الإسلام > الطهارة > الوضوء > رابعا: مس الذكر
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 12 دقيقة قراءةقالَ في «المُغني»: الظاهِرُ عن أحمدَ التَّسويةُ بينَ الجالِسِ والقائِمِ؛ لأنَّهما يَشتبِهانِ في الانخِفاضِ واجتِماعِ المَخرجِ، وربَّما كانَ القائِمُ أبعَدَ من الحَدثِ لعَدمِ التَّمكُّنِ من الاستِثقالَ في النَّومِ؛ فإنَّه لو استَثقَلَ لسقَطَ.
قالَ في «الإنصاف»: وعليه جُمهورُ الأَصحابِ.
أمَّا نَومُ الراكِعِ والساجِدِ: إذا كانَ يَسيرًا فالمَذهبُ أنَّه يَنقضُ، وعنه: أنَّ نَومَ الراكِعِ والساجِدِ لا يَنقضُ يَسيرُه، وعليه جُمهورُ الأَصحابِ، وعنه: لا يَنقضُ نَومُ القائِمِ والراكِعِ ويَنقضُ نَومُ الساجِدِ (١).
رابِعًا: مَسُّ الذَّكرِ:
اتَّفقَ الفُقهاءُ على أنَّ مَنْ مَسَّ فَرجَه بغيرِ يَدِه من أَعضائِه لا يُنقضُ وُضوؤُه.
ثم اختَلَفوا إذا مَسَّه بباطِنِ كَفِّه على ثَلاثةِ مذاهِبَ.
المَذهبُ الأولُ: ذهَبَ الحَنفيةُ والإمامُ أحمدُ في رِوايةٍ اختارَها شَيخُ الإِسلامِ ابنُ تَيميةَ إلى أنَّ مَسَّ الذَّكرِ لا يَنقضُ الوُضوءَ ولا يَجبُ الوُضوءُ من مَسِّ الذَّكرِ، بل يُستحبُّ فقط؛ لحَديثِ طَلقِ بنِ عليٍّ قالَ: «قدِمْنا على نَبيِّ اللهِ ﷺ فجاءَ رَجلٌ كأنَّه بَدويٌّ فقالَ: يا نَبيَّ اللهِ ما تَرى في مَسِّ الرَّجلِ ذكَرَه بعدَما يَتوضَّأُ» وفي رِوايةٍ: «في الصَّلاةِ»
(١) «المغني» (١/ ٢٢٣، ٢٢٥)، و «كشاف القناع» (١/ ١٢٥)، و «الإنصاف» (١/ ١٩٩، ٢٠٠)، و «منار السبيل» (١/ ٤٥).
فقالَ له النَّبيُّ ﷺ: «وهل هو إلا مُضغةٌ منكَ، أو قالَ: بِضعةٌ منك» (١).
قالوا: ولأنَّه عُضوٌ منه، فكانَ كسائِرِ جَسدِه كمَن مَسَّ فَخِذَه أو أنفَه، أو رِجلَه.
وقالوا: لكنْ يُستحبُّ خُروجًا من الخِلافِ (٢).
المَذهبُ الثاني: ذهَبَ الشافِعيةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ والمالِكيةُ في الأشهَرِ كما سيَأتي مُفصَّلًا إلى أنَّ مَنْ مَسَّ فَرجَه بيَدِه انتَقضَ وُضوؤُه واستدَلُّوا على نَقضِ الوُضوءِ مِنْ مَسِّ الذَّكرِ بعِدةِ أَحاديثَ عن النَّبيِّ ﷺ منها ما رَوَت بُسرةُ بِنتُ صَفوانَ رضي الله عنها أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «مَنْ مَسَّ ذكَرَه فليَتوضَّأْ» (٣).
وبحَديثِ أبي هُرَيرةَ رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «إذا أفضَى أحدُكم بيَدِه إلى فَرجِه وليسَ بينَهما سِترٌ ولا حِجابٌ فليَتوضَّأْ» (٤).
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (١٨١، ١٨٢)، والترمذي (٨٥)، والنسائي (١٦٥)، وابن ماجه (٤٨٣).
(٢) «المبسوط» (١/ ٦٦)، و «البحر الرائق» (١/ ٤٥)، و «فتح القدير» (١/ ٥٥)، و «حاشية الطحطاوي» (١/ ٦١)، و «رد المحتار» (١/ ٢٧٨)، و «المغني» (١/ ٢٢٨)، و «الإنصاف» (١/ ٢٠٢)، و «الاختيارات» (٢٨).
(٣) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (١٨٠)، والترمذي (٨٢)، والنسائي (٤٤٤)، وابن ماجه (٤٧٩).
(٤) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن حبان في «صحيحه» (١١١٨)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٦٣٠).
وبما رَوى عبدُ اللهِ بنُ عَمرٍو رضي الله عنه أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «أيُّما رَجلٍ مَسَّ فَرجَه فليَتوضَّأْ، وأيُّما امرأةٍ مَسَّت فَرجَها فلتَتوضَّأْ» (١).
وبما رَوتْه أمُّ حَبيبةَ رضي الله عنها قالَت: سمِعتُ رَسولَ اللهِ ﷺ يَقولُ: «مَنْ مَسَّ فَرجَه فليَتوضَّأْ» (٢).
وقالوا: إنَّ حَديثَ طَلقًا لو صَحَّ لكانَ حَديثُ أبي هُريرةَ ومَن معه مُقدَّمًا عليه؛ لأنَّ طَلقًا قدِمَ المَدينةَ وهُم يَبنونَ المَسجدَ فذكَرَ الحَديثَ وفيه قِصةُ مَسِّ الذَّكرِ، وأبو هُريرةَ أسلَمَ عامَ خَيبَرَ بعدَ ذلك بسِتِّ سِنينَ وإنَّما يُؤخذُ بالأحدَثِ فالأحدَثِ من أمرِه ﷺ.
وقالوا: إنَّ حَديثَ طَلقٍ باقٍ على الأصلِ، وإنَّ حَديثَ بُسرةَ ناقِلٌ، والناقِلُ مُقدَّمٌ؛ لأنَّ أَحكامَ الشارِعِ ناقِلةٌ عما كانوا عليه.
وقالوا: إنَّ رُواةَ النَّقضِ أكثَرُ وأَحاديثَه أشهَرُ؛ فإنَّه مِنْ رِوايةِ بُسرةَ وأُمِّ حَبيبةَ وأبي هُريرةَ وزَيدِ بنِ خالِدٍ رضي الله عنهم جَميعًا.
وأيضًا: فإنَّه قد ثبَتَ الفَرقُ بينَ الذَّكرِ وسائِرِ الجَسدِ في النَّظرِ والحِسِّ فثبَتَ عن رَسولِ اللهِ ﷺ: «أنَّه نَهى أنْ يَمسَّ الرَّجلُ ذكَرَه بيَمينِه» (٣)،
(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه الإمام أحمد (٧٠٧٦)، وابن الجارود في «المنتقى» (١٩)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٦٢٦).
(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه ابن ماجه (٤٨١)، والبيهقي في «السنن الكبرى» (٦١٧)، وهو مروي أيضًا من حديث أبي أيوب.
(٣) رواه البخاري (١٥٣)، ومسلم (٢٦٧).
فدَلَّ على أنَّ الذَّكرَ لا يُشبهُ سائِرَ الجَسدِ، ولهذا صانَ اليَمينَ عن مَسِّه، فدَلَّ على أنَّه ليسَ بمَنزلةِ الأنفِ والفَخذِ والرِّجلِ، فلو كان كما قالَ المانِعونَ إنَّه بمَنزلةِ الإبهامِ واليَدِ والرِّجلِ لم يَنهَ عن مَسِّه باليَمينِ، ولأنَّ قياسَ الذَّكرِ أيضًا على سائِرِ البَدنِ لا يَستقيمُ؛ لأنَّه تَتعلَّقُ به أَحكامٌ يَنفردُ بها مِنْ وُجوبِ الغُسلِ بإيلاجِه والحَدِّ والمَهرِ وغيرِ ذلك.
وقالوا أيضًا: إنَّ حَديثَ طَلقٍ مَحمولٌ على المَسِّ فوقَ حائِلٍ؛ لأنَّه قالَ: «سألتُه عن مَسِّ الذَّكرِ في الصَّلاةِ»، والظاهِرُ أنَّ الإِنسانَ لا يَمسُّ الذَّكرَ في الصَّلاةِ بلا حائِلٍ.
ولا فَرقَ عندَ الشافِعيةِ والحَنابِلةِ في قَولٍ بينَ أنْ يَمسَّه عامِدًا أو غيرَ عامِدٍ.
وفي رِوايةٍ عن الإمامِ أحمدَ وهو قَولٌ للمالِكيةِ لا يَنتقضُ الوُضوءُ إلا بمَسِّه قاصِدًا مَسَّه.
قالَ أحمدُ بنُ الحُسينِ: قيلَ لأحمدَ: الوُضوءُ من مَسِّ الذَّكرِ؟ فقالَ: هكذا، وقبَضَ على يَدِه، يَعني إذا قبَضَ عليه (١).
المَذهبُ الثالِثُ: مَذهبُ المالِكيةِ، قالَ ابنُ عبدِ البَرِّ رحمة الله عليه: واضطَرَب قَولُ مالِكٍ في إِيجابِ الوُضوءِ من مَسِّ الذَّكرِ، واختَلفَ مَذهبُه
(١) «المغني» (١/ ٢٢٨، ٢٣٠)، و «الإنصاف» (١/ ٢٠٢)، و «المجموع» (٢/ ٤٥، ٥٥)، و «حاشية ابن القيم على سنن أبي داود» (١/ ٢١٢، ٢١٤)، و «مغني المحتاج» (١/ ٣٥)، و «الإفصاح» (١/ ٧٩)، و «الأوسط» لأبن المنذر (١/ ١٩٤)، و «الاستذكار» (١/ ٢٥٠)، و «الكافي» لابن عبد البر (١/ ١٢)، و «الإفصاح» (١/ ٧٩).
فيه، والذي تَقرَّر عليه المَذهبُ عندَ أهلِ المَغربِ من أَصحابِه أنَّه مَنْ مَسَّ ذكَرَه أمَرَه بالوُضوءِ ما لم يُصلِّ؛ فإنْ صلَّى أمَرَه بالإعادةِ في الوَقتِ؛ فإنْ خرَجَ الوَقتُ فلا إِعادةَ عليه.
واختَلفَ أَصحابُه وأَتباعُه على أربَعةِ أَقوالٍ:
فمِنهم مَنْ لم يَرَ على مَنْ مَسَّ ذكَرَه وُضوءًا ولا على مَنْ صلَّى بعدَ أنْ مَسَّه إعادةَ صَلاتِه في وَقتٍ ولا غيرِه، وممَّن ذهَبَ إلى هذا سُحنونٌ والعِتقيُّ.
ورأى الإِعادةَ في الوَقتِ ابنُ القاسِمِ وأشهَبُ وهو رِوايةٌ عن ابنِ وَهبٍ.
ومنهم مَنْ رَأى الوُضوءَ عليه واجبًا، ورَأى الإِعادةَ على مَنْ صلَّى بعدَ أنْ مَسَّه في الوَقتِ وبعدَه، منهم أصبَغُ بنُ الفَرجِ وعيسى بنُ دِينارٍ، وهو مَذهبُ ابنِ عُمرَ؛ لأنَّه أعادَ منه صَلاةَ الصُّبحِ بعدَ طُلوعِ الشَّمسِ وهو قَولُ الشافِعيِّ.
وأمَّا إِسماعيلُ بنُ إِسحاقَ وأَصحابُه البَغداديُّونَ المالِكيُّيونَ كابنِ كَبيرٍ وابنِ المُنتابِ، وأبي الفَرجِ الأبهَريِّ؛ فإنَّهم اعتبَروا في مَسِّه وُجودَ اللَّذةِ كلامِسِ النِّساءِ عندَهم؛ فإنِ التَذَّ الذي مَسَّ ذكَرَه وجَبَ عليه الوُضوءُ، وإنْ صلَّى وقد مَسَّه قبلَ أنْ يَتوضَّأَ أعادَ الصَّلاةَ أبدًا، وإنْ خرَجَ الوَقتُ، وإنْ لم يَلتَذَّ بمَسِّه فلا شَيءَ عليه، وهذا قَولٌ رابِعٌ ومَن ذهَبَ إلى هذا سَوَّى بينَ باطِنِ الكَفِّ وظاهِرِها (١).
(١) «الاستذكار» (١/ ٢٤٩، ٢٥٠)، و «مواهب الجليل» (١/ ٣٠٠)، (٦/ ٤٣٣)، و «الكافي» (١/ ١٢)، و «بداية المجتهد» (١/ ٦٥، ٦٦).
ارجع إلى الوضوء للاطلاع على جميع المسائل.