الإسلام > الطهارة > الوضوء > رابعا: الاستنشاق
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 11 دقيقة قراءةورُويَ أنَّ ذلك مُستحبٌّ، وليسَ بواجِبٍ، وبه قالَ عَطاءٌ ومالِكٌ والأَوزاعيُّ والشافِعيُّ وإِسحاقُ وأَصحابُ الرأيِ وابنُ المُنذرِ؛ لأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] الآيةَ.
قالَ زَيدُ بنُ أسلَمَ في تَفسيرِها: إذا قُمتُم من نَومٍ؛ ولأنَّ القيامَ من النَّومِ داخِلٌ في عُمومِ الآيةِ، وقد أمَرَ بالوُضوءِ من غيرِ غَسلِ الكَفَّينِ في أوَّلِه، والأمرُ بالشَّيءِ يَقتَضي حُصولَ الإِجزاءِ به؛ ولأنَّه قائِمٌ من نَومٍ، فأشبَهَ القائِمَ من نَومِ النَّهارِ، والحَديثُ مَحمولٌ على الاستِحبابِ؛ لتَعليلِه بما يَقتَضي ذلك، وهو قَولُه: «فإنَّه لا يَدري أينَ باتَتْ يَدُه» وطُروءُ الشَّكِّ على يَقينِ الطَّهارةِ لا يُؤثِّرُ فيها، كما لو تَيقَّنَ الطَّهارةَ وشَكَّ في الحَدثِ فيَدلُّ ذلك على أنَّه أرادَ النَّدبَ (١).
ثالثًا: المَضمَضةُ:
رابَعًا: الاستِنشاقُ:
خامِسًا: الاستِنثارُ:
اختَلفَ الفُقهاءُ في حُكمِ المَضمَضةِ والاستِنشاقِ والاستِنثارِ على أربَعةِ أَقوالٍ:
(١) «المغني مع الشرح» (١/ ١٢٢، ١٢٣)، و «كشاف القناع» (١/ ١٠٦)، و «الروض المربع» (١/ ٤٦)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (٢/ ٥٨)، و «التاج والإكليل» (١/ ٢٤٢)، و «حاشية الدسوقي» (١/ ١٥٦)، و «الخلاصة الفقهية» (١/ ١٠)، و «بدائع الصنائع» (١/ ٨٦)، و «المجموع» (١/ ٤١٠)، و «مغني المحتاج» (١/ ١٦٩)، و «تفسير ابن كثير» (٢/ ٢٤).
القَولُ الأولُ: ذهَبَ المالِكيةُ والشافِعيةُ وأحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ المَضمَضةَ والاستِنشاقَ سُنةٌ في الوُضوءِ والغُسلِ؛ لقَولِه تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: ٦].
فالوَجهُ عندَ العَربِ: ما حصَلَت به المُواجهةُ، وداخِلُ الفَمِ والأنفِ ليسَ من الوَجهِ.
وذِكرُهما من الفِطرةِ يَدلُّ على مُخالفتِهما لسائِرِ الوُضوءِ.
ولقَولِه ﷺ للأَعرابيِّ: «تَوضَّأْ كما أمَرَك اللهُ» (١).
قالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: هذا الحَديثُ من أحسَنِ الأدِلةِ؛ لأنَّ هذا الأعرابيَّ صلَّى ثَلاثَ مَرَّاتٍ فلم يُحسِنْها، فعلِمَ النَّبيُّ ﷺ حينَئذٍ أنَّه لا يَعرفُ الصَّلاةَ التي تُفعلُ بحَضرةِ الناسِ وتُشاهَدُ أَعمالُها، فعلَّمَه واجِباتِها وواجِباتِ الوُضوءِ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ: «تَوضَّأْ كما أمَرَك اللهُ»، ولم يَذكُرْ له سُننَ الصَّلاةِ والوُضوءِ لئلَّا يُكثِرَ عليه فلا يَضبطَها، فلو كانَت المَضمَضةُ واجِبةً لعلَّمَه إياها؛ فإنَّه ممَّا يَخفى، لا سيما في حَقِّ هذا الرَّجلِ الذي خَفيَت عليه الصَّلاةُ التي تُشاهَدُ فكيفَ بالوُضوءِ الذي يَخفَى؟ (٢)
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٨٦١)، والترمذي (٣٠٣)، والنسائي في «الكبرى» (١٦٣١).
(٢) «المجموع» (٢/ ٣٨١، ٣٨٦)، و «شرح صحيح مسلم» (٣/ ٨٧)، و «حاشية الدسوقي» (١/ ٩٧)، و «جواهر الإكليل» (١/ ٢٣)، و «المغني» (١/ ١٤٣)، و «الإنصاف» (١/ ١٥٣)، و «تفسير ابن كثير» (٣/ ٣٦)، و «الإفصاح» (١/ ٦٤)، و «فتح الباري» (١/ ٣١٥).
القَولُ الثاني: ذهَبَ الحَنفيةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّهما واجِبتانِ في الطَّهارةِ الكُبرى الغُسلِ، وسُنةٌ في الصُّغرى، الوُضوءِ؛ لأنَّ الواجِبَ في بابِ الوُضوءِ غَسلُ الأَعضاءِ الثَّلاثةِ ومَسحُ الرأسِ، فداخِلُ الأنفِ والفمِ ليسَا من جُملتِها، أمَّا ما سِوى الوَجهِ فظاهِرٌ، وكذا الوَجهُ؛ لأنَّه اسمٌ لمَا يُواجهُ به الإِنسانُ عادةً، والفَمُ لا يُواجَهُ به بكلِّ حالٍ؛ فلا يَجبُ غَسلُه.
ولأنَّ الكُبرى يَجبُ فيها غَسلُ كلِّ ما أمكَنَ من البَدنِ كبَواطنِ الشُّعورِ الكَثيفةِ ولا يُمسحُ فيها على الحَوائِلِ فوَجَبا فيها بخِلافِ الصُّغرى.
ولأنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦] أي: طَهِّروا أبدانَكم، فيَجبُ غَسلُ ما يُمكنُ غَسلُه من غيرِ حَرجٍ ظاهِرًا كانَ أو باطِنًا (١).
القَولُ الثالِثُ: ذهَبَ الحَنابِلةُ في المَشهورِ عنهم إلى أنَّ المَضمَضةَ والاستِنشاقَ واجِبَتانِ في الطَّهارَتَينِ الصُّغرَى والكُبرَى، أي: الغُسلِ والوُضوءِ؛ لمَا رَوَت عائِشةُ رضي الله عنها أنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قالَ: «المَضمَضةُ والاستِنشاقُ مِنْ الوُضوءِ الذي لا بدَّ مِنه» (٢).
(١) «أحكام القرآن» للجصاص (٣/ ٣٤٠)، و «بدائع الصنائع» (١/ ٨٩)، و «مراقي الفلاح» (٣٢)، و «عمدة القاري» (٣/ ١٨)، و «المغني» (١/ ١٤٣)، و «الإنصاف» (١/ ١٥٢)، و «الإفصاح» (١/ ٦٤)، و «البحر الرائق» (١/ ٤٨).
(٢) رواه الدارقطني (١/ ٨٤)، وصوَّبَ إرسالَه ورواه البيهقي في «السنن الكبرى» (١/ ٥٢)، وابن الجوزي في «التحقيق» (١/ ١٤٤)، وفي «العلل المتناهية» (١/ ٣٣٧، ٣٣٨)، وقالَ الدارَقُطنيُّ: تَفرَّدَ به عاصِمٌ، أي: ابنُ يُوسفَ المبارَكُ، ووهِمَ فيه والصَّوابُ عن ابنِ جُرَيجٍ عن سُليمانَ بنِ مُوسى مُرسلًا، وأحسَبُ عاصِمًا حَدَّث به من حِفظِه فاختلَطَ عليه. ثم رَواه مُرسَلًا وقالَ: والمُرسلُ أصَحُّ، هكذا رَواه السُّفيانانِ وغيرُهما. «نصب الراية» (١/ ٤٧).
ولأنَّ كلَّ من وصَفَ وُضوءَ النَّبيِّ ﷺ مُستقصيًا ذكَرَ أنَّه تَمضمَضَ واستَنشَقَ، ومُداومتُه عليهما تَدلُّ على وُجوبِهما؛ لأنَّ فِعلَه يَصلحُ أنْ يَكونَ بَيانًا وتَفصيلًا للوُضوءِ المَأمورِ به في كِتابِ اللهِ، وكَونُهما من الفِطرةِ لا يَنفي وُجوبَهما، لاشتِمالِ الفِطرةِ على الواجِبِ والمَندوبِ (١).
القَولُ الرابِعُ: ذهَبَ الإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ إلى أنَّ الاستِنشاقَ واجِبٌ في الوُضوءِ والغُسلِ دونَ المَضمَضةِ؛ لقَولِ النَّبيِّ ﷺ: «مَنْ تَوضَّأ فليَستَنثرْ» (٢). وفي رِوايةٍ: «إذا تَوضَّأ أحدُكم فليَجعَلْ في أنْفِه ماءً ثم ليَنتثِرْ» (٣).
وعن أبي هُرَيرةَ رضي الله عنه مَرفوعًا: «من تَوضَّأ فليَستَنشِقْ» (٤)، وعن ابنِ عَباسٍ مَرفوعًا: «استَنثِرُوا مرَّتينِ بالِغتَينِ أو ثَلاثًا» (٥).
وهذا أمرٌ يَقتَضي الوُجوبَ؛ ولأنَّ الأنفَ لا يَزالُ مَفتوحًا وليسَ له غِطاءٌ يَستُرُه بخِلافِ الفَمِ (٦).
(١) «المغني» (١/ ١٤٤)، و «الإنصاف» (١/ ١٥٣)، و «الإفصاح» (١/ ٦٥).
(٢) رواه البخاري (١٦١)، ومسلم (١/ ٢١٢، ٥١٨).
(٣) رواه البخاري (١٦٢)، ومسلم (١/ ٢١٢).
(٤) رواه مسلم (١/ ٢١٢).
(٥) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (١٤١)، وابن ماجه (٤٠٨)، وأحمد (٢٠١١).
(٦) «المغني» (١/ ١٤٣)، و «الإنصاف» (١/ ١٥٢)، و «المجموع» (٢/ ٣٨٢).
ارجع إلى الوضوء للاطلاع على جميع المسائل.