذا، إنَّما أرادَ أنَّ مَنْ صامَ رَمضانَ فهو بعَشرةِ أشهُرٍ، ومَن صامَ سِتَّةَ أيامٍ فهي بشَهرَيْن، وذلك الدَّهرُ، ولو كانت من غَيرِ شَوَّالٍ لَكانَ الحُكمُ فيها كذلك، وإنَّما أشارَ النَّبيُّ ﷺ بذِكرِ شَوَّالٍ لا على طَريقِ التَّعيينِ لِوُجوبِ مُساواةِ غَيرِها لها في ذلك، وإنَّما ذكَر شَوَّالًا على مَعنى التَّمثيلِ، وهذا مِنْ بَديعِ النَّظَرِ فاعلَموه (١).
وقال القَرافيُّ رحمة الله عليه: واستحَبَّ مالِكٌ صيامَها في غَيرِه؛ خَوفًا من إلحاقِها برَمضانَ عندَ الجُهَّالِ وإنَّما عَيَّنَها الشَّرعُ مِنْ شَوَّالٍ لِلخِفَّةِ على المُكَلَّفِ بسَببِ قُربِه من الصَّومِ، وإلا فالمَقصودُ حاصِلٌ في غَيرِه، فيُشرَعُ التَّأخيرُ جَمعًا بينَ مَصلحَتَيْن (٢).
٢ - صَومُ عاشوراءَ وتاسُوعاءَ:
اتَّفَق الفُقهاءُ على استِحبابِ صَومِ عاشُوراءَ وتاسُوعاءَ وهُما اليَومُ العاشِرُ واليَومُ التاسِعُ من المُحرَّمِ؛ لِقَولِ النَّبيِّ ﷺ في صَومِ عاشوراءَ: «أَحْتَسِبُ على اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ التي قَبْلَهُ» (٣).
وقَولِه ﷺ: «لَئِنْ بَقِيتُ إلى قَابِلٍ لَأَصُومَنَّ التَّاسِعَ»، قال ابنُ عَباسٍ رضي الله عنهما: «فلم يَأْتِ الْعَامُ الْمُقْبِلُ حتى تُوُفِّيَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ» (٤).
(١) «أحكام القرآن» (٢/ ٣٢١).
(٢) «الذخيرة» (٢/ ٥٣٠)، و «حاشية الدسوقي» (١/ ٥١٧)، و «بلغة السالك» (١/ ٤٤٧).
(٣) رواه مسلم (١١٦٢).
(٤) رواه مسلم (١١٣٤).
وقد صرَّح الحَنفيَّةُ بكَراهةِ صَومِ يَومِ عاشوراءَ مُنفَرِدًا عن التاسِعِ، أو عن الحاديَ عَشَرَ، هكذا قال ابنُ الهُمامِ وغَيرُه، لكنْ قال الكاسانيُّ في البَدائِعِ: وكَرِه بَعضُهم صَومَ يَومِ عاشوراءَ وَحدَه لِمَكانِ التَّشبيهِ باليَهودِ، ولم يَكرَهْه عامَّتُهم؛ لأنَّه من الأيامِ الفاضِلةِ، فيُستحَبُّ استِدراكُ فَضيلَتِها بالصَّومِ (١).
كما صَرَّح الحَنابِلةُ بأنَّه لا يُكرَهُ إفرادُ عاشوراءَ بالصَّومِ.
وقال النَّوَويُّ: وذكَر العُلماءُ من أصحابِنا وغَيرِهم في حِكمةِ استِحبابِ صَومِ تاسُوعاءَ أوجُهًا:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ منه مُخالَفةُ اليَهودِ في اقتِصارِهم على العاشِرِ، وهو مَرويٌّ عن ابنِ عَباسٍ.
والثاني: أنَّ المُرادَ به وَصلُ يَومِ عاشوراءَ بصَومٍ، كما نَهى أنْ يُصامَ يَومُ الجُمُعةِ وَحدَه، ذكَرهما الخَطَّابيُّ وآخَرون.
الثالِثُ: الاحتِياطُ في صَومِ العاشِرِ خَشيةَ نَقصِ الهِلالِ، ووُقوعِ غَلطٍ؛ فيَكونُ التاسِعُ في العَددِ هو العاشِرَ في الأمرِ نَفسِه، واللهُ تَعالى أعلَمُ (٢).
واستحَبَّ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ صَومَ الحاديَ عَشَرَ أيضًا.
قال الخَطيبُ الشّربينيُّ رحمة الله عليه: نَصَّ الشافِعيُّ في: «الأُمِّ» و «الإملاءِ»، على استِحبابِ صَومِ الثَّلاثةِ.
(١) «البدائع» (٢/ ٥٩٠).
(٢) «المجموع» (٧/ ٦٤٥).
وقال ابنُ الهُمامِ الحَنفيُّ رحمة الله عليه: ويُستحَبُّ أنْ يَصومَ قَبلَه يَومًا وبعدَه يَومًا؛ فإنْ أفردَه فهو مَكروهٌ لِلتَّشبيهِ باليَهودِ (١).
والدَّليلُ على هذا ما قالَه النَّبيُّ ﷺ: «صُومُوا يَومَ عاشُورَاءَ وَخَالِفُوا فيه الْيَهُودَ، وصُوموا قَبْلَهُ يَوْمًا أو بَعْدَهُ يَوْمًا» (٢).
بَعضُ الإشكاليَّاتِ والشُّبهاتِ التي ورَدت في صَومِ عاشوراءَ:
وقد ذكَر الإمامُ ابنُ القَيِّمِ رحمة الله عليه بَعضَ الشُّبُهاتِ والإشكاليَّاتِ التي ورَدت في صَومِ يَومِ عاشوراءَ وأنا أذكُرُها في الهامِشِ (٣).
(١) «شرح فتح القدير» (٢/ ٣٤٩)، و «ابن عابدين» (٢/ ٣٧٥)، و «حاشية الطحطاوي» (٣٥٠)، و «شرح الزرقاني» (٢/ ٢٣٧)، و «حاشية الدسوقي» (١/ ٥١٦)، و «الشرح الصغير» (١/ ٤٤٦)، و «مواهب الجليل» (٢/ ٤٩)، و «المجموع» (٧/ ٦٤٥)، و «مغني المحتاج» (١/ ٤٤٦)، و «كشاف القناع» (٢/ ٣٣٩).
(٢) حَدِيثٌ ضعيفٌ: رواه الإمام أحمد في «مسنده» (٢١٥٤)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٢٠٩٥).
(٣) قال الإمامُ ابنُ القَيِّمِ: وأمَّا صيامُ يَومِ عاشوراءَ فإنَّه كانَ يَتَحَرَّى صَومَه على سائِرِ الأيامِ، ولَمَّا قَدِمَ المَدينةَ وجَد اليَهودَ تَصومُه وتُعَظِّمُه فقالَ: «نَحنُ أحَقُّ بموسى مِنكم»، فصامَه وأمر بصيامِه، وذَلِكَ قَبلَ فَرضِ رَمَضانَ فلَمَّا فُرِضَ رَمَضانُ قالَ: «مَنْ شاءَ صامَه ومَن شاءَ ترَكه».
وقد استَشكَلَ بَعضُ الناسِ هذا، وقال: إنَّما قَدِمَ رَسولُ اللَّه ﷺ المَدينةَ في شَهرِ رَبيعٍ الأوَّلِ، فكَيفَ يَقولُ ابنُ عَباسٍ: إنَّه قَدِم المَدينةَ فوجَدَ اليَهودَ صيامًا يَومَ عاشوراءَ؟
وفيه إشكالٌ آخَرُ: وهو أنَّه قَدْ ثَبَتَ في «الصَّحيحَيْن» مِنْ حَديثِ عائِشةَ أنَّها قالَت: «كانَت قُرَيشٌ تَصومُ يَومَ عاشوراءَ في الجاهِليَّةِ، وكانَ يَصومُه، فلَمَّا هاجَرَ إلى المَدينةِ صامَه وأمَرَ بصيامِه، فلَمَّا فُرِض شَهرُ رَمَضانَ قال: مَنْ شاءَ صامَه ومَن شاءَ تَرَكه».
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= وإشكالٌ آخَرُ: وهو ما ثبَت في الصَّحيحَيْن أنَّ الأشعَثَ بنَ قَيسٍ دَخَل على عَبدِ اللَّهِ بنِ مَسعودٍ وهو يَتغَدَّى، فقال: يا أبا مُحمدٍ ادْنُ إلى الغَداءِ، فقالَ: أوَلَيس اليَومُ يَومُ عاشوراءَ؟ فقالَ: وهَل تَدري ما يَومُ عاشوراءَ؟ قالَ: وما هو؟ قالَ: إنَّما هو يَومٌ كانَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ يَصومُه قَبلَ أنْ يَنزِلَ رَمَضانُ، فلَمَّا نزَل رَمَضانُ تَرَكه».
وقد رَوى مُسلِمٌ في «صَحيحِه» عن ابنِ عَباسٍ أنَّ رَسولَ اللَّهِ حينَ صامَ يَومَ عاشوراءَ وأمرَ بصيامِه قالوا: يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّه يَومٌ تُعظِّمُه اليَهودُ والنَّصارى، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ إذا كانَ العامُ المُقبِلُ إنْ شاءَ اللَّهُ صُمنا اليَومَ التاسِعَ، فلَم يأتِ العامُ المُقبِلُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسولُ اللَّهِ».
فهذا فيه أنَّ صَومَه والأمرَ بصيامِه قَبلَ وَفاتِه بعامٍ، وحَديثَه المُتَقدَّم فيه ذلك كانَ عِنْدَ مَقدِمِه المَدينةَ، ثم إنَّ ابنَ مَسعودٍ أخبَرَ أنَّ يَومَ عاشوراءَ تُرِك برَمَضانَ، وهذا يُخالِفُه حَديثُ ابنِ عَباسٍ المَذكورُ ولا يُمكِنُ أنْ يُقالَ: تُرِك فَرضُه؛ لِأنَّه لم يُفرَضْ، لِما ثَبَتَ في الصَّحيحَيْن عن مُعاويةَ بنِ أبي سُفيانَ: سَمِعتُ رَسولَ اللَّهِ ﷺ يَقولُ: «هذا يَومُ عاشوراءَ، ولم يَكتُبِ اللَّهُ عليكم صيامَه، وأنا صائِمٌ، فمَن شاءَ فليَصُمْ، ومَن شاءَ فليُفطِرْ، ومُعاويةُ إنَّما سَمِع هذا بعدَ الفَتحِ قَطعًا».
وإشكالٌ آخَرُ: وهو أنَّ مُسلِمًا رَوَى في «صَحيحِه» عن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَباسٍ أنَّه لَمَّا قيلَ: «يا رَسولَ اللَّهِ، إنَّ هذا اليَومَ تُعَظِّمُه اليَهودُ والنَّصارى، قالَ: إنْ بَقيتُ إلى قابِلٍ لَأصومَنَّ التاسِعَ، فلم يأتِ العامُ القابِلُ حتى تُوُفِّي رَسولُ اللَّهِ ﷺ. ثم رَوَى مُسلِمٌ في صَحيحِه، عن الحَكَمِ بنِ الأعرَجِ قالَ: انتَهَيت إلى ابنِ عَباسٍ وهو مُتوسِّدٌ رِداءَه في زَمزَمَ، فقُلتُ له: أخبِرْني عن صَومِ عاشوراءَ، فقال: إذا رأيتَ هِلالَ المُحَرَّمِ فاعدُدْ وأصبِحْ يَومَ التاسِعِ صائِمًا، قُلتُ: هكذا كان رَسولُ اللَّهِ ﷺ يَصومُه؟ قالَ: نَعَمْ».
وإشكالٌ آخَرُ: وهو أنَّ صَومَه إنْ كانَ واجِبًا مَفروضًا في أوَّلِ الإسلامِ فلم يَأمُرْهم بقَضائِه وقد فاتَ تَبييتُ النِّيَّةِ لَه مِنَ اللَّيلِ، وإن لم يَكُنْ فَرضًا فكيف أمرَ بإتمامِ الإمساكِ مَنْ كانَ أكَل كما في «المُسنَدِ» والسُّنَنِ مِنْ وُجوهٍ مُتعدِّدةٍ أنَّه أمَرَ من كانَ طَعِم فيه أنْ =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= يَصومَ بَقيَّةَ يَومِه، وهذا إنَّما يَكونُ في الواجِبِ، وكيف يَصحُّ قَولُ ابنِ مَسعودٍ: فلَمَّا فُرِض رَمَضانُ تُرِك عاشوراءُ واستِحبابُه لم يُترَكْ.
وإشكالٌ آخَرُ: وهو أنَّ ابنَ عَباسٍ جعَل يَومَ عاشوراءَ يَومَ التاسِعِ، وأخبَرَ أنَّ هكذا كان يَصومُه ﷺ، وهو الَّذي رَوَى عن النَّبيِّ ﷺ: «صُوموا يَومَ عاشوراءَ وخالِفوا اليَهودَ، صُوموا يَومًا قَبلَهُ أو يَومًا بَعدَه»، ذَكَره أحمدُ، وهو الَّذي رَوَى: «أمَرَنا رَسولُ اللَّهِ ﷺ بصَومِ عاشُوراءَ يَومَ العاشِرِ» ذَكَره التِّرمِذيُّ.
فالجَوابُ عن هذه الإشكالاتِ بعَونِ اللَّهِ وتأييدِه وتَوفيقِه:
أمَّا الإشكالُ الأوَّلُ: وهو أنَّه لَمَّا قَدِمَ المَدينةَ وجَدَهم يَصومونَ يَومَ عاشوراءَ، فلَيسَ فيه أنَّ يَومَ قُدومِه وجَدَهم يَصُومونَه، فإنَّه إنَّما قَدِم يَومَ الاثنَيْن في رَبيعٍ الأوَّلِ ثانيَ عَشَرَ، ولَكِنَّ أوَّلَ عِلمِه بذَلِكَ بوُقوعِ القِصَّةِ في العامِ الثاني الذي كان بعدَ قُدومِه المَدينةَ ولم يَكُنْ وهو بمَكَّةَ هذا إنْ كانَ حِسابُ أهلِ الكِتابِ في صَومِه بالأشهُرِ الهِلاليَّةِ وإنْ كانَ بالشَّمسيَّةِ زالَ الإشكالُ بالكُلِّيَّةِ ويَكونُ اليَومُ الَّذي نَجَّى اللَّهُ فيه موسى هو يَومَ عاشوراءَ مِنْ أوَّلِ المُحَرَّمِ فضبَطه أهلُ الكِتابِ بالشُّهورِ الشَّمسيةِ، فوافَقَ ذلك مَقدِمَ النَّبيِّ ﷺ المَدينةَ في رَبيعٍ الأوَّلِ، وصَومُ أهلِ الكِتابِ إنَّما هو بحِسابِ سَيرِ الشَّمسِ، وصَومُ المُسلِمينَ إنَّما هو بالشَّهرِ الهِلاليِّ وكذلك حَجُّهم وجَميعُ ما تُعتبَرُ له الأشهُرَ مِنْ واجِبٍ أو مُستَحَبٍّ، فقالَ: «نَحنُ أحَقُّ بموسَى منكم»، فظهَر حُكمُ هذه الأولَويَّةِ في تَعظيمِ هذا اليَومِ وفي تَعيينِه، وهُم أخطَؤوا تَعيينَه لِدَوَرانِه في السَّنةِ الشَّمسيَّةِ كما أخطأ النَّصارى في تَعيينِ صَومِهم بأنْ جعَلوه في فَصلٍ مِنَ السَّنةِ تَختلِفُ فيه الأشهُرُ.
وأمَّا الإشكالُ الثاني: وهو أنَّ قُرَيشًا كانت تَصومُ عاشوراءَ في الجاهِليَّةِ وكانَ رَسولُ اللَّهِ يَصُومُه فلا رَيبَ أنَّ قُرَيشًا كانت تُعظِّمُ هذا اليَومَ، وكانوا يَكسونَ الكَعبةَ فيه، وصَومُه مِنْ تَمامِ تَعظيمِه، ولَكِنْ إنَّما كانوا يَعُدُّونَ بالأهِلَّةِ فكانَ عِندَهم عاشِرَ المُحرَّمِ، فلَمَّا قَدِمَ النَّبيُّ ﷺ المَدينةَ وجَدَهم يُعَظِّمونَ ذلك اليَومَ ويَصومونَه، فسألَهم عنه، فقالوا: هو اليَومُ الذي نَجَّى اللَّهُ فيه موسَى وقَومَه مِنْ فِرعَونَ فقالَ: «نَحنُ أحَقُّ مِنكم =
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
= بموسَى»، فصامَه وأمَرَ بصيامِه، تَقريرًا لِتَعظيمِه وتأكيدًا، وأخبَرَ ﷺ أنَّه وأمَّتَه أحَقُّ بموسى مِنْ اليَهودِ، فإذا صامَه موسى شُكرًا لِلَّهِ كُنَّا أحَقَّ أنْ نَقتَديَ به مِنَ اليَهودِ، لا سيَّما إذا قُلنا: شَرعُ مَنْ قَبلَنا شَرعٌ لَنا ما لَم يُخالِفْه شَرعُنا. فإنْ قيلَ: مِنْ أينَ لَكم أنَّ موسى صامَه؟ قُلنا: ثَبَت في «الصَّحيحَيْن» أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ لَمَّا سألَهم عنه قالوا: يَومٌ عَظيمٌ نَجَّى اللَّهُ فيه موسى وقَومَه وأغرَقَ فيه فِرعَونَ وقَومَه. فصامَه موسى شُكرًا لِلَّه، فنَحنُ نَصومُه، فقالَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ: «فَنَحنُ أحَقُّ وأولَى بمُوسى مِنكم»، فصامَه وأمرَ بصيامِه، فلَمَّا أقَرَّهم على ذلك ولم يُكذِّبْهم عُلِم أنَّ موسى صامَه شُكرًا لِلَّهِ، فانضَمَّ هذا القَدرُ إلى التَّعظيمِ الذي كان له قَبلَ الهِجرةِ فازدادَ تأكيدًا حتى بُعِث رَسولُ اللَّهِ ﷺ مُناديًا يُنادي في الأمصارِ بصَومِه وإمساكِ مَنْ كانَ أكَل، والظاهِرُ أنَّه حتَّم ذلك عليهم وأوجَبَه كما سيأتي تَقريرُه.
وأمَّا الإشكالُ الثالِثُ: وهو أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَصومُ يَومَ عاشوراءَ قَبلَ أنْ يَنزِلَ فَرضُ رَمَضانَ فلَمَّا نَزَل فَرضُ رَمَضانَ تَرَكه، ثم ذَكَره.
وأمَّا الإشكالُ الرابِعُ: -وهو أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: «لَئِنْ بَقيتُ إلى قابِلٍ لَأصومَنَّ التاسِعَ»، وأنَّه تُوُفِّي قَبلَ العامِ، وقَولُ ابنِ عَباسٍ: «إنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَصومُ التاسِعَ» فابنُ عَباسٍ رَوَى هذا، وهذا، وصَحَّ عنه هذا وهذا، ولا تَنافيَ بَينَهما، إذْ مِنْ المُمكِنِ أنْ يَصومَ التاسِعَ ويُخبِرَ أنَّه إنْ بَقيَ إلى العامِ المُقبِلِ صامَه، أو يَكونَ ابنُ عَباسٍ أخبَرَ عن فِعلِه مُستَنِدًا إلى ما عَزَم عليه، ووعَد به، ويَصحُّ الإخبارُ عن ذلك مُقيَّدًا، أي: كذلك كانَ يَفعَلُ لَو بَقيَ ومُطلَقًا إذا عَلِم الحالَ، وعلى كُلِّ واحِدٍ مِنْ الِاحتِمالَيْن لا تَنافيَ بَينَ الخَبَرَيْن. وأمَّا الإشكالُ الخامِسُ فقد تَقدَّم جَوابُه بما فيه كِفايةٌ.
وأمَّا الإشكالُ السادِسُ: -وهو قَولُ ابنِ عَباسٍ: اعدُدْ وأصبِحْ يَومَ التاسِعِ صائِمًا فمَن تأمَّلَ مَجموعَ رِواياتِ ابنِ عَباسٍ تَبيَّنَ له زَوالُ الإشكالِ وسَعةُ عِلمِ ابنِ عَباسٍ، فإنَّه لم يَجعَلْ عاشوراءَ هو اليَومَ التاسِعَ، بل قال لِلسائِلِ: صُمِ اليَومَ التاسِعَ، واكتَفى بمَعرِفةِ السائِلِ أنَّ يَومَ عاشوراءَ هو اليَومُ العاشِرُ الَّذي يَعُدُّه الناسُ كُلُّهم يَومَ عاشوراءَ، فأرشَدَ =
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب الصيام
باب صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء
باب صوم يوم عرفة ويوم عاشوراء
قال الشافعي رضي الله عنه: " أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ قَالَ حَدَّثَنَا دَاوُدُ بن شابورٍ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي قَزَعَةَ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ أَبِي حَرْمَلَةَ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - " صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ السَّنَةِ وَالسَّنَةِ التِّي تليها وصيام يوم عاشوراء يكفر سنة " قال فأحب صومها إلا أن يكون حاجاً فأحب له ترك صوم يوم عرفة لأنه حاج مضح مسافر ولترك النبي - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - صومه في الحج وليقوى بذلك على الدعاء وأفضل الدعاء يوم عرفة " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.
يُسْتَحَبُّ صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِغَيْرِ الْحَاجِّ، لِمَا رُوِيَ عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - أَنَّهُ قَالَ " صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سَنَتَيْنِ " وَرَوَى أَبُو قَتَادَةَ كَفَّارَةُ السَّنَةِ، وَالسَّنَةِ الَّتِي تَلِيهَا وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْفِرُ لَهُ ذُنُوبَ سَنَتَيْنِ.
وَالثَّانِي: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْصِمُهُ فِي هَاتَيْنِ السَّنَتَيْنِ فَلَا يَعْصِي فِيهِمَا، فَأَمَّا صِيَامُ يَوْمِ عَرَفَةَ لِلْحَاجِّ، فَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ.
أَحَدُهَا: وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَإِسْحَاقَ، أَنَّ الْأَوْلَى لَهُمْ صِيَامُهُ كَسَائِرِ النَّاسِ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ إِنْ كان صيفاً، والأولى لَهُمْ إِفْطَارُهُ وَإِنْ كَانَ شِتَاءً فَالْأَوْلَى لَهُمْ صِيَامُهُ.
وَالْمَذْهَبُ الثَّالِثُ: وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ، وَسَائِرِ الْفُقَهَاءِ إِنَّ الْأَوْلَى لَهُمْ أَنْ يُفْطِرُوا يَوْمَ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصوم
فصل أنواع الصيام
الْمُسْتَأْمَنِ بِالْإِجْمَاعِ، وَالْمَسْأَلَةُ ذَكَرْنَاهَا فِي زَكَاةِ الْمَالِ وَيَجُوزُ أَنْ يُعْطَى مَا يَجِبُ فِي صَدَقَةِ الْفِطْر عَنْ إنْسَانٍ وَاحِدٍ جَمَاعَةً مَسَاكِينَ وَيُعْطَى مَا يَجِبُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِسْكِينًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ زَكَاةٌ فَجَازَ جَمْعُهَا وَتَفْرِيقُهَا كَزَكَاةِ الْمَالِ وَلَا يَبْعَثُ الْإِمَامُ عَلَيْهَا سَاعِيًا؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَبْعَثْ وَلَنَا فِيهِ قُدْوَةٌ.
فَصْلٌ مَكَانُ أَدَاء صَدَقَة الْفِطْر
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا مَكَانُ الْأَدَاءِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يُسْتَحَبُّ فِيهِ إخْرَاجُ الْفِطْرَةِ رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُؤَدِّي زَكَاةَ الْمَالِ حَيْثُ الْمَالِ وَيُؤَدِّي صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَبِيدِهِ حَيْثُ هُوَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ الْأَوَّلُ ثُمَّ رَجَعَ وَقَالَ يُؤَدِّي صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ نَفْسِهِ حَيْثُ هُوَ وَعَنْ عَبِيدِهِ حَيْثُ هُمْ حَكَى الْحَاكِمُ رُجُوعَهُ وَذَكَرَ الْقَاضِي فِي شَرْحِهِ مُخْتَصَرَ الطَّحَاوِيِّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةِ مَعَ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ وَأَمَّا زَكَاةُ الْمَالِ فَحَيْثُ الْمَالِ فِي الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا وَيُكْرَهُ إخْرَاجُهَا إلَى أَهْلِ غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ إلَّا رِوَايَةً عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُخْرِجَهَا إلَى قَرَابَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَيَبْعَثَهَا إلَيْهِمْ.
وَجْهُ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ أَنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ أَحَدُ نَوْعَيْ الزَّكَاةِ ثُمَّ زَكَاةُ الْمَالِ تُؤَدَّى حَيْثُ الْمَالُ فَكَذَا زَكَاةُ الرَّأْسِ وَوَجْهُ الْفَرْقِ لِمُحَمَّدٍ وَاضِحٌ وَهُوَ أَنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ تَتَعَلَّقُ بِذِمَّةِ الْمُؤَدِّي لَا بِمَالِهِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ هَلَكَ مَالُهُ لَا تَسْقُطُ الصَّدَقَةُ.
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الصيام
سنن الصوم
مِنَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْحِجَامَةَ تُفَطِّرُ هُوَ عَطَاءٌ وَحْدَهُ.
وَسَبَبُ هَذَا الْخِلَافِ: أَنَّ الْمُفْطِرَ بِشَيْءٍ فِيهِ اخْتِلَافٌ فِيهِ شَبَهٌ مِنْ غَيْرِ الْمُفْطِرِ وَمِنَ الْمُفْطِرِ، فَمَنْ غَلَّبَ أَحَدَ الشَّبَهَيْنِ أَوْجَبَ لَهُ ذَلِكَ الْحُكْمَ، وَهَذَانِ الشَّبَهَانِ الْمَوْجُودَانِ فِيهِ هُمَا اللَّذَانِ أَوْجَبَا فِيهِ الْخِلَافَ - أَعْنِي: هَلْ هُوَ مُفْطِرٌ أَوْ غَيْرُ مُفْطِرٍ -؟
وَلِكَوْنِ الْإِفْطَارِ شُبْهَةً لَا يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَإِنَّمَا يُوجِبُ الْقَضَاءَ فَقَطْ، نَزَعَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّهُ مَنْ أَفْطَرَ مُتَعَمِّدًا الْفِطْرَ ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سَبَبٌ مُبِيحٌ لِفِطْرٍ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ، كَالْمَرْأَةِ تُفْطِرُ عَمْدًا ثُمَّ تَحِيضُ بَاقِيَ النَّهَارِ، وَالصَّحِيحُ يُفْطِرُ عَمْدًا ثُمَّ يَمْرَضُ، وَالْحَاضِرُ يُفْطِرُ ثُمَّ يُسَافِرُ.
فَمَنِ اعْتَبَرَ الْأَمْرَ فِي نَفْسِهِ - أَعْنِي: أَنَّهُ مُفْطِرٌ فِي يَوْمٍ جَازَ لَهُ الْإِفْطَارُ فِيهِ - لَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِمُ كَفَّارَةً، وَذَلِكَ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ قَدْ كَشَفَ الْغَيْبُ أَنَّهُ أَفْطَرَ فِي يَوْمٍ جَازَ لَهُ الْإِفْطَارُ فِيهِ، وَمَنِ اعْتَبَرَ الِاسْتِهَانَةَ بِالشَّرْعِ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةَ، لِأَنَّهُ حِينَ أَفْطَرَ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ عِلْمٌ بِالْإِبَاحَةِ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ.
وَمِنْ هَذَا الْبَابِ إِيجَابُ مَالِكٍ الْقَضَاءَ فَقَطْ عَلَى مَنْ أَكَلَ وَهُوَ شَاكٌّ فِي الْفَجْرِ، وَإِيجَابُهُ الْقَضَاءَ وَالْكَفَّارَةَ عَلَى مَنْ أَكَلَ وَهُوَ شَاكٍّ فِي الْغُرُوبِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا.
ارجع إلى صوم التطوع للاطلاع على جميع المسائل.