الإسلام > الطهارة > أنواع النجاسات > روث ما يؤكل لحمه
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةودَليلُهم في هذا: حَديثُ ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه أنَّه قالَ: «أتَى النَّبيُّ ﷺ الغائِطَ فأمَرَني أنْ آتيَه بثَلاثةِ أَحجارٍ، فوَجَدتُ حَجرَينِ والتمَستُ الثالِثَ فلم أجِدْه فأخَذتُ رَوثةً فأتَيتُه بها، فأخَذَ الحَجرَينِ وألقى الرَّوثةَ وقالَ: هذا رِكسٌ» (١)، أي: نَجسٌ.
١٤ - رَوثُ ما يُؤكلُ لَحمُه:
اختَلَفوا في رَوثِ ما يُؤكلُ لَحمُه وبَولُه، فقالَ مالِكٌ وأحمدُ في المَشهورِ عنه: إنَّه طاهِرٌ.
وقالَ أبو حَنيفةَ: ذَرقُ الحَمامِ (٢) والعَصافيرِ طاهِرٌ، والباقي نَجسٌ.
وقالَ الشافِعيُّ: إنَّه نَجسٌ على الإِطلاقِ (٣).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وعِندي أنَّه إذا عمَّت به البَلوى وتعذَّرَ الاحتِرازُ عنه يُعفَى عنه وتَصحُّ الصَّلاةُ كما يُعفَى عن طِينِ الشَّوارعِ وغُبارِ السِّرجِينِ (٤).
قالَ الكاسانِيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا الأَرواثُ فكلُّها نَجسةٌ عندَ عامةِ العُلماءِ.
وقالَ زُفرُ: رَوثُ ما يُؤكلُ لَحمُه طاهِرٌ، وهو قَولُ مالِكٍ.
(١) رواه البخاري (١٥٥).
(٢) ذرَقَ الطائرُ ذَرقًا، من بابَي ضرَبَ وقتَلَ، وهو منه كالغائطِ. انظر: «المصباح» (١/ ٢١٠٨).
(٣) «الإفصاح» (١/ ٥٢)، وانظر: «المهذب» (١/ ٤٦)، و «بدائع الصنائع» (١/ ٢٢٢).
(٤) «المجموع» للنووي (٢/ ٥٠٨).
واحتُجَّ بما رُويَ أنَّ الشُّبانَ من الصَّحابةِ في مَنازِلِهم وفي السَّفرِ كانوا يَترامَوْن بالجِلَّةِ وهي البَعرةُ اليابِسةُ، ولو كانَت نَجسةً لَمَا مَسُّوها، وعلَّلَ مالِكٌ بأنَّه وَقودُ أهلِ المَدينةِ يَستعمِلونَه استِعمالَ الحَطبِ.
ولنا: ما رَوَينا عن عبدِ اللهِ بنِ مَسعودٍ رضي الله عنه «أنَّ النَّبيَّ ﷺ طلَبَ منه أحجارَ الاستِنجاءِ فأتَى بحَجرَين ورَوثةٍ فأخَذَ الحَجرَين ورَمى الرَّوثةَ وقالَ: إنَّها رِكسٌ» أي: نَجسٌ، ولأنَّ مَعنى النَّجاسةِ مَوجودٌ فيها، وهو الاستِقذارُ في الطِّباعِ السَّليمةِ لاستِحالتِها إلى نَتنٍ وخَبثِ رائِحةٍ مع إمكانِ التَّحرزِ عنه، فكانَت نَجسةً.
ومنها خَرءُ بعضِ الطُّيورِ من الدَّجاجِ والبَطِّ، وجُملةُ الكَلامِ فيه أنَّ الطُّيورَ نَوعانِ:
نَوعٌ لا يَذرِقُ في الهَواءِ ونَوعٌ يَذرِقُ في الهَواءِ.
أمَّا ما لا يَذرِقُ في الهَواءِ كالدَّجاجِ والبَطِّ فخَرؤُهما نَجسٌ لوُجودِ مَعنى النَّجاسةِ فيه، وهو كَونُه مُستقذَرًا لتَغيُّرِه إلى نَتنٍ وفَسادِ رائِحةٍ فأشبَهَ العُذرةَ.
وفي الإوَزِّ عن أبي حَنيفةَ رِوايتانِ، رَوى أبو يُوسفَ عنه أنَّه ليسَ بنَجسٍ، ورَوى الحَسنُ عنه أنَّه نَجسٌ.
وما يَذرِقُ في الهَواءِ نَوعان أيضًا:
ما يُؤكَلُ لَحمُه كالحَمامِ والعُصفورِ والعَقعَقِ ونَحوِها وخَرؤُها طاهِرٌ عندَنا وعندَ الشافِعيِّ نَجسٌ.
وَجهُ قَولِه أنَّ الطَّبعَ قد أحالَه إلى فَسادٍ فوُجدَ مَعنى النَّجاسةِ فأشبَهَ الرَّوثَ والعُذرةَ.
ولنا: إِجماعُ الأُمةِ؛ فإنَّهم اعتادوا اقتِناءَ الحَماماتِ في المَسجدِ الحَرامِ والمَساجدِ الجامِعةِ مع عِلمِهم بأنَّها تَذرِقُ فيها، ولو كان نَجسًا لَمَا فعَلوا ذلك مع الأمرِ بتَطهيرِ المَسجدِ وهو قَولُه تَعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥].
ورُويَ عن ابنِ عُمرَ رضي الله عنهما أنَّ حَمامةً ذرَقَت عليه فمسَحَه وصلَّى، وعن ابنِ مَسعودٍ رضي الله عنه مِثلُ ذلك، في العُصفورِ، وبه تَبيَّنَ أنَّ مُجردَ إِحالةِ الطَّبعِ لا يَكفي للنَّجاسةِ ما لم يَكنْ للمُستحيلِ نَتنٌ وخَبثُ رائِحةٍ تَستخبِثُه الطِّباعُ السَّليمةُ، وذلك مُنعدِمٌ ههنا على أنَّا إنْ سلَّمنا ذلك لكانَ التَّحرزُ عنه غيرَ مُمكنٍ؛ لأنَّها تَذرِقُ في الهَواءِ فلا يُمكنُ صِيانةُ الثِّيابِ والأَواني عنه، فسقَطَ اعتِبارُه للضَّرورةِ كدَمِ البَقِّ والبَراغيثِ.
وحَكى مالِكٌ في هذه المَسألةِ الإِجماعَ على الطَّهارةِ ومِثلُه لا يَكذبُ، فلئِن لم يَثبُتِ الإِجماعُ من حيثُ القَولُ يَثبُتْ من حيثُ الفِعلُ وهو ما بَيَّنَّا.
وما لا يُؤكلُ لَحمُه كالصَّقرِ والبازِي والحِدَأةِ وأشباهِ ذلك خَرؤُها طاهِرٌ عندَ أبي حَنيفةَ وأبي يُوسفَ، وعندَ مُحمدٍ نَجسٌ نَجاسةً غَليظةً.
وَجهُ قَولِه أنَّه وُجدَ مَعنى النَّجاسةِ فيه لإِحالةِ الطَّبعِ إياه إلى خَبثٍ ونَتنِ رائِحةٍ فأشبَهَ غيرَ المَأكولِ من البَهائمِ ولا ضَرورةَ إلى إِسقاطِ اعتِبارِ نَجاستِه لعَدمِ المُخالَطةِ؛ لأنَّها تَسكنُ المُروجَ والمَفاوزَ بخِلافِ الحَمامِ ونَحوِه.
ولهما أنَّ الضَّرورةَ مُتحقِّقةٌ؛ لأنَّها تَذرِقُ في الهَواءِ فيَتعذَّرُ صيانةُ الثِّيابِ
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الطهارة
فصل في الطهارة الحقيقية
الْوَقْتِ فَكَذَلِكَ عِنْد عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ مَالِكٌ: يُعِيدُ وَجْهُ قَوْلِهِ: أَنَّ الْوَقْتَ أُقِيمَ مَقَامَ الْأَدَاءِ شَرْعًا كَمَا فِي الْمُسْتَحَاضَةِ فَكَانَ الْوُجُودُ فِي الْوَقْتِ كَالْوُجُودِ فِي أَثْنَاءِ الْأَدَاءِ حَقِيقَةً؛ وَلِأَنَّ التَّيَمُّمَ بَدَلٌ فَإِذَا قَدَرَ عَلَى الْأَصْلِ بَطَلَ الْبَدَلُ كَالشَّيْخِ الْفَانِي إذَا فَدَى أَوْ أَحَجَّ، ثُمَّ قَدَرَ عَلَى الصَّوْمِ وَالْحَجِّ بِنَفْسِهِ،.
(وَلَنَا) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَّقَ جَوَازَ التَّيَمُّمِ بِعَدَمِ الْمَاءِ، فَإِذَا صَلَّى حَالَةَ الْعَدَمِ فَقَدْ أَدَّى الصَّلَاةَ بِطَهَارَةٍ مُعْتَبَرَةٍ شَرْعًا فَيُحْكَمُ بِصِحَّتِهَا فَلَا مَعْنَى لِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ.
وَرُوِيَ أَنَّ «رَجُلَيْنِ أَتَيَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ تَيَمَّمَا مِنْ جَنَابَةٍ وَصَلَّيَا وَأَدْرَكَا الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا الصَّلَاةَ وَلَمْ يُعِدْ الْآخَرُ، فَقَالَ ﷺ لِلَّذِي أَعَادَ: أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ أُوتِيتَ أَجْرَكَ مَرَّتَيْنِ وَقَالَ لِلْآخَرِ: أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ أَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ عَنْكَ» .
أَيْ كَفَتْكَ جَزَى وَأَجْزَأَ مَهْمُوزًا بِمَعْنَى الْكِفَايَةِ، وَهَذَا يَنْفِي وُجُوبَ الْإِعَادَةِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ اعْتِبَارِ الْوُجُودِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ بِالْوُجُودِ فِي الصَّلَاةِ غَيْرُ سَدِيدٍ لِأَنَّهُ مُخَالِفٌ لِلْحَقِيقَةِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَدَثَ الْحَقِيقِيَّ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ لَا يُجْعَلُ كَالْمَوْجُودِ فِي خِلَالِ الصَّلَاةِ كَذَا هَذَا.
ارجع إلى أنواع النجاسات للاطلاع على جميع المسائل.