ثالثا: الماء المسخن

الإسلام > الطهارة > أقسام المياه > ثالثا: الماء المسخن

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

ثالثا: الماء المسخن - الأقوال والأدلة

ثالِثًا: الماءُ المُسخَّنُ:

الماءُ المُسخَّنُ إمَّا أنْ يَكونَ مُسخَّنًا بتأثيرِ الشَّمسِ فيه، وإمَّا أنْ يَكونَ مُسخَّنًا بتأثيرِ غيرِها.

أولًا: الماءُ المُسخَّنُ بتأثيرِ الشَّمسِ فيه (المُشمَّسُ):

اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ استِعمالِ الماءِ المُشمَّسِ هل يَجوزُ استِعمالُه مُطلقًا من غيرِ كَراهةٍ أو يُكرهُ استِعمالُه؟ على قَولَينِ:

القَولُ الأولُ: جَوازُ استِعمالِه مُطلَقًا من غيرِ كَراهةٍ، سَواءٌ كانَ هذا الاستِعمالُ في البَدنِ أو في الثَّوبِ، وبهذا قالَ جُمهورُ الحَنفيةِ والحَنابِلةِ وبَعضُ فُقهاءِ المالِكيةِ -كابنِ شَعبانَ وابنِ الحاجِبِ وابنِ عبدِ الحَكمِ-، وبَعضُ الشافِعيةِ كالنَّوويِّ والرُّويانِيِّ (١).

القَولُ الثاني: كَراهةُ استِعمالِ الماءِ المُشمَّسِ وهو مَذهبُ المالِكيةِ في المُعتمَدِ عندَهم والشافِعيةِ في المَذهبِ وبَعضِ الحَنفيةِ.

يَقولُ الخَطيبُ الشِّربينيُّ رحمة الله عليه: ويُكرهُ شَرعًا الماءُ المُشمَّسُ تَنزيهًا، أي: ما سخَّنَته الشَّمسُ، أي: يُكرهُ استِعمالُه في البَدنِ في الطَّهارةِ وغيرِها، كأكلٍ وشُربٍ؛ لمَا رَوى الشافِعيُّ عن عُمرَ رضي الله عنه أنَّه: «كانَ يَكرهُ

(١) «حاشية ابن عابدين» (١/ ٣٢٤)، و «مواهب الجليل» (١/ ٧٨)، و «حاشية الدسوقي» (١/ ٧٣)، والشرح الصغير بهاش «بلغة السالك» (١/ ٢٨)، و «المجموع» (٢/ ٣٠) «المغني» (١/ ٤١).

الاغتِسالَ بالماءِ المُشمَّسِ، وقالَ: يُورثُ البَرَصَ» لكنْ بشَرطِ أنْ يَكونَ ببِلادٍ حارةٍ، أي: تَقلِبُه الشَّمسُ عن حالتِه إلى حالةٍ أُخرى، كما نقَلَه في البَحرِ عن الأَصحابِ في آنيةٍ مُنطبِعةٍ غيرِ النَّقدَينِ، وهي كلُّ ما طُرقَ كالنُّحاسِ ونَحوِه، وأنْ يُستعملَ في حالِ حَرارتِه؛ لأنَّ الشَّمسَ بحِدَّتِها تَفصلُ منه زُهومةً تَعلو الماءَ، فإذا لاقَتِ البَدنَ بسُخونتِها خِيفَ أنْ تَقبضَ عليه فيَحتبسَ الدَّمُ فيَحصلَ البَرصُ (١).

وقالَ الدَّرديرُ: يُكرهُ الماءُ المُشمَّسُ، أي: المُسخَّنُ، أي: بالشَّمسِ في الأَقطارِ الحارةِ، كأرضِ الحِجازِ، لا في نَحوِ مِصرَ والرُّومِ، وقيَّدَ بَعضُهم الكَراهةَ أيضًا بالمُشمَّسِ في الأَواني والنُّحاسِ ونَحوِها لا الفَخَّارِ، وقيلَ: لا يُكرهُ مُطلقًا (٢).

وعقَّبَ الإمامُ الدُّسوقيُّ على قَولِ الدَّرديرِ في «الشَّرح الكَبير»: والمُعتمَدُ الكَراهةُ بقَولِه: وهو ما نقَلَه ابنُ الفُراتِ عن مالِكٍ، واقتصَرَ عليه جَماعةٌ من أهلِ المَذهبِ، لكنَّ هذه الكَراهةَ طِبِّيةٌ لا شَرعيةٌ؛ لأنَّ حَرارةَ الشَّمسِ لا تَمنعُ من إِكمالِ الوُضوءِ أو الغُسلِ، بخِلافِ ما لو كانَت كَراهتُه لشِدةِ حَرارتِه؛ فإنَّها شَرعيةٌ، والفَرقُ بينَ الكَراهتَين أنَّ الشَّرعيةَ يُثابُ تارِكُها بخِلافِ الطِّبيةِ (٣).

(١) «مغني المحتاج» (١/ ٧٩، ٨٠)، و «كفاية الأخيار» ص (٥٣).
(٢) الشرح الصغير بهامش «بلغة السالك» (١/ ٢٨).
(٣) «حاشية الدسوقي» (١/ ٧٣، ٧٤).

وقالَ ابنُ عابِدينَ في «حاشيتِه»: قدَّمنا في بابِ مَندوباتِ الوُضوءِ عن الإِمرادِ أنَّ منه ألَّا يَكونَ بماءٍ مُشمَّسٍ وبه صرَّحَ في «الحِلية» مُستدلًّا بما صَحَّ عن عُمرَ من النَّهيِ عنه، ولذا صرَّحَ في الفَتحِ بكَراهتِه، ومِثلُه في البَحرِ.

وقالَ في «مَعارج الدِّرايةِ» وفي «القُنية»: وتُكرهُ الطَّهارةُ بالمُشمَّسِ، لقَولِه لعائِشةَ رضي الله عنها حين سخَّنَت الماءَ بالشَّمسِ: «لا تَفعَلي يا حُمَيراءُ؛ فإنَّه يُورِثُ البَرَصَ».

وفي الغايةِ: يُكرهُ بالمُشمَّسِ في قُطرٍ حارٍّ في أَوانٍ مُنطبعةٍ (١).

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه مُعلِّقًا على هذَين الحَديثَينِ:

أمَّا حَديثُ عائِشةَ فضَعيفٌ باتِّفاقِ المُحدِّثينَ، وقد رَواه البَيهَقيُّ من طُرقٍ وبيَّنَ ضَعفَها كلَّها، ومنهم مَنْ يَجعلُه مَوضوعًا، وقد رَواه الشافِعيُّ في «الأُم» بإِسنادِه عن عُمرَ بنِ الخَطابِ، وقالَ: إنَّه يُورثُ البَرصَ، وهذا ضَعيفٌ أيضًا باتِّفاقِ المُحدِّثينَ … فحصَلَ من هذا: أنَّ المُشمَّسَ لا أصلَ لكَراهتِه، ولم يَثبتْ عن الأطِباءِ فيه شَيءٌ، فالصَّوابُ: الجَزمُ بأنَّه لا كَراهةَ فيه … وهو الصَّوابُ المُوافِقُ للدَّليلِ ولنَصِّ الشافِعيِّ؛ فإنَّه قالَ في «الأُم»: لا أكرَهُ المُشمَّسَ إلا أنْ يَكونَ من جِهةِ الطِّبِّ، كذا رأيتُه في «الأُم» (٢). وكذا نقَلَه البَيهَقيُّ بإِسنادِه في كِتابِه «مَعرِفة السُّنَن والآثار» عن الشافِعيِّ (٣).

(١) «حاشية ابن عابدين» (١/ ٣٢٤، ٣٢).
(٢) «الأم» (١/ ٣).
(٣) «المجموع» (٢/ ٢٧، ٢٩)، و «روضة الطالبين» (١/ ١٤٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الطهارة
باب ما تكون به الطهارة من الماء

(باب ما تكونُ به الطَّهارةُ من الماء )

التَّقديرُ: هذا باب ما تكون به الطهارةُ من الماء ، فحذَف المبتدأَ للعِلْم به، وقوله " ما تكونُ به " ، أي تحصُل وتحدُث، وهى ها هنا تامَّةٌ غيرُ محتاجةٍ إلى خَبَرٍ، ومتى كانت تامَّةً كانت بمعنى الحدَثِ والحصُولِ، تقول: كان الأمرُ، أي حدَث ووَقَع؛ قال اللهُ تعالى: {وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ} : أي: إن وُجِدَ ذو عُسْرَة. وقال الشاعر :

إذَا كان الشِّتَاءُ فأدْفِئُونِى ... فإنَّ الشَّيْخَ يَهْدِمُهُ الشِّتَاءُ

أي إذا جاء الشتاءُ وحَدَث .

وفى نُسْخةٍ مَقْروءَة علَى ابنِ عَقِيلٍ : (باب ما تجُوز به الطهارةُ من الماء) ومعناهما مُتَقارِبٌ.

والطَّهارةُ في اللغة: النَّزاهةُ عن الأقْذار، وفى الشَّرْعِ: رَفْعُ ما يمنَعُ الصلاة مِن حَدَثٍ أو نجاسةٍ بالماءِ، أو رَفْعُ حُكْمِه بالتُّرابِ. فعند إطْلاقِ لفظِ الطهارة في لَفْظِ

الشارِع أو كلام الفقهاء ينصرفُ إلى الموضوع الشَّرْعِىِّ دون اللغوى وكذلك كلُّ مالَه موضوعٌ شَرْعىٌّ ولُغَوىٌّ، إنما ينْصرِف المُطْلَقُ منه إلى الموضوع الشَّرْعِىِّ كالوضوء، والصلاة، والصَّوْمِ، والزَّكاةِ، والحَجّ، ونحوه، لأنَّ الظَّاهرَ مِن صاحبِ الشرع التَّكَلُّمُ بمَوْضُوعاتِه.

والطُّهور - بضَمِّ الطَّاء -: المصدرُ، قالَه الْيَزِيدِىّ

والطَّهُور - بالفَتْح - من الأسماء المتعَدِّيَة، وهو الذي يُطَهِّرُ غيرَه، مثلُ الغَسُول الذي يُغَسَّل به.

وقال بعضُ الحنفيَّة: هو من الأسماء اللَّازمة، بمعنى الطاهر سَواء؛ لأن العَرَبَ لا تُفرَّق بين الفاعل والفَعُول في التَّعَدِّى واللُّزُوم، فما كان فاعِلُه لازمًا كان فَعُولُه لازما، بدليلِ قاعِد وقَعُود، ونائم ونَؤُوم، وضارِب وضَرُوب.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · [كتاب الطهارة]
(باب ما يفسد الماء)

(باب ما يفسد الماء)

قال الشافعي رضي الله عنه: " إِذَا وَقَعَ فِي الْمَاءِ نُقْطَةُ خمرٍ أَوْ بولٍ أَوْ دمٍ أَوْ أَيِّ نجاسةٍ كَانَتْ مِمَّا يُدْرِكُهَا الطَّرْفُ فَسَدَ الْمَاءُ، وَلَا تُجْزِئُ بِهِ الطَّهَارَةُ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ النَّجَاسَةَ ضَرْبَانِ ضَرْبٌ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، وَضَرْبٌ لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ، فَأَمَّا مَا لَا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِهِ فَمِثْلُ الْبَوْلِ وَالْخَمْرِ وَالْغَائِطِ، فَتَوَقِّي يَسِيرِهِ وَكَثِيرِهِ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ} وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يَخْلُو حَالُ ذَلِكَ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:

إِمَّا أَنْ يَكُونَ يدركه الطرف فإن كان مما يدركها الطَّرْفُ، فَقَدْ نَجُسَ مِمَّا حَصَلَتْ فِيهِ هَذِهِ النَّجَاسَةُ الْمُرِيبَةُ قَلَّتِ النَّجَاسَةُ أَوْ كَثُرَتْ وَسَوَاءٌ وَقَعَتْ عَلَى ثَوْبٍ أَوْ بَدَنٍ أَوْ حَصَلَتْ فِي مَاءٍ قَدْرُهُ أَقَلُّ مِنْ قُلَّتَيْنِ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 204 - 206

ارجع إلى أقسام المياه للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
سبحان الله