الإسلام > الطهارة > أقسام المياه > الماء المستعمل عند الحنابلة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةوالثاني: أنَّه يُنجَّسُ، وهو قَولُ أبي القاسمِ الأنماطيِّ؛ لأنَّه ماءٌ قَليلٌ لاقَى نَجاسةً، فأشبَهَ ما إذا وقَعَت فيه نَجاسةٌ.
والثالِثُ: أنَّه إنِ انفصَلَ والمَحلُّ طاهِرٌ فهو طاهِرٌ، وإنِ انفصَلَ والمَحلُّ نَجسٌ فهو نَجسٌ، وهو قَولُ أبي العَباسِ بنِ القاصِّ؛ لأنَّ المُنفصلَ في جُملةِ الباقي في المَحلِّ، فكانَ حُكمُه في النَّجاسةِ والطَّهارةِ حُكمَه (١).
الماءُ المُستعمَلُ عندَ الحَنابِلةِ:
ظاهِرُ المَذهبِ عندَ الحَنابِلةِ أنَّ الماءَ الذي استُعملَ في رَفعِ الحَدثِ ولم يَتغيرْ أحدُ أَوصافِه طاهِرٌ غيرُ مُطهِّرٍ، لا يَرفعُ حَدثًا ولا يُزيلُ نَجسًا.
وعن الإمامِ أحمدَ رِوايةٌ أُخرى: أنَّه طاهِرٌ مُطهِّرٌ يَرفعُ الحَدثَ ويُزيلُ الخَبثَ (٢)؛ لأنَّه غُسلَ به مَحلٌّ طاهِرٌ، فلم تَزلْ به طَهوريتُه كما لو غسَلَ به الثَّوبَ، ولأنَّه لاقَى مَحلًّا طاهِرًا فلا يَخرجُ عن حُكمِه بتَعدِّيه الفَرضَ به، كالثَّوبِ يُصلَّى فيه مِرارًا.
أمَّا الماءُ المُستعمَلُ في طَهارةٍ مُستحَبةٍ غيرِ واجِبةٍ كتَجديدِ الوُضوءِ والغَسلةِ الثانيةِ والغَسلةِ الثالِثةِ في الوُضوءِ، والغُسلِ للجُمعةِ والعِيدَينِ وغيرِها ففيه رِوايتانِ:
(١) «المهذب» (١/ ٨)، و «المجموع» (٢/ ١٣٩، ١٤٠)، وراجع كلام النووي فإنه مفيد.
(٢) وبه قالَ الحسنُ وعطاءٌ والنَّخعيُّ والزُّهريُّ ومَكحولٌ وأهلُ الظاهرِ، والرِّوايةُ الثانيةُ لمالِكٍ، والقولُ الثاني للشافِعيِّ. وهواختِيارُ شيخِ الإِسلامِ ابنِ تَيميَّةَ «مجموع الفتاوى» (٢٠/ ٥١٩)، وابن المنذر. انظر: «الأوسط» (١/ ٢٨٥، ٢٨٨)، و «المغني» (١/ ٤٦)، وهو أيضًا قولُ عليِّ بنِ أبي طالبٍ وابنِ عمرُ وأبي أُمامةَ.
إحداهُما: أنَّه كالمُستعمَلِ في رَفعِ الحَدثِ؛ لأنَّها طَهارةٌ مَشروعةٌ، أشبَهَ ما لو اغتسَلَ به من جَنابةٍ.
والثاني: لا يَمنعُ الطَّهوريةَ؛ لأنَّه لم يَزلْ مانِعًا من الصَّلاةِ، أشبَهَ ما لو تبَرَّدَ به؛ فإنْ لم تَكنِ الطَّهارةُ مَشروعةً لم يُؤثِّرِ استِعمالُ الماءِ فيها شَيئًا كالغَسلةِ الرابِعةِ في الوُضوءِ، وكانَ كما لو تبَرَّدَ، أو غسَلَ به ثَوبَه.
قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: ولا تَختلفُ الرِّوايةُ أنَّ ما استُعملَ في التبَرُّدِ والتَّنظيفِ أنَّه باقٍ على إطلاقِه، ولا نَعلمُ فيه خِلافًا (١).
أمَّا الماءُ المُستعمَلُ في تَعبُّدٍ من غيرِ حَدثٍ كغَسلِ اليَدينِ من نَومِ اللَّيلِ.
قالَ ابنُ قُدامةَ: فإنْ قُلنا: ليسَ ذلك بواجِبٍ، لم يُؤثِّرِ استِعمالُه في الماءِ، وإنْ قُلنا بوُجوبِه قالَ القاضِي: هو طاهِرٌ غيرُ مُطهِّرٍ، وذكَرَ أبو الخَطابِ فيه روايتَين:
إحداهُما: أنَّه يَخرجُ عن إطلاقِه؛ لأنَّه مُستعمَلٌ في طَهارةِ تَعبُّدٍ، أشبَهَ المُستعمَلَ في رَفعِ الحَدثِ، ولأنَّ النَّبيَّ ﷺ نَهى أنْ يَغمسَ القائِمُ من نَومِ اللَّيلِ يَدَه في الإناءِ قبلَ غَسلِها، فدَلَّ ذلك على أنَّه يُفيدُ مَنعًا.
والرِّوايةُ الثانيةُ: أنَّه باقٍ على إِطلاقِه؛ لأنَّه لم يَرفعْ حَدثًا، أشبَهَ المُتبرِّدَ به (٢).
(١) «المغني» (١/ ٤٦).
(٢) «المغني» (١/ ٤٣، ٤٦).
وجُملةُ ما تقدَّمَ يَتلخَّصُ في الآتي:
ذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ -وهو رِوايةٌ عن الإمامِ أحمدَ- إلى أنَّ الماءَ المُستعمَلَ الذي قد تُوُضِّئَ به مَرةً لا يُتوضَّأُ به، ومَن تَوضَّأ به أعادَ أبَدًا؛ لأنَّه ليسَ بماءٍ مُطلَقٍ، ويَتيممُ واجِدُه؛ لأنَّه ليسَ بواجِدِ ماءٍ.
وذهَبَ الإمامُ مالِكٌ إلى أنَّه لا يُتوضَّأُ به إذا وُجدَ غيرُه وقالَ: لا خَيرَ فيه؛ فإنْ لم يَجدْ غيرَه توَضَّأ به ولم يَتيممْ؛ لأنَّه ماءٌ طاهِرٌ لم يُغيرْه شَيءٌ.
وذهَبَ الإمامُ أحمدُ في الرِّوايةِ الثانيةِ إلى أنَّه طاهِرٌ مُطهِّرٌ يَجوزُ الوُضوءُ به.
أمَّا الماءُ الذي استُعملَ في التَّبريدِ والتَّنظيفِ فإنَّه باقٍ على إطلاقِه يَجوزُ التَّطهُّرُ به بلا خِلافٍ بينَ الفُقهاءِ (١).
(١) «التمهيد» (٤/ ٤٢، ٤٣)، و «الأوسط» (١/ ٢٨٥)، و «نيل الأوطار» (١/ ٦٣)، و «المغني» (١/ ٤٦)، وقالَ الحافِظُ ابنُ حَجرٍ في «الفتح» (١/ ٤١٤)، وهو يَشرحُ حَديثَ أبي هُرَيرةَ: «لا يَبولَنَّ أحدُكم في الماءِ الدائِمِ ولا يَغتسلْ فيه من الجَنابةِ، قيلَ: كيف يَفعلُ يا أبا هُرَيرةَ؟ قالَ يَتناوَلُه تَناوُلًا» فدَلَّ على أنَّ المَنعَ من الانغِماسِ فيه لئلَّا يَصيرَ مُستعمَلًا فيَمتنعَ عن الغيرِ الانتِفاعُ به، والصَّحابِيُّ أعلَمُ بموارِدِ الخِطابِ من غيرِه، وهذا مِنْ أَقوى الأدِلةِ على أنَّ المُستعمَلَ غيرُ طَهورٍ.
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الطهارة
باب ما تكون به الطهارة من الماء
(باب ما تكونُ به الطَّهارةُ من الماء )
التَّقديرُ: هذا باب ما تكون به الطهارةُ من الماء ، فحذَف المبتدأَ للعِلْم به، وقوله " ما تكونُ به " ، أي تحصُل وتحدُث، وهى ها هنا تامَّةٌ غيرُ محتاجةٍ إلى خَبَرٍ، ومتى كانت تامَّةً كانت بمعنى الحدَثِ والحصُولِ، تقول: كان الأمرُ، أي حدَث ووَقَع؛ قال اللهُ تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} : أي: إن وُجِدَ ذو عُسْرَة. وقال الشاعر :
إذَا كان الشِّتَاءُ فأدْفِئُونِى ... فإنَّ الشَّيْخَ يَهْدِمُهُ الشِّتَاءُ
أي إذا جاء الشتاءُ وحَدَث .
وفى نُسْخةٍ مَقْروءَة علَى ابنِ عَقِيلٍ : (باب ما تجُوز به الطهارةُ من الماء) ومعناهما مُتَقارِبٌ.
والطَّهارةُ في اللغة: النَّزاهةُ عن الأقْذار، وفى الشَّرْعِ: رَفْعُ ما يمنَعُ الصلاة مِن حَدَثٍ أو نجاسةٍ بالماءِ، أو رَفْعُ حُكْمِه بالتُّرابِ. فعند إطْلاقِ لفظِ الطهارة في لَفْظِ
الشارِع أو كلام الفقهاء ينصرفُ إلى الموضوع الشَّرْعِىِّ دون اللغوى وكذلك كلُّ مالَه موضوعٌ شَرْعىٌّ ولُغَوىٌّ، إنما ينْصرِف المُطْلَقُ منه إلى الموضوع الشَّرْعِىِّ كالوضوء، والصلاة، والصَّوْمِ، والزَّكاةِ، والحَجّ، ونحوه، لأنَّ الظَّاهرَ مِن صاحبِ الشرع التَّكَلُّمُ بمَوْضُوعاتِه.
والطُّهور - بضَمِّ الطَّاء -: المصدرُ، قالَه الْيَزِيدِىّ
والطَّهُور - بالفَتْح - من الأسماء المتعَدِّيَة، وهو الذي يُطَهِّرُ غيرَه، مثلُ الغَسُول الذي يُغَسَّل به.
وقال بعضُ الحنفيَّة: هو من الأسماء اللَّازمة، بمعنى الطاهر سَواء؛ لأن العَرَبَ لا تُفرَّق بين الفاعل والفَعُول في التَّعَدِّى واللُّزُوم، فما كان فاعِلُه لازمًا كان فَعُولُه لازما، بدليلِ قاعِد وقَعُود، ونائم ونَؤُوم، وضارِب وضَرُوب.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · [كتاب الطهارة]
(باب ما يفسد الماء)
(باب ما يفسد الماء)
قال الشافعي رضي الله عنه: " إِذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ نُقْطَةُ خمرٍ أَوْ بولٍ أَوْ دمٍ أَوْ أَيِّ نجاسةٍ كَانَتْ مِمَّا يُدْرِكُهَا الطَّرْفُ فَسَدَ الْمَاءُ، وَلَا تُجْزِئُ بِهِ الطَّهَارَةُ " .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ النَّجَاسَةَ ضَرْبَانِ ضَرْبٌ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، وَضَرْبٌ لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، فَأَمَّا مَا لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ فَمِثْلُ الْبَوْلِ وَالْخَمْرِ وَالْغَائِطِ، فَتَوَقِّي يَسِيرِهِ وَكَثِيرِهِ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْلُو حَالُ ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ يدركه الطرف فإن كان مما يدركها الطَّرْفُ، فَقَدْ نَجُسَ مِمَّا حَصَلَتْ فِيهِ هَذِهِ النَّجَاسَةُ الْمُرِيبَةُ قَلَّتِ النَّجَاسَةُ أَوْ كَثُرَتْ وَسَوَاءٌ وَقَعَتْ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ أَوْ حَصَلَتْ فِي مَاءٍ قَدْرُهُ أَقَلُّ مِنْ قُلَّتَيْنِ.
ارجع إلى أقسام المياه للاطلاع على جميع المسائل.