استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة

الإسلام > الطهارة > الاستنجاء وآداب التخلي > استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 10 دقيقة قراءة

استقبال القبلة واستدبارها عند قضاء الحاجة - الأقوال والأدلة

استِقبالُ القِبلِة واستِدبارُها عندَ قَضاءِ الحاجةِ:

اتَّفقَ فُقهاءُ المَذاهبِ الأربَعةِ على الصَّحيحِ عندَهم على أنَّه يَحرمُ استِقبالُ القِبلةِ واستِدبارُها عندَ قَضاءِ الحاجةِ إذا كانَ في الصَّحراءِ أو الفَضاءِ للأَحاديثِ الصَّحيحةِ في ذلك، إلا أنَّهم اختَلَفوا هل يَحرمُ أيضًا إذا كانَ في البُنيانِ أو يَجوزُ في البُنيانِ؟

فذهَبَ الإمامُ أبو حَنيفةَ وأحمدُ في إحدَى الرِّواياتِ عنه وبه قالَ شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ وابنُ القَيمِ وابنُ العَربيِّ من المالِكيةِ وأبو ثَورٍ من الشافِعيةِ إلى عَدمِ جَوازِ استِقبالِ القِبلةِ واستِدبارِها عندَ قَضاءِ الحاجةِ سَواءٌ أكانَ هذا في الصَّحراءِ أو في البُنيانِ لمَا رَواه أبو أيُّوبَ الأَنصاريُّ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ : «إذا أتَيتُم الغائِطَ فلا تَستقبِلوا القِبلةَ ولا تَستدبِروها، ولكنْ شَرِّقوا أو غَرِّبوا، قالَ أبو أيُّوبَ: فقدِمنا الشامَ فوَجَدنا مَراحيضَ بُنيَت قِبَلَ القِبلةِ فنَنحرِفُ ونَستغفِرُ اللهَ تَعالى» (١).

وبما رَواه سَلمانُ الفارِسيُّ رضي الله عنه أنَّه قالَ: « … لقد نَهانا -أي: النَّبيُّ أنْ نَستقبلَ القِبلةَ لغائِطٍ أو بَولٍ» (٢).

ولمَا رَواه أبو هُريرةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ قالَ: «إذا جلَسَ أحدُكم على حاجَتِه فلا يَستقبلِ القِبلةَ ولا يَستدبِرْها» (٣).

(١) رواه البخاري (٣٨٦)، ومسلم (٢٦٤).
(٢) رواه مسلم (٢٦٢).
(٣) رواه مسلم (٢٦٥).

قالوا: ولأنَّ المَنعَ لأجلِ تَعظيمِ القِبلةِ وهو مَوجودٌ في الصَّحراءِ والبُنيانِ فالجَوازُ في البُنيانِ إنْ كانَ لوُجودِ الحائِلِ فهو مَوجودٌ في الصَّحراءِ في البِلادِ النائيةِ؛ لأنَّ بينَها وبينَ الكَعبةِ جِبالًا وأَوديةً وغيرَ ذلك لا سيَّما عندَ مَنْ يَقولُ بكَرويةِ الأرضِ؛ فإنَّه لا مُوازاةَ إذْ ذاك بالكُليةِ.

وذهَبَ المالِكيةُ في المُعتمدِ والشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَجوزُ استِقبالُ القِبلةِ واستِدبارُها في الصَّحراءِ عندَ قَضاءِ الحاجةِ ويَجوزُ ذلك في البُنيانِ.

واستدَلُّوا على ذلك بما رَواه البُخاريُّ ومُسلمٌ عن عبدِ اللهِ بنِ عُمرَ رضي الله عنهما أنَّه قالَ: «رَقِيتُ يَومًا على بَيتِ أُختِي حَفصةَ فرَأيتُ رَسولَ اللهِ قاعِدًا لِحاجَتِه مُستَقبِلَ الشَّامِ مُستَدبِرَ القِبلةِ» (١).

وبما رَواه أبو داودَ عن مَروانَ الأصفَرِ أنَّه قالَ: «رأيتُ ابنَ عُمرَ أناخَ راحِلتَه مُستقبِلَ القِبلةِ ثم جلَسَ يَبولُ إليها، فقُلتُ: يا أبا عبدِ الرَّحمنِ أليسَ قد نُهيَ عن هذا؟ قالَ: بَلى، إنَّما نُهي عن ذلك في الفَضاءِ، فإذا كانَ بينَك وبينَ القِبلةِ شَيءٌ يَسترُك فلا بأسَ» (٢).

قالَ النَّوويُّ رحمة الله عليه: هذه أَحاديثُ صَحيحةٌ مُصرِّحةٌ بالجَوازِ في البُنيانِ، وحَديثُ أبي أيُّوبَ وسَلمانَ وأبي هُرَيرةَ ورَدَت بالنَّهيِ، فيُحملُ على الصَّحراءِ، ليَجمعَ بينَ الأَحاديثِ، ولا خِلافَ بينَ العُلماءِ في أنَّه إذا أمكَنَ

(١) رواه البخاري (١٤٨)، ومسلم (٢٢٦).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (١١).

الجَمعُ بينَ الأَحاديثِ لا يُصارُ إلى تَركِ بَعضِها، بل يَجبُ الجَمعُ بينَهما والعَملُ بجَميعِها، وقد أمكَنَ الجَمعُ كما ذكَرناه، فوجَبَ المَصيرُ إليه، وفرَّقوا بينَ الصَّحراءِ والبُنيانِ من حيثُ المَعنى، بأنَّه يَلحقُه المَشقةُ في البُنيانِ في تَكلُّفِه تَركَ القِبلةِ بخِلافِ الصَّحراءِ (١).

وهناك ثَلاثُ رِواياتٍ أُخرى عن الإمامِ أحمدَ ذكَرَها في «الإنصاف»:

الأُولى: أنَّه يَجوزُ الاستِقبالُ والاستِدبارُ في الصَّحراءِ والبُنيانِ جَميعًا.

الثانيةُ: يَجوزُ الاستِدبارُ في الفَضاءِ والبُنيانِ ولا يَجوزُ الاستِقبالُ فيهما. وهو قَولٌ لأبي حَنيفةَ.

الثالِثةُ: يَجوزُ الاستِدبارُ في البُنيانِ فقط (٢) وبه قالَ أبو يُوسفَ.

وقد صرَّحَ الحَنفيةُ بأنَّه يُكرهُ (تَحريمًا) للمَرأةِ إِمساكُ صَغيرٍ لبَولٍ أو غائِطٍ نَحوَ القِبلةِ؛ لأنَّه قد وُجدَ الفِعلُ من المَرأةِ (٣).

(١) «شرح صحيح مسلم» للنووي (٣/ ١٢٧)، و «المجموع» (٢/ ٩٦).
(٢) «الإنصاف» (١/ ١٠٠، ١٠١)، وينظر: «عمدة القاري» (٢/ ٢٧٧)، و «الاختيار» (١/ ٣٧)، و «الدر المختار» (١/ ٣٤٢)، و «المدونة» (١/ ٢٦)، و «الاستذكار» (٢/ ٤٤٣، ٤٤٥)، و «مواهب الجليل» (١/ ٢٧٩)، و «الذخيرة» (١/ ٢٠٤، ٢٠٥)، و «الأوسط» (١/ ٣٢٤، ٣٢٧)، و «المجموع» (٢/ ٩٦)، و «المغني» (١/ ٢٠٦، ٢٠٧)، و «الكافي» (١/ ٥٠)، و «التنقيح» (١/ ٨٨)، و «الإفصاح» (١/ ٧٠، ٧١)، و «فتح الباري» (١/ ٢٩٦).
(٣) «الدر المختار» (١/ ٣٤٢).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الطهارة
باب الاستطابة والحدث

بابُ الاسْتِطابةِ والحَدَثِ

الاسْتِطابةُ: هي الاسْتِنْجاءُ بالماءِ أو بالأَحْجارِ، يقال: اسْتَطابَ، وأَطَابَ: إذا اسْتَنْجَى؛ سُمِّىَ اسْتِطابةً لأنَّه يُطَيِّبُ جَسَدَه بإزالةِ الخَبَثِ عنه، قال الشاعر، يَهْجُو رَجُلا :

يارَخَمًا قَاظَ علَى عُرْقُوبِ

يُعْجِلُ كَفَّ الْخَارِىءِ الْمُطِيبِ

والاسْتِنْجاءُ: اسْتِفْعالٌ مِن نَجَوْتُ الشَّجرةَ، أي: قَطَعْتُها، فكَأَنَّه قَطَعَ الأَذَى عنه، وقال ابنُ قُتَيْبَة: هو مَأْخوذٌ من النَّجْوَةِ، وهى ما ارْتَفَعَ من الأرض، لأنَّ مَنْ أرادَ قَضاءَ الحاجةِ اسْتَتَرَ بها. والاسْتِجْمارُ: اسْتِفْعالٌ من الجِمَارِ، وهي الحِجارَةُ الصّغَارُ؛ لأنَّه يَسْتَعْمِلُها في اسْتِجْمارهِ.

٣٥ - مسألة؛ قال: (وليس عَلَى مَنْ نامَ أو خَرَجتْ منه رِيحٌ اسْتِنْجاءٌ)

لا نَعْلمُ في هذا خِلافا. قال أبو عبد اللَّه: ليس في الرِّيحِ اسْتِنْجاءٌ؛ في كتابِ اللهِ، ولا في سُنَّةِ رَسُولهِ، إنَّما عليه الوُضُوءُ، وقد رُوِىَ عن النبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال : "من اسْتَنْجَى مِنْ رِيحٍ فليس مِنَّا" . رَوَاه الطَّبَرَانِيُّ في "مُعْجَمِه الصَّغِير " ، وعن زَيْدِ بنِ أَسْلَم في قوله تعالى: {إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ} . إذَا قُمْتُمْ

مِن النَّومَ، ولم يأْمُرْ بغيره، فدَلَّ علَى أنه لا يَجِبُ؛ ولأنَّ الوُجُوبَ من الشَّرْعِ، ولم يَرِدْ بالاسْتِنْجاءِ هُنَا نَصٌّ، ولا هو في مَعْنَى المَنْصُوصِ عليه؛ لأنَّ الاسْتِنْجاءَ إنَّما شُرِعَ لإِزَالةِ النَّجاسةِ، ولا نَجَاسةَ ههُنا.

٣٦ - مسألة؛ قال: (والاسْتِنْجاءُ لِمَا خرَجَ من السَّبِيلَيْنِ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 246 - 248

ارجع إلى الاستنجاء وآداب التخلي للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
الحمد لله