الإسلام > الطهارة > الوضوء > الثالث عشر: إطالة الغرة والتحجيل
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةواحِدةً، فإنْ تَعذَّرَ ذلك كما في حَقِّ الأقطَعِ ونَحوِه قدَّمَ اليَمينَ، واللهُ ﷾ أعلَمُ (١).
وقالَ ابنُ الهُمامِ رحمة الله عليه: إنَّ التَّيامنَ سُنةٌ؛ لثُبوتِ مُواظبتِه ﷺ، فغيرُ واحِدٍ ممَّن حَكى وُضوءَه ﷺ صرَّحوا بتَقديمِ اليُمنى على اليُسرى من اليَدينِ والرِّجلَينِ، وذلك يُفيدُ المُواظبةَ؛ لأنَّهم إنَّما يَحكُونَ وُضوءَه الذي هو دَأبُه وعادَتُه، فيَكونُ سُنةً (٢).
الثالِثَ عَشرَ: إِطالةُ الغُرةِ والتَّحجيلُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ إِطالةِ الغُرةِ والتَّحجيلِ في الوُضوءِ هل هما مُستحبَّان أو مَكروهانِ؟
فذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في الصَّحيحِ من المَذهبِ إلى أنَّه يُسنُّ في الوُضوءِ إِطالةُ الغُرةِ والتَّحجيلُ، بأنْ يَتجاوزَ المُتوضِّئُ مَوضعَ الفَرضِ في غَسلِ الوَجهِ واليَدينِ والرِّجلَينِ.
وجعَلَ الحَنفيةُ إِطالةَ الغُرةِ والتَّحجيلَ من بابِ آدابِ الوُضوءِ.
والأصلُ في ذلك قَولُ النَّبيِّ ﷺ: «إنَّ أُمَّتي يُدعَونَ يَومَ القيامةِ غُرًّا مُحجَّلينَ من آثارِ الوُضوءِ، فمَنِ استَطاعَ منكم أنْ يُطيلَ غُرتَه فليَفعَلْ» (٣).
(١) «شرح صحيح مسلم» (٣/ ١٣٢)، و «المجموع» (١/ ٤٤٦).
(٢) «فتح القدير» (١/ ٢٣)، وينظر: و «رد المحتار» (١/ ٢٤٧)، و «بدائع الصنائع» (١/ ٩٤)، و «البحر الرائق» (١/ ٢٨)، و «حاشية الدسوقي» (١/ ١٦٣)، و «المغني» (١/ ١٣٣)، و «فتح الباري» (١/ ٣٢٥)، و «نيل الأوطار» (١/ ٢١٢).
(٣) رواه البخاري (١٣٦)، ومسلم (٢٤٦).
ومَعنى: «غُرًّا مُحجَّلينَ» بِيضَ الوُجوهِ واليَدينِ والرِّجلَينِ، كالفَرسِ الأغَرِّ: وهو الذي في وَجهِه بَياضٌ، والمُحجَّلُ: هو الذي قَوائِمُه بِيضٌ.
قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: اعلَمْ أنَّ هذه الأَحاديثَ مُصرِّحةٌ باستِحبابِ تَطويلِ الغُرةِ والتَّحجيلِ:
أمَّا تَطويلُ الغُرةِ فقالَ أَصحابُنا: هو غَسلُ شَيءٍ من مُقدَّمِ الرأسِ، وما يُجاوزُ الوَجهَ زائِدٌ على الجُزءِ الذي يَجبُ غَسلُه لاستِيقانِ كَمالِ الوَجهِ.
وأمَّا تَطويلُ التَّحجيلِ: فهو غَسلُ ما فوقَ المِرفَقينِ والكَعبَينِ وهذا مُستحبٌّ بلا خِلافٍ بينَ أَصحابِنا.
واختَلَفوا في قَدرِ المُستحبِّ على أوجُهٍ:
أحَدُها: أنَّه يُستحبُّ الزِّيادةُ فوقَ المِرفَقينِ والكَعبَينِ من غيرِ تَوقُّفٍ.
والثاني: يُستحبُّ إلى نِصفِ العَضُدِ والساقِ.
والثالِثُ: يُستحبُّ إلى المَنكِبينِ والرُّكبَتينِ، وأَحاديثُ البابِ تَقتَضي هذا كلَّه (١).
وذهَبَ المالِكيةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ وابنُ القَيمِ إلى أنَّه لا يُندبُ إِطالةُ الغُرةِ، وهي الزِّيادةُ في غَسلِ أَعضاءِ الوُضوءِ على مَحلِّ الفَرضِ.
(١) «المجموع» (١/ ٤٨٨، ٤٩٠)، و «شرح صحيح مسلم» (٣/ ١١٠)، و «رد المحتار» (١/ ٢٥٦)، و «فتح القدير» (١/ ٣٦)، و «مغني المحتاج» (١/ ١٧٧)، و «الإنصاف» (١/ ١٦٨)، و «الاختيارات» ص (٢٢)، و «كشاف القناع» (١/ ١٠٦، ١٠٩)، و «فتح الباري» (١/ ٢٨٥).
وقالَ المالِكيةُ: بل يُكرهُ؛ لأنَّه مِنْ الغُلوِّ في الدِّينِ، وإنَّما يُندبُ دَوامُ الطَّهارةِ والتَّجديدِ.
قالَ الدُّسوقيُّ رحمة الله عليه: ويُسمَّى ذلك إِطالةَ الغُرةِ، كما حُملَ عليه قَولُه ﷺ: «مَنْ استَطاعَ أنْ يُطيلَ غُرَّتَه فليَفعَلْ»، فقد حمَلوا الإِطالةَ على الدَّوامِ، والغُرةَ على الوُضوءِ.
قالَ: والحاصِلُ أنَّ إِطالةَ الغُرةِ تُطلقُ على الزِّيادةِ على المَغسولِ، وتُطلقُ على إدامةِ الوُضوءِ، وإِطالةُ الغُرةِ بالمَعنى الأولِ هي المَكروهةُ عندَ مالِكٍ، وإِطالةُ الغُرةِ بالمَعنى الثاني مَطلوبةٌ عندَه، وحينَئذٍ لا يَكونُ الحَديثُ السابِقُ مُعارِضًا لمَا ذكَرَه من الكَراهةِ (١).
قال شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: وكانَ أبو هُريرةَ يَغسلُ يَدَيه إلى العَضُدَين في الوُضوءِ ويَقولُ: «مَنْ استَطاعَ أنْ يُطيلَ غُرتَه فليَفعَلْ» ورُويَ عنه أنَّه كانَ يَمسحُ عُنقَه ويَقولُ: هو مَوضِعُ الغَلِّ؛ فإنَّ هذا -وإنِ استحَبَّه طائِفةٌ من العُلماءِ اتِّباعًا لهما- خالَفَهم فيه آخَرونَ وقالوا: سائِرُ الصَّحابةِ لم يَكونوا يَتوضَّؤونَ هكذا، والوُضوءُ الثابِتُ عنه ﷺ الذي في الصَّحيحَينِ وغيرِهما من غيرِ وَجهٍ ليسَ فيه أخْذُ ماءٍ جَديدٍ للأُذنَينِ ولا غَسلُ ما زادَ على المِرفَقينِ والكَعبَينِ ولا مَسحُ العُنقِ ولا قالَ النَّبيُّ ﷺ: «مَنْ استَطاعَ أنْ يُطيلَ غُرتَه فليَفعَلْ» بل هذا مِنْ كَلامِ أبي
(١) «حاشية الدسوقي» (١/ ١٦٧)، و «التاج والإكليل» (١/ ٢٦٦).
هُرَيرةَ، جاءَ مُدرَجًا في بعضِ الأَحاديثِ، وإنَّما قالَ النَّبيُّ ﷺ: «إنَّكم تأتون يَومَ القيامةِ غُرًّا مُحجَّلين من آثارِ الوُضوءِ» وكانَ ﷺ يَتوضَّأُ حتى يَشرعَ في العَضُدِ والساقِ، قالَ أبو هُرَيرةَ: مَنْ استَطاعَ أنْ يُطيلَ غُرتَه فليَفعَلْ، وظَنَّ مَنْ ظَنَّ أنَّ غَسلَ العَضُدِ من إِطالةِ الغُرةِ، وهذا لا مَعنى له؛ فإنَّ الغُرةَ في الوَجهِ لا في اليَدِ والرِّجلِ، وإنَّما في اليَدِ والرِّجلِ الحَجلةُ.
والغُرةُ لا يُمكنُ إِطالتُها؛ فإنَّ الوَجهَ يُغسلُ كلُّه لا يُغسلُ الرأسُ ولا غُرةَ في الرأسِ، والحَجلةُ لا يُستحبُّ إِطالتُها، وإِطالتُها مُثلةٌ (١).
وقالَ الإمامُ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: وأمَّا فِعلُ أبي هُريرةَ رضي الله عنه فهو شَيءٌ تَأوَّلَه، وخالَفَه فيه غيرُه، يُنكِرونه عليه، وهذه المَسألةُ تُلقَّبُ بمَسألةِ إِطالةِ الغُرةِ، وإنْ كانَت الغُرةُ في الوَجهِ خاصةً.
وقد اختَلفَ الفُقهاءُ في ذلك، وفيها رِوايتانِ عن الإمامِ أحمدَ:
إحداهُما: يُستحبُّ إِطالتُها، وبها قالَ أبو حَنيفةَ والشافِعيُّ، واختارَها أبو البَركاتِ ابنُ تَيميةَ وغيرُه.
والثانيةُ: لا يُستحبُّ، وهي مَذهبُ مالِكٍ، وهي اختيارُ شَيخِنا أبي العَباسِ.
فالمُستَحِبون يَحتجُّون بحَديثِ أبي هُريرةَ رضي الله عنه قالَ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «أنتُم الغُرُّ المُحجَّلونَ يَومَ القيامةِ مِنْ أثَرِ الوُضوءِ، فمَن
(١) «مجموع الفتاوى» (١/ ٢٧٩، ٢٨٠).
استَطاعَ منكم فليُطِلْ غُرَّتَه وتَحجيلَه» مُتَّفقٌ عليه، ولأنَّ الحِليةَ تَبلغُ من المُؤمنِ حيثُ يَبلغُ الوُضوءُ.
قالَ النافونَ للاستِحبابِ: قالَ رَسولُ اللهِ ﷺ: «إنَّ اللهَ حَدَّ حُدودًا فلا تَعتَدوها».
واللهُ ﷾ قد حَدَّ المِرفَقينِ والكَعبَينِ، فلا يَنبَغي تَعدِّيهما، ولأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ لم يَنقُلْ مَنْ نقَلَ عنه وُضوءَه أنَّه تَعداهُما، ولأنَّ ذلك أصلُ الوَسواسِ ومادَّتُه، ولأنَّ فاعِلَه إنَّما يَفعلُه قُربةً وعِبادةً، والعِباداتُ مَبناها على الاتِّباعِ، ولأنَّ ذلك ذَريعةٌ إلى الغَسلِ إلى الفَخذِ، وإلى الكَتفِ.
وهذا مما لا يُعلمُ أنَّ النَّبي ﷺ وأَصحابَه لم يَفعَلوه (١) ولا مَرةً واحِدةً، ولأنَّ هذا من الغُلوِّ، وقد قالَ ﷺ: «إيَّاكُم والغُلُوَّ في الدِّينِ».
ولأنَّه تَعمُّقٌ، وهو مَنهيٌّ عنه، ولأنَّه عُضوٌ من أَعضاءِ الطَّهارةِ، فكُرهَ مُجاوَزتُه كالوَجهِ.
وأمَّا الحَديثُ فرِاويةٌ عن أبي هُريرةَ رضي الله عنه، رَواها نُعَيمٌ المُجمِرُ، وقد قالَ: «لا أَدري قَولُه: فمَن استَطاعَ منكم أنْ يُطيلَ غُرتَه فليَفعَلْ، من قَولِ رَسولِ اللهِ ﷺ، أو مِنْ قَولِ أبي هُريرةَ رضي الله عنه؟»، رَوى ذلك عنه الإمامُ أحمدُ في المُسندِ.
(١) الصَّحيحُ -واللهُ أعلَمُ-: وهذا مما لا يُعلمُ أنَّ النَّبي ﷺ وأَصحابَه فَعلُوهُ.
ارجع إلى الوضوء للاطلاع على جميع المسائل.