الإسلام > الطهارة > أنواع النجاسات > ما يعفى عنه من النجاسة
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 22 دقيقة قراءةب- وأنْ تَكونَ النَّجاسةُ التي أصابَت ذَيلَ الثَّوبِ مُخفَّفةً جافَّةً؛ فإنْ كانَت رَطبةً؛ فإنَّه يَجبُ الغَسلُ، إلا أنْ يَكونَ مَعفوًّا عنه كالطِّينِ.
ج- أنْ يَكونَ المَوضعُ الذي تَمرُّ عليه بعدَ الإصابةِ طاهِرًا يابِسًا (١).
ما يُعفَى عنه من النَّجاسةِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ فيما يُعفَى عنه من النَّجاساتِ.
فقالَ أبو حَنيفةَ: قَليلُ النَّجاساتِ مَعفوٌّ عنه، وحَدُّوه بقَدرِ الدِّرهمِ البَغليِّ.
قالَ المَوصليُّ الحَنفيُّ: (النَّجاسةُ غَليظةٌ وخَفيفةٌ) فالغَليظةُ عندَ أبي حَنيفةَ ما ورَدَ في نَجاستِه نَصٌّ ولم يُعارِضْه آخَرُ، ولا حَرجَ في اجتِنابِه، وإنِ اختَلَفوا فيه؛ لأنَّ الاجتِهادَ لا يُعارِضُ النَّصَّ.
والمُخفَّفةُ ما تَعارَضَ نَصَّانِ في طَهارتِه ونَجاستِه، وعندَ أبي يُوسفَ ومُحمدٍ المُغلظةُ: ما اتُّفقَ على نَجاستِه، ولا بَلوى في إصابَتِه. والمُخفَّفةُ: ما اختُلفَ في نَجاستِه؛ لأنَّ الاجتِهادَ حُجةٌ شَرعيةٌ كالنَّصِّ.
قالَ: (فالمانِعُ من الغَليظةِ أنْ يَزيدَ على قَدرِ الدِّرهمِ مِساحةً، إنْ كانَ مائِعًا، ووَزنًا إنْ كانَ كَثيفًا) وهو أنْ تَكونَ مِثلَ عَرضِ الكَفِّ؛ لقَولِ عُمرَ رضي الله عنه: إذا كانَت النَّجاسةُ قَدرَ ظُفرِي هذا لا تَمنعُ جَوازَ الصَّلاةِ حتى تَكونَ أكثَرَ منه، وظُفرُه كانَ قَريبًا من كَفِّنا.
(١) «حاشية الدسوقي مع الشرح الكبير» (١/ ١٢١)، و «شرح مختصر خليل على خليل» (١/ ١١٠)، و «مواهب الجليل» (١/ ١٥٢)، و «القوانين الفقهية» (١/ ٢٨).
وعن مُحمدٍ: الدِّرهمُ الكَبيرُ: المِثقالُ، أي: ما يَكونُ وَزنُه مِثقالًا، فيُحملُ الأولُ على المِساحةِ، إنْ كانَ مائِعًا، وقَولُ مُحمدٍ على الوَزنِ إنْ كانَ مُستَجسِدًا.
قالَ النَّخعيُّ: أرادوا أنْ يَقولوا: قَدرَ المَقعدةِ، فكَنَّوْا بقَدرِ الدِّرهمِ عنه، وإنَّما قدَّرَه أَصحابُنا بالدِّرهمِ؛ لأنَّ قَليلَ النَّجاسةِ عَفوٌ بالإِجماعِ كالتي لا يُدركُها البَصرُ، ودَمُ البَعوضِ والبَراغيثِ، والكَثيرُ مُعتبَرٌ بالإِجماعِ، فجعَلنا الحَدَّ الفاصِلَ قَدرَ الدِّرهمِ أخذًا من مَوضوعِ الاستِنجاءِ؛ فإنَّ بعدَ الاستِنجاءِ بالحَجرِ إنْ كانَ الخارجُ قد أصابَ جَميعَ المَخرجِ يَبقى الأثَرُ في جَميعِه، وذلك يَبلغُ قَدرَ الدِّرهمِ، والصَّلاةُ جائِزةٌ معه إِجماعًا، وعلِمنا أنَّ قَدرَ الدِّرهمِ عَفوٌ شَرعًا.
(والمانِعُ من الخَفيفةِ أنْ يَبلغَ رُبعَ الثَّوبِ)؛ لأنَّ للرُّبعِ حُكمَ الكلِّ في أَحكامِ الشَّرعِ كمَسحِ الرأسِ، ثم قيلَ: رُبعُ جَميعِ الثَّوبِ، وقيلَ: رُبعُ ما أصابَه كالكُمِّ والذَّيلِ والدِّخريصِ، وعندَ أبي يُوسفَ: شِبْرٌ في شِبْرٍ، وعندَ مُحمدٍ: ذِراعٌ في ذِراعٍ، وعنه مَوضعُ القَدمَينِ، والمُختارُ الرُّبعُ، وعن أبي حَنيفةَ أنَّه غيرُ مُقدَّرٍ، وهو مَوكولٌ إلى رأيِ المُبتَلى لتَفاوتِ الناسِ في الاستِفحاشِ (وكلُّ ما يَخرجُ من بَدنِ الإِنسانِ وهو مُوجبٌ للتَّطهيرِ فنَجاستُه غَليظةٌ) كالغائِطِ والبَولِ والدَّمِ والصَّديدِ والقَيءِ، ولا خِلافَ فيه، وكذلك المَنيُّ.
قالَ: (وكذلك الرَّوثُ والأخثاءُ) وبَولُ ما لا يُؤكلُ لَحمُه من الدَّوابِّ عندَ أبي حَنيفةَ؛ لأنَّ نَجاستَها ثَبتَت بنَصٍّ لم يُعارِضْه غيرُه، وهو قَولُه
ﷺ في الرَّوثِ: «إنَّه رِجسٌ» والأَخثاءُ مِثلُه، وعندَهما مُخففةٌ لعُمومِ البَلوى به، ووُقوعِ الاختِلافِ فيه (١).
وقالَ الإمامُ مالِكٌ: قَليلُ النَّجاساتِ وكَثيرُها سَواءٌ، إلا الدَّمَ فقَليلُه مَعفوٌّ عنه، وعنه في دَمِ الحَيضِ رِوايتانِ، قالَ ابنُ رُشدٍ: الأشهَرُ مُساواتُه لسائِرِ الدِّماءِ (٢).
وحَدُّ القِلةِ والكَثرةِ عندَهم هو قَدرُ الدِّرهمِ البَغليِّ.
قالَ في «الشَّرحِ الصَّغيرِ»: (وقَدرُ دِرهمٍ من دَمٍ وقَيحٍ وصَديدٍ) أي: يُعفَى عن قَدرِ الدِّرهمِ البَغليِّ وهو الدائِرةُ السَّوداءُ الكائِنةُ في ذِراعِ البَغلِ فدونَها (٣).
وعندَ الشافِعيةِ؛ قالَ الشِّيرازيُّ رحمة الله عليه: النَّجاسةُ ضَربانِ: دِماءٌ وغيرُ دِماءٍ، فأمَّا غيرُ الدِّماءِ فيُنظرُ فيه؛ فإنْ كانَ قَذرًا يُدركُه الطَّرفُ -أي: البَصرُ- لم يُعفَ عنه؛ لأنَّه لا يَشقُّ الاحتِرازُ منه، وإنْ كانَ قَذرًا لا يُدركُه الطَّرفُ ففيه ثَلاث حالاتٍ: إِحداها: أنَّه يُعفَى عنه؛ لأنَّه لا يُدركُ بالطَّرفِ فعُفيَ عنه كغُبارِ السِّرجِينِ، والثانيةُ: لا يُعفَى عنه؛ لأنَّه نَجاسةٌ لا يَشقُّ الاحتِرازُ منها، فلم يُعفَ عنها كالذي يُدركُه الطَّرفُ، والثالِثةُ: على قَولَينِ، أحدُهما: يُعفَى عنه، والثاني: لا يُعفَى عنه، ووَجهُ القَولَينِ ما ذكَرنا.
(١) «الاختيار» (١/ ٣٥، ٣٧)، و «تبين الحقائق» (١/ ٧٣)، و «المبسوط» (١/ ٦٠)، و «العناية شرح الهداية» (١/ ٣٢٦)، و «البحر الرائق» (١/ ٢٤٠).
(٢) «بداية المجتهد» (١/ ١٢١)
(٣) «الشرح الصغير» (١/ ٥٢)
قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: وأصَحُّ الطُّرقِ أنَّه يُعفَى عنه … وهذه العِبارةُ التي ذكَرَها المُصنفُ تَقتَضي أنَّ وَنيمَ الذُّبابِ لا يُعفَى عنه بلا خِلافٍ، إذا أدرَكَه الطَّرفُ، وقد ذكَرَ البَغويُّ وغيرُه أنَّه له حُكمُ دَمِ البَراغيثِ؛ لأنَّه تَعمُّ به البَلوى ويَشقُّ الاحتِرازُ منه، والصَّحيحُ أنَّه كدَمِ البَراغيثِ.
قالَ الشِّيرازيُّ رحمة الله عليه: وأمَّا الدِّماءُ فيُنظرُ فيها؛ فإنْ كانَ دَمُ القَملِ والبَراغيثِ وما أشبَهَها فإنَّه يُعفَى عن قَليلِه؛ لأنَّه يَشقُّ الاحتِرازُ منه، فلو لم يُعفَ عنه شَقَّ وضاقَ، وقد قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وفي كَثيرِه وَجهان، قالَ أبو سَعيدٍ الإصطَخريُّ: لا يُعفَى عنه؛ لأنَّه نادِرٌ لا يَشقُّ غَسلُه، وقالَ غيرُه: يُعفَى عنه، وهو الأصَحُّ؛ لأنَّ هذا الجِنسَ يَشقُّ الاحتِرازُ منه في الغالِبِ، فأُلحقَ نادِرُه بغالِبِه، وإنْ كانَ الدَّمُ دَمَ غيرِهما من الحَيواناتِ ففيه ثَلاثةُ أَقوالٍ، قالَ في «الأُمِّ»: يُعفَى عن قَليلِه، وهو القَدرُ الذي يَتعافاه الناسُ في العادةِ؛ لأنَّ الإِنسانَ لا يخَلو من بَثرةٍ وحَكةٍ يَخرجُ منها هذا القَدرُ فعُفيَ عنه، وقالَ في «الإملاء»: لا يُعفى عن قَليلِه ولا عن كَثيرِه؛ لأنَّه نَجاسةٌ لا يَشقُّ الاحتِرازُ منها، فلم يُعفَ عنها كالبَولِ، وقالَ في القَديمِ: يُعفَى عمَّا دونَ الكَفِّ ولا يُعفى عن الكَفِّ، والأولُ أصَحُّ.
قالَ النَّوويُّ: أمَّا دَمُ ما له نَفسٌ سائِلةٌ من آدَميٍّ وسائِرِ الحَيواناتِ ففيه الأَقوالُ الثَّلاثةُ التي ذكَرَها المُصنفُ، وهي مَشهورةٌ، أصَحُّها بالاتِّفاقِ قَولُه في «الأُم»: إنَّه يُعفَى عن قَليلِه، وهو القَدرُ الذي يَتعافاه الناسُ في العادةِ، يَعني يَعدُّونَه عَفوًا، قالَ الأزهَريُّ: يَعدُّونَه عَفوًا قد عُفيَ لهم عنه، ولم يُكلَّفوا بإِزالتِه للمَشقةِ في التَّحفُّظِ منه.
قالَ صاحِبُ «الشامِل»: قدَّرَه بعضُ أَصحابِنا بلُمعةٍ، وهذه الأَقوالُ في دَمِ غيرِه من آدَميٍّ وحَيوانٍ آخَرَ، وأمَّا دَمُ نَفسِه فضَربانِ، أحدُهما: ما يَخرجُ من بَثرةٍ (١)، من دَمٍ وقَيحٍ وصَديدٍ فله حُكمُ دَمِ البَراغيثِ بالاتِّفاقِ، يُعفَى عن قَليلِه قَطعًا، وفي كَثيرِه الوَجهان أصَحُّهما العَفوُ، فلو عصَرَ بَثرةً فخرَجَ منها دَمٌ قَليلٌ عُفيَ عنه على أصَحِّ الوَجهَينِ، وهما كالوَجهَينِ السابِقَينِ في دَمِ القَملةِ ونَحوِها إذا عصَرَه في ثَوبٍ أو بَدنِه.
الضَّربُ الثاني: ما يَخرجُ منه لا مِنْ البَثراتِ بل من الدَّمامِلِ والقُروحِ ومَوضِعِ الفَصدِ والحِجامةِ وغيرِها، وفيه طَريقانِ:
أحدُهما: أنَّه كدَمِ البَراغيثِ والبَثراتِ فيُعفَى عن قَليلِه، وفي كَثيرِه الوَجهان، قالَ الرافِعيُّ: هذا مُقتَضى كَلامِ الأكثَرينِ.
والثاني: وهو الأصَحُّ واختارَه ابنُ كَجٍّ والشَّيخُ أبو مُحمدٍ وإمامُ الحَرمَين: وهو ظاهِرُ كَلامِ المُصنفِ وسائِرِ العِراقيِّين أنَّه كدَمِ الأجنَبيِّ.
قالَ أَصحابُنا: وقَيحُ الأجنَبيِّ وصَديدُه وسائِرِ الحَيوانِ كدَمِ ذلك الحَيوانِ، ثم الجُمهورُ أطلَقوا الكَلامَ في الدِّماءِ على ما سبَقَ، وقيَّدَ صاحِبُ البَيانِ الخِلافَ في العَفوِ بغيرِ دَمِ الكَلبِ والخِنزيرِ، وما توَلَّد من أحدِهما، وأشارَ إلى أنَّه لا يُعفَى عن شَيءٍ منه بلا خِلافٍ، قالَ البَغويُّ: وحُكمُ وَنيمِ الذُّبابِ وبَولِ الخُفاشِ حُكمُ الدَّمِ لتَعذُّرِ الاحتِرازِ.
(١) خُراجٌ صَغيرٌ.
فَرعٌ: قالَ صاحِبُ (التَّتمةِ) وغيرُه: لو كانَ في صَلاةٍ فأصابَه شَيءٌ جرَحَه وخرَجَ الدَّمُ يَدفُقُ ولم يُلوِّثِ البَشرةَ، أو كانَ التَّلويثُ قَليلًا بأنْ خرَجَ خُروجَ الفَصدِ لم تَبطُلْ صَلاتُه، واحتَجُّوا بحَديثِ جابِرٍ رضي الله عنه في الرَّجلَين اللذَين حَرَسا للنَّبيِّ ﷺ فجُرحَ أحدُهما وهو يُصلِّي فاستمَرَّ في صَلاتِه ودِماؤُه تَسيلُ، وهو حَديثٌ سبَقَ بَيانُه في بابِ ما يَنقضُ الوُضوءَ، قالوا: ولأنَّ المُنفصلَ عن البَشرةِ لا يُضافُ إليه، وإنْ كانَ بعضُ الدَّمِ مُتصلًا ببَعضٍ، ولهذا لو صَبَّ الماءَ من إِبريقٍ على نَجاسةٍ واتَّصلَ طَرفُ الماءِ بالنَّجاسةِ لم يُحكَمْ بنَجاسةِ الماءِ الذي في الطَّريقِ، وإنْ كانَ بَعضُه مُتصلًا ببَعضٍ (١).
وقالَ الحَنابِلةُ: لا يُعفَى عن يَسيرِ نَجاسةٍ، ولو لم يُدرِكْها البَصرُ كالذي يَعلَقُ بأرجُلِ ذُبابٍ ونَحوِه؛ لعُمومِ قَولِه تَعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾، وقَولِ ابنِ عُمرَ: أُمِرنا أنْ نَغسلَ الأَنجاسَ سَبعًا، ولغيرِ ذلك من الأدِلةِ، إلا يَسيرَ دَمٍ وما توَلَّد منه من قَيحٍ وغيرِه كصَديدِ يَدٍ وماءِ قُروحٍ فيُعفَى عن ذلك في غيرِ مائِعٍ ومَطعومٍ، أي: يُعفَى عنه في الصَّلاةِ؛ لأنَّ الإِنسانَ غالِبًا لا يَسلمُ منه، وهو قَولُ جَماعةٍ من الصَّحابةِ والتابِعينَ ومَن بعدَهم، ولأنَّه يَشقُّ التَّحرُّزُ منه فعُفيَ عن يَسيرِه كأثَرِ الاستِجمارِ، وأمَّا المائِعُ والمَطعومُ فلا يُعفَى فيه عن شَيءٍ من ذلك، (وقَدرُه) أي قَدرُ اليَسيرِ المَعفوِّ عنه هو الذي لم يَنقضِ الوُضوءَ، أي: ما لم يَفحُشْ في النَّفسِ، والمَعفوُّ عنه من القَيحِ ونَحوِه أكثَرُ
(١) «المجموع» (٣/ ١٣٩، ١٤٢).
ممَّا يُعفَى عن مِثلِه من الدَّمِ، وإنَّما يُعفَى عن ذلك إذا كانَ من حَيوانٍ طاهِرٍ من آدَميٍّ، سَواءٌ المُصلِّي وغَيرُه من غيرِ سَبيلٍ؛ فإنْ كانَ من سَبيلٍ لم يُعفَ عنه؛ لأنَّه في حُكمِ البَولِ أو الغائِطِ، وكذلك دَمُ حَيضٍ ونِفاسٍ واستِحاضةٍ لقَولِ عائِشةَ رضي الله عنها: ما كانَ لإحدانا إلا ثَوبٌ تَحيضُ فيه، فإذا أصابَه شَيءٌ من دَمٍ قالَت برِيقِها فقصَعَته بظُفرِها -أي: حرَّكَته وفرَكَته- قالَه في النِّهايةِ، أو من غيرِ دَمِ آدَميٍّ سَواءٌ كانَ من حَيوانٍ مَأكولِ اللَّحمِ كإبِلٍ وبَقرٍ أو لا كهِرٍّ، بخِلافِ الحَيوانِ النَّجسِ كالكَلبِ والخِنزيرِ، فلا يُعفَى عن شَيءٍ من دَمِه، وكذا دَمُ الحِمارِ والبَغلِ.
ويُضمُّ مُتفرِّقٌ في ثَوبٍ من دَمٍ ونَحوِه؛ فإنْ فحُشَ لم يُعفَ عنه وإلا عُفيَ عنه، ولا يُضمُّ مُتفرِّقٌ بأكثَرَ من ثَوبٍ، بل يُعتبَرُ ما في كلِّ ثَوبٍ على حِدتِه؛ لأنَّ أحدَهما لا يَتبعُ الآخَرَ، ولو كانَت النَّجاسةُ في شَيءٍ ضَعيفٍ قد نفَذَت فيه من الجانبَين فهي نَجاسةٌ واحِدةٌ، وإنْ لم تَتصِلْ بل كان بينَهما شَيءٌ لم يُصِبْه الدَّمُ فهما نَجاسَتانِ إذا بلَغا لو جُمِعا قَدرًا لا يُعفَى عنه لم يُعفَ عنها كجانبَيِ الثَّوبِ ودَمِ عِرقٍ مَأكولٍ بعدَ ما يَخرجُ بالذَّبحِ وما في خِلالِ اللَّحمِ طاهِرٌ، ولو ظهَرَت حُمرتُه نَصًّا؛ لأنَّه لا يُمكنُ التَّحرُّزُ منه كدَمِ سَمكٍ؛ لأنَّه لو كانَ نَجسًا لتَوقَّفت إِباحتُه على إِراقَتِه بالذَّبحِ كحَيوانِ البَرِّ (١).
(١) «كشاف القناع» (١/ ١٩٠، ١٩١)، و «شرح منتهى الإرادات» (١/ ١٠٨)، و «الإنصاف» للمرداوي (١/ ٣٣١، ٣٣٣)، و «شرح العمدة» (١/ ١٠٥، ١٠٧)، و «المغني» (١/ ٤١١)، و «الكافي» (١/ ٩٢).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الطهارة من النجس
الباب الثاني في معرفة أنواع النجاسات
رَابِعٌ فِي الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ ضَعِيفٌ ; لِأَنَّ النَّجَاسَةَ إِنَّمَا تُزَالُ فِي الصَّلَاةِ، وَكَذَلِكَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْعِبَادَةِ الْمَعْقُولَةِ الْمَعْنَى وَبَيْنَ الْغَيْرِ مَعْقُولَتِهِ أَعْنِي أَنَّهُ جَعَلَ الْغَيْرَ مَعْقُولَةٍ آكَدَ فِي بَابِ الْوُجُوبِ وَفَرَّقَ بَيْنَ الْأَمْرِ الْوَارِدِ فِي الطَّهَارَةِ مِنَ الْحَدَثِ، وَبَيْنَ الْأَمْرِ الْوَارِدِ فِي الطَّهَارَةِ مِنَ النَّجَسِ ; لِأَنَّ الطَّهَارَةَ مِنَ النَّجَسِ مَعْلُومٌ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِهَا النَّظَافَةُ، وَذَلِكَ مِنْ مَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ.
وَأَمَّا الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَدَثِ فَغَيْرُ مَعْقُولَةِ الْمَعْنَى مَعَ مَا اقْتَرَنَ بِذَلِكَ مِنْ صَلَاتِهِمْ فِي النِّعَالِ مَعَ أَنَّهَا لَا تَنْفَكُّ مِنْ أَنْ يُوطَأَ بِهَا النَّجَاسَاتُ غَالِبًا، وَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنَ الْعَفْوِ عَنِ الْيَسِيرِ فِي بَعْضِ النَّجَاسَاتِ.
الْبَابُ الثَّانِي فِي مَعْرِفَةِ أَنْوَاعِ النَّجَاسَاتِ
ِ وَأَمَّا أَنْوَاعُ النَّجَاسَاتِ، فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اتَّفَقُوا مِنْ أَعْيَانِهَا عَلَى أَرْبَعَةٍ: مَيْتَةِ الْحَيَوَانِ ذِي الدَّمِ الَّذِي لَيْسَ بِمَائِيٍّ، وَعَلَى لَحْمِ الْخِنْزِيرِ بِأَيِّ سَبَبٍ اتَّفَقَ أَنْ تَذْهَبَ حَيَاتُهُ، وَعَلَى الدَّمِ نَفْسِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَيْسَ بِمَائِيٍّ انْفَصَلَ مِنَ الْحَيِّ أَوِ الْمَيِّتِ إِذَا كَانَ مَسْفُوحًا أَعْنِي: كَثِيرًا وَعَلَى بَوْلِ ابْنِ آدَمَ وَرَجِيعِهِ، وَأَكْثَرُهُمْ عَلَى نَجَاسَةِ الْخَمْرِ، وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ عَنْ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ، وَاخْتَلَفُوا فِي غَيْرِ ذَلِكَ، وَالْقَوَاعِدُ مِنْ ذَلِكَ سَبْعُ مَسَائِلَ:
ارجع إلى أنواع النجاسات للاطلاع على جميع المسائل.