تطهير الخف من النجاسة

الإسلام > الطهارة > أنواع النجاسات > تطهير الخف من النجاسة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

تطهير الخف من النجاسة - الأقوال والأدلة

وذهَبَ الإمامُ الشافِعيُّ -وهو القَولُ الثاني في مَذهبِ مالِكٍ وفي مَذهبِ أحمدَ- إلى أنَّه لا يَجوزُ إِزالةُ النَّجاسةِ إلا بالماءِ.

وهناك قَولٌ ثالِثٌ للإمامِ أحمدَ بأنَّ ذلك يَجوزُ للحاجةِ، كما في طَهارةِ فَمِ الهِرةِ برِيقِها، وطَهارةِ أَفواهِ الصِّبيانِ بأرياقِهم، ونَحوِ ذلك (١).

٢٢ - تَطهيرُ الخُفِّ من النَّجاسةِ:

ذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ إلى أنَّه إذا أصابَتْ أسفَلَ الخُفِّ أو النَّعلِ نَجاسةٌ؛ فإنَّ تَطهيرَه يَكونُ بغَسلِه، ولا يُجزئُ لو دلَكَه كالثَّوبِ والبَدنِ، ولا فَرقَ في ذلك بينَ أنْ تَكونَ النَّجاسةُ رَطبةً أو جافةً، وعندَ الشافِعيةِ قَولانِ في العَفوِ عن النَّجاسةِ الجافةِ إذا دُلكَت.

قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: إذا أصابَت أسفَلَ الخُفِّ أو النَّعلِ نَجاسةٌ رَطبةٌ فدلَكَه بالأرضِ فأزالَ عيْنَها وبَقيَ أثرُها نُظرَ إنْ دلَكَها وهي رَطبةٌ لم يُجزئْه ذلك، ولا يَجوزُ الصَّلاةُ فيه بلا خِلافٍ؛ لأنَّها تَنتشِرُ من مَحلِّها إلى غيرِه من أجزاءِ الخُفِّ الظاهِرةِ، وإنْ جفَّت على الخُفِّ فدلَكَه وهي جافةٌ بحيث لم تَنتشِرْ إلى مَوضعِها منه فالخُفُّ نَجسٌ بلا خِلافٍ، ولكنْ هل يُعفَى عن هذه النَّجاسةِ فتَصحُّ الصَّلاةُ؟ فيه قَولانِ، أصَحُّهما الجَديدُ، وهو

(١) «فتح القدير» (١/ ١٣٣)، و «تبين الحقائق» (١/ ٦٩، ٧٠)، و «الاستذكار» (١/ ١٧١، ١٧٢)، و «الشرح الكبير» (١/ ٣٤)، و «المجموع» (١/ ١٤٥، ١٤٦)، والقليوبي وعميرة (١/ ١٨)، و «كشاف القناع» (١/ ٢٥، ١٨١)، و «الإفصاح» (١/ ٤٠)، ومجموع الفتاوي (٢١/ ٤٧٤، ٤٧٨)، و «الإنصاف» (١/ ٣٠٩).

أنَّه لا تَصحُّ الصَّلاةُ، وبه قالَ أحمدُ في أصَحِّ الرِّواياتِ عنه؛ لأنَّه مَلبوسٌ نَجسٌ فلا يُجزئُ فيه المَسحُ كالثَّوبِ.

والقَديمُ الصِّحةُ لمَا رَوى أبو سَعيدٍ الخُدريُّ رضي الله عنه أنَّ رَسولَ اللهِ قالَ: «إذا جاءَ أحدُكم إلى المَسجدِ فليَنظُرْ في نَعلَيه فإنْ رأى فيهما قَذرًا -أو قالَ: أذًى- فليَمسَحْهما وليُصلِّ فيهما» (١).

قالَ الرافِعيُّ: إنْ قُلنا بالقَديمِ -وهو العَفوُ- فله شُروطٌ:

أحدُها: أنْ يَكونَ للنَّجاسةِ جِرمٌ يَلتصِقُ بالخُفِّ، أمَّا البَولُ ونَحوُه فلا يَكفي دَلكُه بحالٍ.

الثاني: أنْ يَدلُكَه في حالِ الجَفافِ، وأمَّا ما دامَ رَطبًا فلا يَكفي دَلكُه قَطعًا.

الثالِثُ: أنْ يَكونَ حُصولُ النَّجاسةِ بالمَشيِ من غيرِ تَعمُّدٍ، فلو تعمَّدَ تَلطُّخَ الخُفِّ بها وجَبَ الغُسلُ قَطعًا.

ونقَلَ الإمامُ البُهوتيُّ عن «الإنصاف»: أنَّ يَسيرَ النَّجاسةِ إذا كانَت على أسفَلِ الخُفِّ والحِذاءِ بعدَ الدَّلكِ يُعفى عنه على القَولِ بنَجاستِه (٢).

وذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ إلى أنَّه إذا أصابَ الخُفَّ نَجاسةٌ لها جِرمٌ كالرَّوثِ والعُذرةِ فجفَّت فدلَكَه بالأرضِ جازَ، والرَّطبُ وما لا جِرمَ له كالخَمرِ والبَولِ فلا يَجوزُ فيه إلا الغَسلُ.

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٦٥٠)، وأحمد (١١٨٩٥)، وابن خزيمة في «صحيحه» (٧٨٦)، وابن حبان في «صحيحه» (٢١٨٥).
(٢) «المجموع» (٢/ ٥٤٩، ٥٥٠)، و «كشاف القناع» (١/ ١٨٩)، و «الإنصاف» (١/ ٣٢٣).

وقالَ أبو يُوسفَ: يَجوزُ المَسحُ فيهما -أي: إذا كانَ جافًّا أو رَطبًا- إلا البَولَ والخَمرَ.

وقالَ مُحمدٌ: لا يَجوزُ فيهما إلا الغَسلُ كالثَّوبِ، قالَ ابنُ نَجيمٍ: والحَديثُ حُجةٌ عليه -أي: الحَديثُ السابِقُ- ولهذا رُويَ رُجوعُه كما في النِّهايةِ.

ولأبي يُوسفَ إِطلاقُ قَولِ النَّبيِّ : «إذا أصابَ خُفَّ أحدِكم أو نَعلَه أذًى فليَدلُكْهما في الأرضِ وليُصلِّ فيهما … » من غيرِ فَصلٍ بينَ الرَّطبِ واليابِسِ، والمُتجسدِ وغيرِه، وللضَّرورةِ العامةِ.

قالَ الكَمالُ بنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: وعلى قَولِ أبي يُوسفَ أكثَرُ المَشايخِ وهو المُختارُ لعُمومِ البَلوى، ونَعلمُ أنَّ الحَديثَ يُفيدُ طَهارَتَهما بالدَّلكِ مع الرُّطوبةِ؛ إذْ ما بينَ المَسجدِ والمَنزلِ ليسَ مَسافةً في مُدةِ قَطعِها ما أصابَ الخُفَّ رَطبًا (١).

أمَّا المالِكيةُ فقد فرَّقوا بينَ أرواثِ الدَّوابِ وأبوالِها وبينَ غيرِها من النَّجاساتِ، فإذا أصابَ الخُفَّ شَيءٌ من رَوثِ الدَّوابِّ وأبوالِها؛ فإنَّه يُعفَى عنه إنْ دُلكَ بتُرابٍ أو حَجرٍ أو نَحوِه حتى زالَت العَينُ، وكذا إنْ جفَّت النَّجاسةُ بحيث لم يَبقَ شَيءٌ يُخرجُه النَّعلُ سِوى الحُكمِ.

وقيَّدَ بَعضُهم العَفوَ بأنْ تَكونَ إِصابةُ الخُفِّ أو النَّعلِ بمَوضعٍ يَطرقُه الدَّوابُّ كَثيرًا، كالطُّرقِ لمَشقةِ الاحتِرازِ عنه.

(١) «البحر الرائق» (١/ ٢٣٤)، و «حاشية ابن عابدين» (١/ ٣١٠)، و «حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح» (١/ ١٠٨)، و «شرح فتح القدير» (١/ ١٩٥، ١٩٦)، و «الاختيار» (١/ ٣١، ٣٣)، و «الأوسط» (٢/ ١٧٠)، و «نيل الأوطار» (١/ ٥٤).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطهارة
فصل بيان ما يقع به التطهير

وَإِنْ كَانَ يَتَحَرَّكُ بِحَرَكَتِهِ لَا يَجُوزُ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَجُوزُ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا بِخِلَافِ الْعِمَامَةِ، (وَالْفَرْقُ) أَنَّ الطَّرَفَ النَّجِسَ مِنْ الْعِمَامَةِ إذَا كَانَ يَتَحَرَّكُ بِتَحَرُّكِهِ، صَارَ حَامِلًا لِلنَّجَاسَةِ مُسْتَعْمِلًا لَهَا، وَهَذَا لَا يَتَحَقَّقُ فِي الْبِسَاطِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَضَعَ يَدَيْهِ أَوْ رُكْبَتَيْهِ عَلَى الْمَوْضِعِ النَّجِسِ مِنْهُ يَجُوزُ؟ ، وَلَوْ صَارَ حَامِلًا لَمَا جَازَ، وَلَوْ صَلَّى عَلَى ثَوْبٍ مُبَطَّنٍ ظِهَارَتُهُ طَاهِرَةٌ، وَبِطَانَتُهُ نَجِسَةٌ، رُوِيَ عَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَجُوزُ، وَكَذَا ذَكَرَ فِي نَوَادِرِ الصَّلَاةِ.

وَرُوِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ، وَمِنْ الْمَشَايِخِ مَنْ وَفَّقَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَقَالَ: جَوَابُ مُحَمَّدٍ فِيمَا إذَا كَانَ مَخِيطًا غَيْرَ مُضَرَّبٍ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ ثَوْبَيْنِ، وَالْأَعْلَى مِنْهُمَا طَاهِرٌ، وَجَوَابُ أَبِي يُوسُفَ فِيمَا إذَا كَانَ مَخِيطًا مُضَرَّبًا فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ ثَوْبٍ وَاحِدٍ ظَاهِرُهُ طَاهِرٌ، وَبَاطِنُهُ نَجِسٌ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّقَ فِيهِ الِاخْتِلَافَ فَقَالَ: عَلَى قَوْلِ مُحَمَّدٍ يَجُوزُ كَيْفَمَا كَانَ، وَعَلَى قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ لَا يَجُوزُ كَيْفَمَا كَانَ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 628 - 630

ارجع إلى أنواع النجاسات للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.2 / 29.5
الإضاءة 37%
البدر بعد 9 يوم
الحمد لله