الإسلام > الطهارة > الحيض > أقل الطهر وأكثره
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةأقَلُّ الطُّهرِ وأكثَرُه:
أجمَعَ الفُقهاءُ على أنَّه لا حَدَّ لأكثَرِ الطُّهرِ؛ لأنَّ المَرأةِ قد لا تَحيضُ أصلًا وقد تَحيضُ في السَّنةِ مَرةً واحِدةً، وقد حَكى أبو الطَّيبِ من الشافِعيةِ قالَ: أخبَرَتني امرأةٌ عن أُختِها أنَّها تَحيضُ في كلِّ سَنةٍ يَومًا ولَيلةً وهي صَحيحةٌ تَحبلُ وتَلدُ ونِفاسُها أربَعونَ يَومًا (١).
ثم إنَّهم اختَلَفوا في أقَلِّ الطُّهرِ الحَيضَتينِ:
فذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في المَشهورِ والشافِعيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ أقَلَّ طُهرٍ بينَ حَيضتَينِ خَمسةَ عَشرَ يَومًا بلَيالِيها؛ لأنَّ الشَّهرَ غالِبًا لا يَخلو من حَيضٍ وطُهرٍ، وإذا كانَ أكثَرُ الحَيضِ خَمسةَ عَشرَ لزِمَ أنْ يَكونَ أقَلُّ الطُّهرِ كذلك، واستدَلَّ الحَنفيةُ على ذلك بإِجماعِ الصَّحابةِ (٢).
وعن مالِكٍ رِواياتٌ أُخرى:
قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: أمَّا أقَلُّ الطُّهرِ فقد اضطَرَب فيه قَولُ مالِكٍ وأَصحابِه.
(١) «المجموع» (٣/ ٤٠٦).
(٢) «حاشية ابن عابدين» (١/ ٤٧٧)، و «بدائع الصنائع» (١/ ١٥٦)، و «أحكام القرآن» للجصاص (٢/ ٣٠)، و «عمدة القاري» (٣/ ٣٠٦، ٣١٤)، و «حاشية الدسوقي» (١/ ٢٧٠)، و «الاستذكار» (١/ ٣٤٨)، و «التمهيد» (١٦/ ٧٣)، و «التاج والإكليل» (١/ ٣٦٨)، والخلاصة الفقهية (١/ ٤٩)، و «حاشية العدوي» (١/ ١٩٣)، و «شرح مختصر خليل» (١/ ٢٠٤)، و «الأوسط» (٢/ ٢٥٥) «المجموع» (١/ ٣٩٨، ٣٩٩)، و «الإنصاف» (١/ ٣٥٨).
فرَوى ابنُ القاسِمِ عنه: هو عَشرةُ أَيامٍ، ورُويَ عنه أيضًا أقَلُّ الطُّهرِ ثَمانيةُ أَيامٍ، وهو قَولُ سُحنونٍ، وقالَ عبدُ المَلكِ بنُ الماجشونِ: أقَلُّ الطُّهرِ خَمسةُ أَيامٍ، ورَواه عن مالِكٍ، وإلى هذه الرِّوايةِ مالَ بعضُ البَغداديِّينَ من المالِكيِّينَ، وقالَ مُحمدُ بنُ مَسلمةَ: أقَلُّ الطُّهرِ خَمسةَ عَشرَ يَومًا، وهو اختيارُ أكثَرِ البَغداديِّينَ من المالِكيِّينَ، وهو قَولُ الشافِعيِّ وأبي حَنيفةَ وأَصحابِهما والثَّوريِّ، وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّ اللهَ ﷾ قد جعَلَ عِدةَ ذاتِ الأقراءِ ثَلاثةَ قُروءٍ وجعَلَ عِدةَ مَنْ لا تَحيضُ من كِبَرٍ أو صِغرٍ ثَلاثةَ أشهُرٍ فكانَ كلُّ قُرءٍ عِوضًا عن شَهرٍ، والشَّهرُ يَجمعُ الطُّهرَ والحَيضَ، فإذا قَلَّ الحَيضُ كثُرَ الطُّهرُ، وإذا كثُرَ الحَيضُ قَلَّ الطُّهرُ، فلَمَّا كانَ أكثَرُ الحَيضِ خَمسةَ عَشرَ يَومًا وجَبَ أنْ يَكونَ الطُّهرُ خَمسةَ عَشرَ يَومًا ليَكمُلَ في الشَّهرِ الواحِدِ حَيضٌ وطُهرٌ، وهو المُتعارفُ في الأغلَبِ من كَثرةِ النِّساءِ وجِبلَّتِهنِ مع دَلائلِ القُرآنِ والسُّنةِ على ذلك كما ذكَرْنا (١).
وتَظهرُ فائِدةُ التَّحديدِ عندَ المالِكيةِ في أقَلِّ الطُّهرِ فيما لو حاضَت مُبتدأَةً وانقطَعَ عنها دونَ خَمسةَ عَشرَ يَومًا ثم عاوَدَها قبلَ تَمامِ طُهرٍ، فتَضمُّ هذا الثانِيَ للأولِ بمَثابةِ ما إذا لم يَنقطعْ، ثم هو دَمُ عِلةٍ، وإنْ عاوَدَها بعدَ تَمامِ الطُّهرِ فهو حَيضٌ مُستأنَفٌ، أي تَحسُبُه من العِدةِ ويَجرى عليها سائِرُ أَحكامِه (٢).
(١) «الاستذكار» (١/ ٣٤٨).
(٢) «شرح مختصر خليل» (١/ ٢٠٤)، و «بلغة السالك» (١/ ١٤٤، ١٤٥).
وذهَبَ الحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ أقَلَّ الطُّهرِ بينَ الحَيضَتَين ثَلاثةَ عَشرَ يَومًا واحتَجُّوا على ذلك بما رُويَ عن عليِّ بنِ أبي طالِبٍ رضي الله عنه: «أنَّ امرأةً جاءَته قد طلَّقَها زَوجُها، فزعَمَت أنَّها حاضَت في شَهرٍ ثَلاثَ حِيَضٍ، وطَهُرت عندَ كلِّ قُرءٍ وصلَّت، فقالَ عليٌّ لشُرَيحٍ: «قُلْ فيها»، فقالَ شُريحٌ: إنْ جاءَت ببيِّنةٍ من بِطانةِ أهلِها ممَّن يُرضَى بدينِه وأمانَتِه، يَشهَدونَ أنَّها حاضَت في شَهرٍ ثَلاثَ حِيَضٍ، وطَهُرت عندَ كلِّ قُرءٍ، وصلَّت فهي صادِقةٌ، وإلَّا فهي كاذِبةٌ، فقالَ عليٌّ: «قالونَ، وعقَدَ ثَلاثينَ بيَدِه، يَعني بالرُّوميةِ، أي جيِّدٌ بالرُّوميةِ، أو أصَبتَ أو أحسَنتَ» (١).
قالوا: وهذا لا يَقولُه إلا تَوقيفًا، وهو قَولُ صَحابيٍّ اشتُهِرَ، ولم يُعلَمْ خِلافُه، ووُجودُ ثَلاثِ حِيَضٍ في شَهرٍ دَليلٌ على أنَّ الثَّلاثةَ عَشرَ طُهرٌ صَحيحٌ يَقينًا.
قالَ الإمامُ أحمدُ: لا يُختلَفُ أنَّ العِدةَ تَنقَضي في شَهرٍ إذا قامَت به البَيِّنةُ.
وغالِبُ الطُّهرِ باقي الشَّهرِ الهِلاليِّ بعدَ غالِبِ الحَيضِ، وهو عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ أربَعٌ وعِشرونَ أو ثَلاثٌ وعِشرونَ؛ لحَديثِ حَمنةَ بِنتِ جَحشٍ وعندَ الحَنفيةِ خَمسةٌ وعِشرونَ (٢).
(١) رواه البخاري مُعلقًا: بابُ إذا حاضَت في شهرٍ ثلاثَ حِيض (١/ ٥٠٥)، ووصَلَه الدارمي (٨٥٥)، وسعيد بن منصور في «سننه» (١٣٠٩)، وابن أبي شيبة (٤/ ٢٠٠)، والبيهقي في «معرفة السنن والآثار» (١٢/ ٣٨١) قالَ الحافظ في «الفتح» (١/ ٥٠٦): رجالُه ثِقاتٌ.
(٢) «المغني» (١/ ٤٠٣)، و «الإنصاف» (١/ ٣٥٨).
بداية المجتهد ونهاية المقتصد · ابن رشد الحفيد · كتاب الطهارة من الحدث
كتاب الغسل
كِتَابُ الْغُسْلِ الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي مَعْرِفَةِ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ الطَّهَارَةِ
- وَالْأَصْلُ فِي هَذِهِ الطَّهَارَةِ قَوْله تَعَالَى: {وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا} المائدة: ٦ وَالْكَلَامُ الْمُحِيطُ بِقَوَاعِدِهَا يَنْحَصِرُ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ بِوُجُوبِهَا، وَعَلَى مَنْ تَجِبُ، وَمَعْرِفَةِ مَا بِهِ تُفْعَلُ، وَهُوَ الْمَاءُ الْمُطْلَقُ - فِي ثَلَاثَةِ أَبْوَابٍ:
الْبَابُ الْأَوَّلُ: فِي مَعْرِفَةِ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ الطَّهَارَةِ.
وَالثَّانِي: فِي مَعْرِفَةِ نَوَاقِضِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ.
وَالْبَابُ الثَّالِثُ: فِي مَعْرِفَةِ أَحْكَامِ نَوَاقِضِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ.
فَأَمَّا عَلَى مَنْ تَجِبُ؟ فَعَلَى كُلِّ مَنْ لَزِمَتْهُ الصَّلَاةُ، وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِهَا، وَدَلَائِلُ ذَلِكَ هِيَ دَلَائِلُ الْوُضُوءِ بِعَيْنِهَا، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا، وَكَذَلِكَ أَحْكَامُ الْمِيَاهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِيهَا.
الْبَابُ الْأَوَّلُ
فِي مَعْرِفَةِ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ الطَّهَارَةِ وَهَذَا الْبَابُ يَتَعَلَّقُ بِهِ أَرْبَعُ مَسَائِلَ:
الْمَسْأَلَةُ الأُولَى:
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ مِنْ شَرْطِ هَذِهِ الطَّهَارَةِ إِمْرَارُ الْيَدِ عَلَى جَمِيعِ الْجَسَدِ كَالْحَالِ فِي طَهَارَةِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ، أَمْ يَكْفِي فِيهَا إِفَاضَةُ الْمَاءِ عَلَى جَمِيعِ الْجَسَدِ، وَإِنْ لَمْ يُمِرَّ يَدَيْهِ عَلَى بَدَنِهِ؟ فَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ إِفَاضَةَ الْمَاءِ كَافِيَةٌ فِي ذَلِكَ، وَذَهَبَ مَالِكٌ، وَجُلُّ أَصْحَابِهِ، وَالْمُزَنِيُّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إِلَى أَنَّهُ إِنْ فَاتَ الْمُتَطَهِّرَ مَوْضِعٌ وَاحِدٌ مِنْ جَسَدِهِ لَمْ يُمِرَّ يَدَهُ عَلَيْهِ أَنَّ طُهْرَهُ لَمْ يَكْمُلْ بَعْدُ.
ارجع إلى الحيض للاطلاع على جميع المسائل.