الإسلام > الطهارة > الحيض > فترة الحيض
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 15 دقيقة قراءةلا عِلمَ لها به، ثم قد وُجدَ خِلافُ ما قالَته؛ فإنَّ موسى بنَ عبدِ اللهِ بنِ حَسنٍ قد ولَدَته أُمُّه بعدَ الخَمسينَ، ووُجدَ الحَيضُ فيما بعدَ الخَمسينَ على وَجهِه فلا يُمكنُ إنكارُه.
فإنْ قيلَ: هذا الدَّمُ ليسَ بحَيضٍ مع كَونِه على صِفتِه، وفي وَقتِه وعادَتِه بغيرِ نَصٍّ، فهذا تَحكُّمٌ لا يُقبلُ، فأمَّا بعدَ السِّتينِ فقد زالَ الإِشكالُ وتُيقِّنَ أنَّه ليسَ بحَيضٍ؛ لأنَّه لم يُوجدْ، وقد عُلمَ أنَّ للمرأةِ حالًا تَنتَهي فيه إلى الإِياسِ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [الطلاق: ٤].
قالَ أحمدُ في المَرأةِ الكَبيرةِ تَرى الدَّمَ: لا يَكونُ حَيضًا، هو بمَنزلةِ الجُرحِ، وإنِ اغتسَلَت فحَسنٌ، وقالَ عَطاءٌ هي بمَنزلةِ المُستحاضةِ، ومَعنى القَولَينِ واحِدٌ، وذلك لأنَّ هذا الدَّمَ إذا لم يَكنْ حَيضًا فهو دَمُ فَسادٍ، وحُكمُها حُكمُ المُستحاضةِ، ومَن به سَلسُ البَولِ على ما مَرَّ حُكمُهما (١).
فَترةُ الحَيضِ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في أقَلِّ فَترةِ الحَيضِ وأكثَرِها.
فذهَبَ الحَنفيةُ إلى أنَّ أقَلَّ الحَيضِ ثَلاثةُ أيامٍ بلَياليها، وقدَّروها باثنَتَين وسَبعينَ ساعةً، وأكثَرُه عَشرةُ أيامٍ بلَياليها.
قالَ ابنُ عابِدينَ رحمة الله عليه: وقد رُويَ ذلك عن سِتةٍ من الصَّحابةِ بطُرقٍ مُتعدِّدةٍ فيها مَقالٌ يَرتفعُ فيها الضَّعيفُ إلى الحَسنِ (٢).
(١) «المغني» (١/ ٤٥٩، ٤٦٠).
(٢) «حاشية ابن عابدين» (١/ ٤٧٦).
وقالَ ابنُ الهُمامِ: والمُقدَّراتُ الشَّرعيةُ مما لا تُدركُ بالرَّأيِ فالمَوقوفُ فيها حُكمُه الرَّفعُ، بل تَسكنُ النَّفسُ بكَثرةِ ما رُويَ فيه عن الصَّحابةِ والتابِعينَ إلى أنَّ المَرفوعَ مما أجادَ فيه ذلك الراوي الضَّعيفُ.
وبالجُملةِ له أصلٌ في الشَّرعِ (١).
واحتَجُّوا على ذلك بحَديثَينِ:
الأولُ: حَديثُ واثِلةَ بنِ الأسقَعِ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أقَلُّ الحَيضِ ثَلاثةُ أيامٍ وأكثَرُه عَشرةُ أيامٍ» (٢).
ورَواه أيضًا أبو أُمامةَ مَرفوعًا: «أقَلُّ الحَيضِ ثَلاثةٌ، وأكثَرُه عَشرةٌ» (٣).
وحَديثُ أنسٍ رضي الله عنه قالَ: «الحَيضُ ثَلاثٌ، وأربَعٌ، وخَمسٌ، وسِتٌّ، وسَبعٌ، وثَمانٍ، وتِسعٌ، وعَشرٌ» (٤)، قالوا: وأنَسٌ لا يَقولُ هذا إلا تَوقيفًا.
(١) «شرح فتح القدير» (١/ ١٦٢)، و «البحر الرائق» (١/ ٢٠١)، و «بدائع الصنائع» (١/ ١٥٤)، و «سنن الترمذي» (١/ ٢٢١)، و «المجموع» (٣/ ٤٠٥)، و «الإفصاح» (١/ ١٠٦).
(٢) رواه الدارقطني (٨٤٧)، ومن طريق ابن الجوزي في «العلل» (١/ ٦٤٣)، وفيه حَمادُ بنُ مِنهالٍ قالَ الدَّارقطنيُّ: مجهول. ومَحمدُ بنُ أَحمدَ بنِ أَنسٍ ضَعيفٌ ا. هـ.
(٣) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الطبراني في «الكبير» (٨/ ١٢٩).
(٤) رواه ابن عدي في الكامل من طريق ابن الجوزي في «العلل المتناهية» (٢/ ٣٨٣) عن طريق الحسن بن شبيب قالَ: حدَّثَنا أبو يُوسفَ عن الحَسنِ بنِ دِينارٍ عن مُعاويةَ بنِ قُرةَ عن أنَسٍ مَرفوعًا: «أقَلُّ الحَيضِ ثَلاثةٌ … » قالَ ابنُ الجَوزيِّ: هذا حَديثٌ لا يَصحُّ عن رَسولِ اللهِ ﷺ، والحَسنُ بنُ دِينارٍ قد كَذَّبَه العُلماءُ، منهم شُعبةُ.
قالَ ابنُ الجَوزيِّ: كانَ إِسماعيلُ بنُ عُليةَ يَرمي جَلدًا بالكَذبِ وقالَ أحمدُ: ليسَ يُساوي حَديثُه شَيئًا، وقالَ الدارَقطُنيُّ: مَتروكُ الحَديثِ. ا صوقد أخرَجَ المَوقوفَ البَيهَقيُّ في «السنن الكبرى» (١/ ٣٢٢).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ: وأمَّا حَديثُ واثِلةَ وحَديثُ أبي أُمامةَ وحَديثُ أنَسٍ فكلُّها ضَعيفةٌ مُتَّفقٌ على ضَعفِها عندَ المُحدِّثين، وقد أوضَحَ ضَعفَها الدارَقُطنيُّ ثم البَيهَقيُّ في كِتابِ «الخِلافيات» ثم «السنن الكبرى». «المجموع» (٣/ ٤٠٨).
فعلى هذا ما نقَصَ عن ثَلاثةِ أيامٍ عندَها فهو استِحاضةٌ، وما زادَ على عَشرةِ أيامٍ فهو استِحاضةٌ (١).
وذهَبَ المالِكيةُ إلى أنَّه لا حَدَّ لأقَلِّه بالزَّمانِ، ولذلك بَيَّنوا أقَلَّه في المِقدارِ، وهو دَفعةٌ، فلو رأتِ دَفعةً كانَ حَيضًا، قالوا: وهذا بالنِّسبةِ إلى العِبادةِ، وأمَّا في العِدةِ والاستِبراءِ فلا بدَّ من يَومٍ أو بَعضِه.
وأمَّا أكثَرُ الحَيضِ عندَهم فإنَّه يَختلفُ باختِلافِ أنواعِ النِّساءِ، والنِّساءُ بالنِّسبةِ للحَيضِ ثَلاثةٌ: إما: ١ - مُبتدأةٌ ٢ - وإمَّا مُعتادةٌ ٣ - وإمَّا حامِلٌ.
أولًا: المُبتدَأةُ: وهي التي لم يَسبقْ لها حَيضٌ، وجَرى عليها الدَّمُ لأولِ مَرةٍ، فأكثَرُ أَيامِ الحَيضِ للمُبتدَأةِ -إنِ استمَرَّ بها الدَّمُ- خَمسةَ عَشرَ يَومًا، وما زادَ فهو عِلةٌ وفَسادٌ، فتَصومُ وتُصلِّي وتُوطَأُ إلى غيرِ ذلك من الأَحكامِ، وإنِ انقطَعَ دَمُها لما دونَ خَمسةَ عَشرَ يَومًا؛ فإنَّها تَطهُرُ بذلك؛ فإنْ تَمادَى الدَّمُ أكثَرَ من خَمسةَ عَشرَ يَومًا لا تَزيدُ على خَمسةَ عَشرَ يَومًا.
(١) «بدائع الصنائع» (١/ ١٥٤)، و «شرح فتح القدير» (١/ ١٦٢)، و «البحر الرائق» (١/ ٢٠١)، و «سنن الترمذي» (١/ ٢٢١)، و «المجموع» (٣/ ٤٠٥)، و «الإفصاح» (١/ ١٠٦)، و «التمهيد» (١٦/ ٧١).
ثانيًا: المُعتادةُ: وهي التي سبَقَ لها الحَيضُ، وتَقرَّرت لها عادةٌ مُعيَّنةٌ، والعادةُ تَثبُتُ بمَرةٍ؛ فإنْ تَمادى نُزولُ الدَّمِ عليها وزادَ على أيامِه المُعتادةِ بالنِّسبةِ لها؛ فإنَّها تَتربَّصُ بنَفسِها ثَلاثةَ أيامٍ زيادةً على أكثَرِ عادَتِها ويُسمَّى هذا بالاستِظهارِ.
ويُشترطُ ألَّا يَزيدَ مَجموعُ الأيامِ التي تَحيضُ فيها مع أيامِ الاستِظهارِ على خَمسةَ عَشرَ يَومًا، فمَن اعتادَت أنْ تَحيضَ خَمسةَ أيامٍ مَثلًا ثم تَمادى مكَثَت ثَمانيةَ أيامٍ؛ فإنْ تَمادَى في المَرةِ الثالِثةِ مكَثَت أحدَ عَشرَ؛ فإنْ تَمادى في الرابِعةِ مكَثَت أربَعةَ عَشرَ؛ فإنْ تَمادَى في مَرةٍ أُخرى مكَثَت يَومًا ولا تَزيدُ على خَمسةَ عَشرَ، ثم هي بعدَ ذلك طاهِرةٌ تَصومُ وتُصلِّي وتُوطَأُ، ويُسمَّى الدَّمُ النازِلُ بعدَ ذلك دَمَ استِحاضةٍ، وتُسمَّى هي مُستحاضةً.
ثالِثًا: الحامِلُ: العادةُ الغالِبةُ في الحامِلِ عَدمُ نُزولِ الدَّمِ منها ومن غيرِ الغالِبِ قد يَعتَريها الدَّمُ، ويَختلفُ حُكمُ الدَّمِ بالنِّسبةِ لها باختِلافِ أشهُرِ حَملِها؛ فإنْ تَمادَى بها الدَّمُ وكانَ بعدَ شَهرَين فمُدتُه عِشرونَ يَومًا إلى سِتةِ أشهُرٍ.
ومِن سِتةِ أشهُرٍ إلى آخِرِ حَملِها فمُدتُه ثَلاثونَ يَومًا، وما زادَ على ذلك فهو دَمُ عِلةٍ وفَسادٍ.
وذلك لأنَّ أولَ الحَملِ ليسَ كآخِرِه ولذلك كثُرَت الدِّماءُ بكَثرةِ أشهُرِ الحَملِ؛ لأنَّه كلَّما عظُمَ الحَملُ كثُرَ الدَّمُ، والمَعنى أنَّ الحامِلَ في ثَلاثةِ أشهُرٍ أو أربَعةٍ أو خَمسةٍ أو سِتةٍ تَمكُثُ عِشرينَ يَومًا وفي سَبعةِ أشهُرٍ إلى غايةِ حَملِها تَمكثُ ثَلاثينَ يَومًا ثم هي مُستحاضةٌ.
وإذا حاضَت في الشهرِ الأولِ أو الشَّهرِ الثاني فهي كالمُعتادةِ غيرِ الحاملِ تَمكثُ عادَتَها، والاستِظهارُ -وهو قَولُ مالِكٍ- المَرجوعُ إليه، وهو الراجِحُ.
وقالَ ابنُ يُونسَ: الذي يَنبَغي على قَولِ مالِكٍ الذي رجَعَ إليه أنْ تَجلسَ في الشَّهرِ والشَّهرَينِ قَدرَ أيامِها وقَدرَ الاستِظهارِ؛ لأنَّ الحَملَ لا يَظهرُ في شَهرٍ ولا شَهرَين، فهي مَحمولةٌ على أنَّها حائِلٌ حتى يَظهرَ الحَملُ، ولا يَظهرُ إلا في ثَلاثةِ أشهُرٍ.
والقَولُ الثاني هو أنَّ حُكمَ الحَيضِ في الشَّهرِ الأولِ والشَّهرِ الثاني حُكمُ ما بعدَه، أي: الشَّهرِ الثالِثِ، وهو قَولُ مالِكٍ المَرجوعُ عنه (١).
وذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّ أقَلَّ الحَيضِ يَومٌ ولَيلةُ؛ لأنَّه ورَدَ في الشَّرعِ مُطلقًا من غيرِ تَحديدٍ، ولا حَدَّ له في اللُّغةِ ولا في الشَّريعةِ، فيَجبُ الرُّجوعُ فيه إلى العُرفِ والعادةِ، كما في القَبضِ والإِحرازِ والتَّفرُّقِ وأَشباهِها، وقد وُجدَ حَيضٌ مُعتادٌ يَومًا ولم يُوجَدْ أقَلُّ منه، قالَ عَطاءٌ: «رأيتُ من النِّساءِ مَنْ تَحيضُ يَومًا».
وقالَ الشافِعيُّ: «رأيتُ امرأةً أُثبِتَ لي عنها أنَّها لم تَزلْ تَحيضُ يَومًا ولا تَزيدُ عليه».
(١) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (١/ ٢٧٠، ٢٧٢)، و «منح الجليل» (١/ ١٦٩)، و «شرح مختصر خليل» (١/ ٢٠٤، ٢٠٥)، و «تحبير المختصر» (١/ ٢٠٩، ٢١٠).
وقالَ أبو عبدِ اللهِ الزَّبيديُّ: «كانَ في نِسائِنا مَنْ تَحيضُ يَومًا» أي: بلَيلَتِه، وذكَرَ إِسحاقُ بنُ راهَوَيهِ عن بَكرِ بنِ عبدِ اللهِ المُزنِيِّ أنَّه قالَ: «تَحيضُ امرَأتي يَومَينِ».
وأكثَرُه خَمسةَ عَشرَ يَومًا بلَياليهِنَّ: قالَ عَطاءٌ: رأيتُ مَنْ تَحيضُ خَمسةَ عَشرَ يَومًا.
وفي قَولٍ عندَ الحَنابِلةِ: سَبعةَ عَشرَ، فعلى هذا ما كانَ أقَلَّ من يَومٍ ولَيلةٍ فهو استِحاضةٌ، وما زادَ على خَمسةَ عَشرَ يَومًا فهو استِحاضةٌ.
وقد نَصَّ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ (١) على أنَّ غالِبَ الحَيضِ سِتةٌ أو سَبعةٌ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ لحَمنةَ بِنتِ جَحشٍ لمَّا سألَته: «تَحيَّضي سِتةَ أَيامٍ أو سَبعةَ أَيامٍ في عِلمِ اللهِ ثم اغتَسلي حتى إذا رأيتِ أنَّكِ قد طَهُرتِ واستَنقأتِ فصَلِّي ثَلاثًا وعِشرينَ لَيلةً أو أربَعًا وعِشرينَ لَيلةً وأَيامَها وصُومي؛ فإنَّ ذلك يَجزيكِ، وكذلك فافعَلي في كلِّ شَهرٍ كما تَحيضُ النِّساءُ وكما يَطهُرنَ مِيقاتَ حَيضِهنَّ وطُهرِهنَّ» (٢).
(١) «الأم» (١/ ٦٧)، و «المجموع» (٣/ ٣٩٨، ٤٠٧)، و «كفاية الأخيار» ص (١/ ٥٧)، و «المغني» (١/ ٣٦٧، ٤٠٢)، و «الإنصاف» (١/ ٣٥٨)، و «الروض المربع» (١/ ١٠٩)، و «كشاف القناع» (١/ ٢٠٤)، و «تفتيح التحقيق» لابن الجوزي (١/ ١٩٩)، و «التمهيد» (١٦/ ٧١)، و «الإنصاف» (١/ ٣٥٨).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٢٨٧)، والترمذي (١٢٨)، وابن ماجه (٥١٠)، وقالَ الترمذيُّ: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ وسأَلت مُحمدًا - يعني البُخاريّ عن هذا الحديثِ فقالَ: هو حَديثٌ حسنٌ صَحيحٌ وهكذا قالَ أحمدُ بنُ حَنبلٍ: هو حَديثٌ حسنٌ صَحيحٌ.
ارجع إلى الحيض للاطلاع على جميع المسائل.