الموالاة

الإسلام > الطهارة > الوضوء > الموالاة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 10 دقيقة قراءة

الموالاة - الأقوال والأدلة

فهِجرتُه إلى ما هاجَرَ إليه»، فغيرُ جائِزٍ أنْ يَكونَ مُؤديًا إلى اللهِ ما فرَضَ عليه مَنْ دخَلَ الماءَ يُعلِّمُ آخَرَ السِّباحةَ بدِرهمٍ أخَذَه أو مُريدٌ للتَّبريدِ أو التَّلذُّذِ غيرُ مُريدٍ لتَأديةِ فَرضٍ؛ لأنَّه لم يُرِدِ اللهَ قَطُّ بعَملِه، قالَ اللهُ : ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا﴾ [الشورى: ٢٠].

قالَ قائِلٌ: إنَّ مَنْ قصَدَ دِرهمًا أو دينارًا ليُعلِّمَ آخَرَ السِّباحةَ لا يَقصدُ غيرَ ذلك مُؤديًا فَرضًا للهِ عليه في الطَّهارةِ يُخالِفُ كِتابَ اللهِ وسُنةَ رَسولِه مع أنَّ المُناقضةَ لا تُفارِقُه حيثُ أوجَبَ النِّيةَ في التَّيممِ وأبطَلَها في الوُضوءِ، والخَبَرُ الذي به يُوجبُ النِّيةَ في التَّيممِ هو الذي أوجَبَ النِّيةَ في الوُضوءِ والصَّلاةِ والزَّكاةِ والحَجِّ والصَّومِ وسائِرِ الأَعمالِ وقد ذكَرتُ بَقيةَ الحُججِ في هذا البابِ في غيرِ هذا الكِتابِ (١).

وقالَ أيضًا: وإذا تَوضَّأ طَهارةً من حَدثٍ أو طَهارةً لصَلاةِ فَريضةٍ أو نافِلةٍ أو قِراءةٍ أو صَلاةٍ على جِنازةٍ فله أنْ يُصليَ به المَكتوبةَ في قَولِ الشافِعيِّ وأبي عُبيدٍ وإِسحاقَ وأبي ثَورٍ وغيرِهم من أَصحابِنا، وكذلك نَقولُ (٢).

٢ - المُوالاةُ:

المُوالاةُ: هي غَسلُ الأَعضاءِ على سَبيلِ التَّعاقبِ بحيث لا يَجفُّ العُضوُ الأولُ قبلَ الشُّروعِ في الثاني.

(١) «الأوسط» (١/ ٣٦٩، ٣٧١٤).
(٢) «الأوسط» (١/ ٣٧١).

وقد اختَلفَ العُلماءُ في حُكمِ المُوالاةِ في الوُضوءِ هل هي واجِبةٌ مُطلقًا أو واجِبةٌ مع الذِّكرِ والقُدرةِ أو سُنةٌ؟ على ثَلاثةِ أَقوالٍ:

القَولُ الأولُ: ذهَبَ المالِكيةُ في قَولٍ والإمامُ الشافِعيُّ في القَديمِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى وُجوبِ المُوالاةِ مُطلقًا.

واحتَجُّوا على ذلك «بأنَّ النَّبيَّ رَأى رَجلًا يُصلِّي وفي ظَهرِ قَدمِه لُمعةٌ قَدرَ الدِّرهمِ لم يُصبْها الماءُ، فأمَرَه النَّبيُّ أنْ يُعيدَ الوُضوءَ والصَّلاةَ» (١).

ولو لم تَجبِ المُوالاةُ لأَجزَأه غَسلُ اللُّمعةِ، ولأنَّها عِبادةٌ يُفسِدُها الحَدثُ، اشتُرطَت المُوالاةُ كالصَّلاةِ.

والآيةُ دَلَّت على وُجوبِ الغَسلِ، والنَّبيُّ بيَّنَ كَيفيتَه، وفسَّرَ مُجمَلَه بفِعلِه وأمْرِه؛ فإنَّه لم يَتوضَّأْ إلا مُتوالِيًا، وأمَرَ تارِكَ المُوالاةِ بإِعادةِ الوُضوءِ.

القَولُ الثاني: ذهَبَ الحَنفيةُ والمالِكيةُ في قَولٍ والشافِعيُّ في المَذهبِ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ المُوالاةَ في الوُضوءِ سُنةٌ لظاهِرِ الآيةِ، ولأنَّ المَأمورَ به غَسلُ الأَعضاءِ، فكيفما غسَلَ جازَ، ولأنَّها إحدَى الطَّهارَتينِ لم تَجبِ المُوالاةُ فيه كالغُسلِ.

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو دواد (١٧٥).

واحتَجُّوا أيضًا بما ثبَتَ عنه أنَّه كانَ يَتوضَّأُ في أولِ طُهورِه ويُؤخِّرُ غَسلَ رِجلَيه إلى آخِرِ الطُّهرِ (١).

القَولُ الثالِثُ: الوُجوبُ مع الذِّكرِ ومع القُدرةِ، ساقِطةٌ مع النِّسيانِ، ومع الذِّكرِ عندَ العُذرِ، مِثلَ عَدمِ تَمامِ الماءِ، ما لم يَتفاحَشِ التَّفاوتُ، وهو قَولُ المالِكيةِ في المَشهورِ والحَنابِلةِ في قَولٍ.

قال شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ رحمة الله عليه: هذا القَولُ هو الأظهَرُ والأشبَهُ بأُصولِ الشَّريعةِ وبأُصولِ مَذهبِ أحمدَ وغيرِه، وذلك أنَّ أدِلةَ الوُجوبِ لا تَتناولُ إلا المُفرِّطَ، لا تَتناولُ العاجِزَ عن المُوالاةِ (٢).

قالَ المالِكيةُ: المُوالاةُ: عِبارةٌ عن الإِتيانِ بأفعالِ الطَّهارةِ في زَمنٍ مُتصلٍ من غيرِ تَفريقٍ فاحِشٍ، أي: يُفترضُ على المُتوضِّئِ أنْ يَنتقِلَ إلى غَسلِ العُضوِ قبلَ أنْ يَجفَّ الذي قبلَه، سَواءٌ كانَ مَغسولًا أو مَمسوحًا، عندَ اعتِدالِ الزَّمانِ (وهو أنْ يَكونَ في فَصلٍ لا يَترتَّبُ عليه جَفافُ الماءِ بحالةٍ غيرِ مُعتادةٍ) والمَكانِ (أي: ألَّا يَكونَ في مَكانٍ فيه حَرٌّ أو بَردٌ شَديدانِ يُجفِّفان الماءَ) والمِزاجِ (وهو ألَّا يَكونَ في طَبيعةِ الشَّخصِ ما يُوجبُ تَجفيفَ الماءِ بسُرعةٍ).

(١) رواه البخاري (٢٥٧)، ومسلم (٣١٧).
(٢) «مجموع الفتاوى» (٢١/ ١٣٥، ١٣٦)، وينظر: «بدائع الصنائع» (١/ ٩٢)، و «رد المحتار» (١/ ٢٤٥)، و «حاشية الدسوقي» (١/ ١٤٧)، و «بداية المجتهد» (١/ ٣٨)، و «تفسير القرطبي» (٣/ ٤٦٨)، و «روضة الطالبين» (١/ ٢١٤)، و «شرح صحيح مسلم» (٣/ ١٠٨)، و «المغني» (١/ ١٧٥)، و «نيل الأوطار» (١/ ٢١٧)، و «منار السبيل» (١/ ٣٤).

ويُشترطُ لفَرضِ المُوالاةِ شَرطانِ:

الأولُ: أنْ يَكونَ المُتوضِّئُ ذاكرًا، أمَّا إنْ فرَّقَ بينَ أَعضاءِ الوُضوءِ ناسِيًا؛ فإنَّه يَبني على وُضوئِه ويُتمُّه سَواءٌ طالَ الفَصلُ أو قصُرَ.

وكذا مَنْ نَسيَ عُضوًا من أَعضاءِ الوُضوءِ أو ترَكَ لُمعةً في أثناءِ الوُضوءِ ناسيًا؛ فإنْ طالَ الفَصلُ اقتصَرَ على فِعلِ المَنسيِّ ولا يُعيدُ ما بعدَه من الأَعضاءِ، أمَّا إنْ لم يَطُلِ الفَصلُ (أي: لم يَجفَّ العُضوُ بعدُ)؛ فإنَّه يَفعلُ المَنسيَّ ويُعيدُ ما بعدَه استِنانًا لأجلِ تَحصيلِ سُنةِ التَّرتيبِ.

الثاني: أنْ يَكونَ المُتوضِّئُ قادِرًا على المُوالاةِ؛ فإنْ فرَّقَ بينَ غَسلِ الأَعضاءِ لعَجزِه عن المُوالاةِ غيرَ مُفرِّطٍ، تَسقطُ عنه الفَوريةُ، ويَكونُ حُكمُه كحُكمِ الناسِي.

ومِثالُ ذلك أنْ يُحضرَ المُكلَّفُ الماءَ الكافيَ -باعتِقادِه- للوُضوءِ ثم يَظهرَ عَدمُ كِفايتِه، أو يُهراقَ الماءُ، أو يُغصبَ منه، ويَحتاجَ إلى ماءٍ آخَرَ ليُكملَ به وُضوءَه، فيَنتظرَ مُدةً تَجفُّ بها الأَعضاءُ التي غسَلَها، فعندَ حُضورِ الماءِ يَبني على ما فعَلَ ويُتمُّ وُضوءَه ولو طالَ الفَصلُ.

أمَّا إذا كان عاجِزًا مُفرِّطًا، كمَن أحضَرَ من الماءِ ما لا يَكفي لوُضوئِه؛ فإنَّه يَبني على ما فعَلَ ما لم يَطُلِ الفَصلُ، وإلا صارَ حُكمُه حُكمَ مَنْ فرَّقَ بينَ أَعضاءِ الوُضوءِ عامِدًا لا ناسيًا ولا عاجِزًا، فيَبطُلُ الوُضوءُ ويَجبُ عليه إعادَتُه من جَديدٍ (١).

(١) «شرح مختصر خليل» (١/ ١٢٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (١/ ١٤٧)، و «بداية المجتهد» (١/ ٣٨)، و «تفسير القرطبي» (٣/ ٤٦٨)، و «تحبير المختصر» (١/ ١٤٣، ١٤٤).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 358 - 361

ارجع إلى الوضوء للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الأربعاء 19 ربيع الأول
أحدب متناقص اليوم 20.1 / 29.5
الإضاءة 71%
الهلال الجديد بعد 9 يوم
الله أكبر