مسائل تتعلق بالقضاء

الإسلام > الصيام > قضاء رمضان > مسائل تتعلق بالقضاء

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 16 دقيقة قراءة

مسائل تتعلق بالقضاء - الأقوال والأدلة

ونَصُّ ابنُ رَجبٍ رحمة الله عليه: وقد قيلَ: إنَّه يَحصُلُ به فَضيلةُ صيامِ التَّطوُّعِ بها، وهذا على قَولِ مَنْ يَقولُ: إنْ نَذَر صيامَ شَهرٍ فصامَ رَمضانَ أجزأه عن فَرضِه ونَذرِه مُتوَجَّهٌ (١).

فقد نَصَّ على أنَّه قيلَ: إنَّه يَحصُلُ به فَضيلةُ صيامِ التَّطوُّعِ أيضًا، فالأصلُ أنَّه لا يَجوزُ، وفي قَولٌ أنَّه يَحصُلُ به الثَّوابُ فيَجوزُ التَّشريكُ على هذا القَولِ، أمَّا على المَذهبِ فلا يَجوزُ.

مَسائِلُ تَتعلَّقُ بالقَضاءِ:

الأُولى: مَنْ أخَّر قَضاءَ رَمضانَ -وكَذا النَّذرُ والكَفَّارةُ- لِعُذرٍ، بأنِ استمَرَّ مَرضُه أو سَفرُه أو إغماؤُه أو حَيضُها أو نِفاسُها أو حَملُها أو إرضاعُها ونَحوُ ذلك بالمَوتِ ولم يَتمكَّنْ من القَضاءِ فلا شَيءَ عليه، ولا يُصَامُ عنه، ولا يُطْعَمُ عنه، وهذا باتِّفاقِ المَذاهبِ الأربَعةِ؛ لأنَّه فَرضٌ لم يَتمكَّنْ منه إلى المَوتِ فسقَط حُكمُه كالحَجِّ.

وفي رِوايةٍ عندَ الحَنابِلةِ: يُطعَمُ عنه كالشَّيخِ الكَبيرِ.

وقال أبو الخَطَّابِ رحمة الله عليه: يُحتمَلُ أنْ يَجبَ الصَّومُ عنه أو التَّكفيرُ، لكنَّ المَذهبَ هو الأولُ (٢).

(١) «لطائف المعارف» ص (٢٦٦).
(٢) «المجموع» (٧/ ٦١٨، ٦٢٦)، و «روضة الطالبين» (٢/ ٣٦٤)، و «الإنصاف» (٣/ ٣٣٤)، و «الفروع» (٣/ ٦٩)، و «البدائع» (٢/ ٦٥٤).

الثانيةُ: لو أفطَر بعُذرٍ وزالَ العُذرُ وتَمكَّنَ من القَضاءِ، ولم يَقضِ حتى ماتَ فقد اختَلفَ الفُقهاءُ هل يُطعَمُ عنه ولا يَجوزُ أنْ يُصامَ عنه أو يَجوزُ الصَّومُ عنه؟ على تَفصيلٍ في ذلك:

فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه يَجِبُ في تَرِكَتِه إطعامُ مِسكينٍ لكلِّ يَومٍ، ولا يَصحُّ صيامُ وَلِيِّه عنه؛ لأنَّ الصَّومَ واجِبٌ بأصلِ الشَّرعِ لا يُقضى عنه؛ لأنَّه لا تَدخُلُه النِّيابةُ في الحياةِ فكذلك بعدَ المَماتِ كالصَّلاةِ.

وذهَب الشافِعيُّ في القَديمِ -وهو اختيارُ النَّوَويِّ، وهو قَولُ أبي الخَطَّابِ من الحَنابِلةِ- إلى أنَّه يَجوزُ لِوَلِيِّه أنْ يَصومَ عنه، ويَصحُّ ذلك، ويُجزِئُه عن الإطعامِ، وتُبرأُ به ذِمَّةُ المَيِّتِ، لكنْ لا يَلزمُ الوَليَّ الصَّومُ، بل هو إلى خِيرَتِه، لِحَديثِ عائِشةَ رضي الله عنها عن النَّبيِّ : «مَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ صِيَامٌ صَامَ عنه وَلِيُّه» (١).

وقال الحَنابِلةُ: مَنْ مات وعليه صَومٌ مَنذورٌ صامَ عنه وَلِيُّه على الصَّحيحِ من المَذهبِ، وهو اختيارُ النَّوَويِّ من الشافِعيَّةِ.

قال في «الإنصافِ»: يُستحَبُّ لِلوَليِّ فِعلُه. واعلَمْ أنَّه إذا كان له تَرِكةٌ وجَب فِعلُه فيُستحَبُّ لِلوَليِّ الصَّومُ، وله أنْ يَدفعَ إلى مَنْ يَصومُ عنه مِنْ تَرِكَتِه عن كلِّ يَومٍ مِسكينًا؛ فإنْ لم يَكُنْ له تَرِكةٌ لم يَلزَمْه شَيءٌ (٢).

(١) رواه البخاري (١٩٥٢)، ومسلم (١١٤٧).
(٢) «الإنصاف» (٣/ ٣٣٦، ٣٣٧)، و «البدائع» (٢/ ٦٥٤)، و «الجوهرة النيرة» (١/ ١٤٣)، و «مراقي الفلاح» (٣٧٥)، و «جواهر الإكليل» (١/ ١٦٣)، و «مواهب الجليل» (٢/ ٥٤٣)، و «المنتقى» (٢/ ٢٧١)، و «الشرح الصغير» (١/ ٧٢١)، و «المجموع» (٧/ ٦١٨، ٦٢٧)، و «الإفصاح» (١/ ٤١٥).

واستدَلَّ الحَنابِلةُ والنَّوَويُّ على ذلك بما يأتي:

١ - بحَديثِ ابنِ عَباسٍ رضي الله عنهما قال: جاء رَجُلٌ إلى النَّبيِّ فقال: «يا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ أُمِّي مَاتَتْ وَعَلَيْهَا صَوْمُ شَهْرٍ [وفي رِوايةٍ: «صَومُ نَذرٍ»] أَفَأَقْضِيهِ عنها؟ قال: نَعَمْ، قال: فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ أَنْ يُقْضَى» (١).

٢ - بحَديثِ بُرَيدةَ رضي الله عنه قال: بَينَا أنا جَالِسٌ عِنْدَ رَسولِ اللَّهِ إِذْ أَتَتْهُ امْرَأَةٌ فقالَتْ: إنِّي تَصَدَّقْتُ على أُمِّي بِجَارِيَةٍ، وَإِنَّهَا مَاتَتْ، قال: فقال: «وَجَبَ أَجْرُكِ، وَرَدَّهَا عَلَيْكِ الْمِيرَاثُ»، قالت: يا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّه كان عليها صَوْمُ شَهْرٍ، أَفَأَصُومُ عنها؟ قال: «صُومِي عنها … »، الحَديثَ (٢).

٣ - بحَديثِ ابنِ عَباسٍ رضي الله عنهما: «أَنَّ امْرَأَةً رَكِبَتِ الْبَحْرَ فَنَذَرَتْ إنْ نَجَّاهَا اللهُ أَنْ تَصُومَ شَهْرًا، فَنَجَّاهَا اللهُ، فلم تَصُمْ حتى مَاتَتْ، فَجَاءَتْ ابْنَتُهَا أو أُخْتُهَا إلى رَسولِ اللَّهِ فَأَمَرَهَا أَنْ تَصُومَ عنها» (٣).

وقال الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: مَسألةٌ: قال: (ومَن نذَر أنْ يَصومَ فماتَ قبلَ أنْ يأتيَ به صامَ عنه وَرثَتُه مِنْ أقارِبه، وكذلك كلُّ ما كان مِنْ نَذرِ طاعةٍ.

(١) أَخرَجه البخاري (١٩٥٣)، ومسلم (١١٤٨).
(٢) أَخرَجه مسلم (١١٤٩).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: أَخرَجه أبو داود (٣٣٠٨).

يَعني: مَنْ نذَر حَجًّا أو صيامًا أو صَدقةً أو عِتقًا أو اعتِكافًا أو صَلاةً أو غَيرَه من الطاعاتِ وماتَ قبلَ فِعلِه فَعَله الوَليُّ عنه، وعن أحمدَ في الصَّلاةِ: لا يُصلَّى عن المَيِّتِ؛ لأنَّها لا بَدلَ لها بحالٍ، وأمَّا سائِرُ الأعمالِ فيَجوزُ أنْ يَنوبَ الوَليُّ عنه فيها، وليس بواجِبٍ عليه، ولكنْ يُستحَبُّ له ذلك على سَبيلِ الصِّلةِ له، والمَعروفِ، وأفتى بذلك ابنُ عَباسٍ في امرأةٍ نَذرَت أنْ تَمشيَ إلى قُباءَ فماتَت ولم تَقضِه أنْ تَمشيَ ابنَتُها عنها، ورَوى سَعيدٌ عن سُفيانَ عن عَبدِ الكَريمِ بنِ أبي أُمَيَّةَ «أنَّه سأل ابنَ عَباسٍ عن نَذرٍ كان على أُمِّه من اعتِكافٍ: قال: صُمْ عنها واعتَكِفْ عنها».

وقال: حَدَّثنا أبو الأحوَصِ عن إبراهيمَ بنِ مُهاجِرٍ عن عامِرِ بنِ شُعَيبٍ «أنَّ عائِشةَ اعتَكفَت عن أخيها عَبدِ الرَّحمنِ بعدَما ماتَ».

وقال مالِكٌ: لا يَمشي أحَدٌ عن أحَدٍ ولا يُصلِّي ولا يَصومُ عنه، وكذلك سائِرُ أعمالِ البَدنِ قياسًا على الصَّلاةِ.

وقال الشافِعيُّ: يَقضي عنه الحَجَّ ولا يَقضي الصَّلاةَ قَولًا واحِدًا، ولا يَقضي الصَّومَ في أحَدِ القَولَيْن، ويُطعِمُ عنه لكلِّ يَومٍ مِسكينًا؛ لأنَّ ابنَ عُمَرَ قال: قال رَسولُ اللهِ : «مَنْ مات وعليه صيامُ شَهرٍ فليُطعَمْ عنه مَكانَ كلِّ يَومٍ مِسكينٌ» أخرَجه ابنُ ماجَهْ.

وقال أهلُ الظاهِرِ يَجِبُ القَضاءُ على وَليِّه بظاهِرِ الأخبارِ الوارِدةِ فيه.

وجُمهورُ أهلِ العِلمِ على أنَّ ذلك ليس بواجِبٍ على الوَليِّ إلا أنْ يَكونَ حَقًّا في المالِ ويَكونَ لِلمَيِّتِ تَرِكةٌ وأمرُ النَّبيِّ في هذا مَحمولٌ على النَّدبِ والاستِحبابِ بدَليلِ قَرائِنَ في الخَبرِ:

منها: أنَّ النَّبيَّ شَبَّهَه بالدَّينِ، وقَضاءُ الدَّينِ عن المَيِّتِ لا يَجِبُ على الوارِثِ ما لم يُخلِّفْ تَرِكةً يَقضي بها.

ومنها: أنَّ السائِلَ سألَ النَّبيَّ هل يَفعَلُ ذلك أو لا، وجَوابُه يَختلِفُ باختِلافِ مُقتَضى سُؤالِه؛ فإنْ كان مُقتَضاه السُّؤالَ عن الإباحةِ فالأمرُ في جَوابِه يَقتَضي الإباحةَ، وإنْ كان السُّؤالُ عن الإجزاءِ فأمْرُه يَقتَضي الإجزاءَ، كقَولِهم: «أنُصلِّي في مَرابِضِ الغَنمِ؟ قال: صَلُّوا في مَرابِضِ الغَنمِ» وإنْ كان سُؤالُهم عن الوُجوبِ فأمْرُه يَقتَضي الوُجوبَ كقَولِهم: «أنتَوضَّأُ من لُحومِ الإبِلِ؟ قال: تَوضَّؤُوا مِنْ لُحومِ الإبِلِ» وسُؤالُ السائِلِ في مَسألتِنا كان عن الإجزاءِ، فأمرُ النَّبيِّ بالفِعلِ يَقتَضيه لا غَيرُ.

ولنا على جَوازِ الصِّيامِ عن المَيِّتِ: ما رَوَت عائِشةُ أنَّ رَسولَ اللهِ قال: «مَنْ مات وعليه صيامٌ صامَ عنه وَليُّه».

وعن ابنِ عَباسٍ قال: جاء رَجلٌ إلى النَّبيِّ فقال: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ أُمِّي ماتَت وعليها صَومُ شَهرٍ أفأصومُ عنها؟ قال: «أرأيتَ لو كان على أُمِّكَ دَينٌ أكُنتَ قاضيَه؟ قال: نَعَمْ، قال: فدَينُ اللهِ أحَقُّ أنْ يُقضَى»، وفي رِوايةٍ قال: جاءتِ امرأةٌ إلى رَسولِ اللهِ فقالت: يا رَسولَ اللهِ، إنَّ أُمِّي ماتَتْ وعليها صَومٌ، أفأصومُ عنها؟ قال: «أرأيتِ لو كان على أُمِّكِ دَينٌ فقَضَيتِه كان يُؤدِّي ذلك عنها؟ قالت: نَعَمْ. قال: صُومي عن أُمِّكِ» مُتَّفَقٌ عليه.

وعن ابنِ عَباسٍ «أنَّ سَعدَ بنَ عُبادةَ الأنصاريَّ استَفتَى النَّبيَّ في نَذرٍ كان على أُمِّه فتُوُفِّيت قبلَ أنْ تَقضيَه فأفتاه بأنْ يَقضيَه، فكانت سُنَّةً بَعدُ».

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الصيام
الجملة الثانية في أركان الصيام

وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ: فَإِنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ إِلَيْنَا خِلَافٌ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ.

وَأَمَّا عَلَى مَنْ يَجِبُ وُجُوبًا غَيْرَ مُخَيِّرٍ: فَهُوَ الْبَالِغُ الْعَاقِلُ الْحَاضِرُ الصَّحِيحُ إِذَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ الصِّفَةُ الْمَانِعَةُ مِنَ الصَّوْمِ وَهِيَ: الْحَيْضُ لِلنِّسَاءِ، وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ} البقرة: ١٨٥ .

الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ فِي أَرْكَان الصيام

الرُّكْنُ الْأَوَّلُ في الصيام هو الزَّمَانُ

الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ

فِي الْأَرْكَانِ

وَالْأَرْكَانُ ثَلَاثَةٌ: اثْنَانِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِمَا (وَهُمَا: الزَّمَانُ وَالْإِمْسَاكُ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ) . وَالثَّالِثُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَهُوَ: النِّيَّةُ.

فَأَمَّا الرُّكْنُ الْأَوَّلُ الَّذِي هُوَ الزَّمَانُ، فَإِنَّهُ يَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: زَمَانُ الْوُجُوبِ (وَهُوَ شَهْرُ رَمَضَانَ) .

وَالْآخَرُ: زَمَانُ الْإِمْسَاكِ عَنِ الْمُفْطِرَاتِ (وَهُوَ أَيَّامُ هَذَا الشَّهْرِ دُونَ اللَّيَالِي) .

وَيَتَعَلَّقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الزَّمَانَيْنِ مَسَائِلُ قَوَاعِدُ اخْتَلَفُوا فِيهَا، فَلْنَبْدَأْ بِمَا يَتَعَلَّقُ مِنْ ذَلِكَ بِزَمَانِ الْوُجُوبِ:

وَأَوَّلُ ذَلِكَ: فِي تَحْدِيدِ طَرَفَيْ هَذَا الزَّمَانِ.

وَثَانِيًا: فِي مَعْرِفَةِ الطَّرِيقِ الَّتِي بِهَا يُتَوَصَّلُ إِلَى مَعْرِفَةِ الْعَلَامَةِ الْمُحَدَّدَةِ فِي حَقِّ شَخْصٍ شَخْصٍ وَأُفُقٍ أُفُقٍ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 617 - 621

ارجع إلى قضاء رمضان للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.1 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
لا إله إلا الله