الضرب الثاني: أن يكون مع كل واحد منهما بينة

الإسلام > القضاء والشهادة > الحكم إذا تداعيا عينا > الضرب الثاني: أن يكون مع كل واحد منهما بينة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 12 دقيقة قراءة

الضرب الثاني: أن يكون مع كل واحد منهما بينة - الأقوال والأدلة

الآخَرِ أو في يَدِ ثالِثٍ أو لا يدَ لأحَدٍ عليها؛ لقَولِ النَّبيِّ : «البَيِّنةُ على المُدَّعي، واليَمينُ على مَنْ أنكَرَ» (١).

قالَ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وأمَّا إنْ كانَت لأحَدِهما بيِّنةٌ حُكِمَ بها بغَيرِ خِلافٍ نَعلَمُه (٢).

الضَّربُ الثانِي: أنْ يَكونَ معَ كُلِّ واحِدٍ منهما بيِّنةٌ:

فذهَبَ الشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّهما لو تَداعَيا عَينًا بيَدِ ثالِثٍ وهو مُنكِرٌ غيرُ مُعتَرِفٍ بها لنَفسِه أو لأحَدِهما أو ليسَت بيَدِ أحَدٍ وكانَ معَ كُلِّ واحِدٍ منهما بيِّنةٌ تَسقُطُ البَيِّنتانِ ويَكونُ كما لو لم تَكنْ معهما بيِّنةٌ؛ لأنَّ كُلَّ واحِدةٍ من البَيِّنتَينِ أثبَتَت المِلكَ لمَن شهِدَت له، ولا يُمكِنُ أنْ يَكونَ الشَّيءُ مِلكًا لاثنَينِ في حالةٍ واحِدةٍ، ولا مَزيةَ لإِحداهما -البَيِّنتَينِ- فسقَطَتا؛ ولأنَّهما أوقَعَتا إِشكالًا في حَقِّ المالِكِ منهما فسقَطَتا كما لو شهِدَت البَيِّنةُ بمِلكِ عَينٍ لأحَدِ الرَّجلَينِ لا بعَينِه.

إلا أنَّهم اختَلَفوا في الواجِبِ حُصولُه.

فقالَ الشافِعيةُ: يَحلِفُ كلُّ واحِدٍ منهما يَمينًا (٣).

(١) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه البيهقي في «السنن الكبرى» (٢٠٩٩٠).
(٢) «المغني» (١٠/ ٢٥١)، و «القوانين الفقهية» ص (٢٠٠)، و «البيان» (١٣/ ١٦١).
(٣) «البيان» (١٣/ ١٦٣، ١٦٤)، و «روضة الطالبين» (٧/ ٥١٣، ٥١٤)، و «النجم الوهاج» (١٠/ ٤٣١)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٤٥٥)، و «تحفة المحتاج» (١٢/ ٥٠٧).

وقالَ الحَنابِلةُ: يُقرَعُ بينَهما، فمَن خرَجَت له القُرعةُ حلَفَ أنَّها له، وسُلِّمَت إليه، كما لو لم يَكنْ لواحِدٍ منهما بيِّنةٌ وهو مَرويٌّ عن ابنِ عُمرَ وابنِ الزُّبَيرِ (١).

وذهَبَ الحَنفيةُ والشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُقضَى بها لهما نِصفَينِ إذا ادَّعَيا ذلك مِلكًا مُطلَقًا أو كانَ تارِيخُهما واحِدًا؛ لما رُويَ عن أَبي مُوسى أنَّ «رَجلَينِ ادَّعَيا بَعيرًا على عَهدِ رَسولِ اللهِ فبعَثَ كلُّ واحِدٍ منهما بشاهِدَينِ فقسَمَه رَسولُ اللهِ بينَهما نِصفَينِ» (٢).

وعن أَبي هُرَيرةَ رضي الله عنه «أنَّ رَجلَينِ ادَّعَيا دابَّةً فأقامَ كلُّ واحِدٍ منهما شاهِدَينِ فقَضى رَسولُ اللهِ بينَهما نِصفَينِ» (٣).

ولأنَّ البَيِّنةَ حُجةٌ كاليَدِ، ولو كانَ لكلِّ واحِدٍ منهما يَدٌ لقُسِمَت العَينُ بينَهما، فكذلك إذا كانَ لكلِّ واحِدٍ منهما بيِّنةٌ.

ولأنَّهما استَوَيا في سَبَبِ الاستِحقاقِ، وهو قابِلٌ للاشتِراكِ فيَستَويانِ في الاستِحقاقِ كالمُوصَى لهما، بأنْ أوصَى لكلِّ واحِدٍ منهما بالثُّلثِ؛ فإنَّه

(١) «المغني» (١٠/ ٢٥١)، و «الكافي» (٤/ ٤٩٠)، و «شرح منتهى الإرادات» (٦/ ٦١٠)، و «منار السبيل» (٣/ ٤٨٢، ٤٨٣).
(٢) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه أَبو داود (٦٣١٥)، وعبد الرزاق في «مصنفه» (١٥٢٠٢)، والطحاوي في «شرح مشكل الآثار» (٤٧٥٤، ٤٧٥٥)، والحاكم في «المستدرك» (٧٠٣٢).
(٣) رواه ابن حبان في «صحيحه» (٥٠٦٨).

يُقسَّمُ الثُّلثُ بينَهما نِصفَينِ، وكذا الغَريمانِ في التَّركةِ بخِلافِ النِّكاحِ؛ لأنَّه لا يَقبَلُ الاشتِراكَ فتَعيَّنَ التَّهاتُرُ، ولأنَّ البَيِّناتِ من حُججِ الشَّرعِ يَجبُ العَملُ بها ما أمكَنَ، وقد أمكَنَ هنا؛ لأنَّ الأَيديَ قد تَتوالَى في عَينٍ واحِدةٍ في أَوقاتٍ مُختلِفةٍ فيَعتمِدُ كلُّ فَريقٍ ما شاهَدَ من السَّببِ المُطلَقِ للشَهادةِ وهو اليَدُ فيُحكَمُ بالتَّنصيفِ بينَهما ولا يَجوزُ التَّرجيحُ بكَونِ الشُّهودِ أعدَلَ لحُصولِ المَقصودِ بالكلِّ وهو الامتِناعُ عن الكَذبِ، وكذا لا يَجوزُ التَّرجيحُ بكَثرةِ العَددِ؛ لأنَّ التَّرجيحَ يَكونُ بقُوةٍ في الدَّليلِ لا بكَثرَتِه (١).

وقَولُ المالِكيةِ كقَولِ الحَنفيةِ، إلا أنَّهم قالوا: تُقسَّمُ بينَهما بعدَ التَّحالُفِ على قَدرِ دَعواهما؛ لأنَّهما حُجتانِ تَعارَضَتا لو انفَردَ أحَدُ المُتداعِيَينِ بها لحُكمَ له بالمِلكِ، فوجَبَ إذا تَعارَضتا أنْ يُقسَّمَ الشَّيءُ بينَهما، أصلُه اليَدُ، ولأنَّهما قد تَساوَيا في سَببِ الاستِحقاقِ والشَّيءُ مما يَصحُّ فيه الاشتِراكُ فوَجَبَ القَضاءُ به لهما.

وقالَ أشهَبُ وسحنُونٌ والقاضِي عبدُ الوَهابِ: يُقسَّمُ بينَهما بالسَّويةِ حتى لو ادَّعى أحَدُهما نِصفَه والآخَرُ كلَّه (٢).

(١) «شرح مختصر الطحاوي» للجصاص (٨/ ١٩١)، و «تبيين الحقائق» (٤/ ٣١٦)، و «الجوهرة النيرة» (٦/ ٩٩)، و «اللباب» (٢/ ٤١٨).
(٢) «الإشراف على نكت مسائل الخلاف» (٥/ ٩٩، ١٠٠)، رقم (١٨٥٢)، و «التاج والإكليل» (٥/ ١٩٨)، و «شرح مختصر خليل» (٧/ ٢٣٣)، و «القوانين الفقهية» ص (٢٠٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ١٥١، ١٥٢)، و «تحبير المختصر» (٥/ ٢٠٢).

وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ إلى أنَّه يُوقَفُ الأمرُ إلى أنْ يَصطَلِحا؛ لأنَّ أحَدَهما صادِقٌ في الباطِنِ والآخَرَ كاذِبٌ، ويُرجَى انكِشافُ الصادِقِ منهما، فوجَبَ التَّوقُّفُ إلى أنْ نَتبيَّنَ الصادِقَ، كما لو زوَّجَ المَرأةَ وَليَّانِ لها برَجلَينِ وسبَقَ أحَدُهما وأُشكِلَ السابِقُ.

وذهَبَ الشافِعيةُ في قَولٍ والحَنابِلةُ في رِوايةٍ إلى أنَّه يُقرَعُ بينَهما، فمَن خرَجَت له القُرعةُ حُكِمَ له بالعَينِ؛ لما رَوى سَعيدُ بنُ المُسيِّبِ: «أنَّ قَومًا اختَصَموا إلى النَّبيِّ وتَساوَت بيِّناتُهم في العَدالةِ والعَددِ، فأسهَمَ النَّبيُّ بَينَهم، وقَضى للذي خرَجَ له السَّهمُ»، ولأنَّ المُدَّعِيَينِ قد تَساوَيا في الدَّعوى والبَيِّنةِ فأقرَعَ بينَهما، كما لو أعتَقَ رَجلٌ في مَرضِ مَوتِه عَبيدًا لا يَخرُجونَ من ثُلثِه.

وهل يَحلِفُ مَنْ خرَجَت له القُرعةُ؟

فقال الحَنابِلةُ والشافِعيةُ في قَولٍ: يَحلِفُ؛ لأنَّ القُرعةَ ضَعيفةٌ، فرجَحَت باليَمينِ ورجَحَت بهما البَيِّنةُ، فيَكونانِ بمَجموعِهما قائِمَين مَقامَ اليَدِ التي تَترجَّحُ بها إِحدى البَيِّنتَينِ.

وقالَ الشافِعيةُ في القَولِ الثانِي: لا يَجبُ عليه أنْ يَحلِفَ، وهو الأصَحُّ؛ لأنَّ البَيِّنةَ تَرجَّحَت بالقُرعةِ؛ لأنَّ كلَّ دَليلَينِ تَقابَلا ووُجِدَ معَ أحَدِهما تَرجيحٌ قُدِّمَ ولم يُطلَبْ تَرجيحٌ آخَرُ، كما لو كانَ معَ إِحدى البَيِّنتَينِ يَدٌ (١).

(١) «البيان» (١٣/ ١٦٣، ١٦٤)، و «روضة الطالبين» (٧/ ٥١٣، ٥١٤)، و «النجم الوهاج» (١٠/ ٤٣١)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٤٥٥)، و «تحفة المحتاج» (١٢/ ٥٠٧)، و «المغني» (١٠/ ٢٥١، ٢٥٢)، و «الكافي» (٤/ ٤٩٠).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب القضاء
١٨٨١ - مسألة؛ قال: (وإذا قسم، طرحت السهام، فيصير لكل واحد ما وقع سهمه عليه، إلا أن يتراضيا

ولو كانتِ الأرضُ لاثْنَينِ، فأرادا قِسْمةَ البئرِ والشَّجرةِ دونَ الأرضِ، لم تكنْ قِسْمةَ إجبارٍ، وهكذا الأرضُ ذاتُ الشَّجَرِ، إذا اقْتُسِمَ الشجرُ دونَ الأرضِ، لم تكُنْ قِسْمةَ إجْبارٍ. ولو اقْتَسماها بشَجرِها، كانت قِسْمةَ إجْبارٍ؛ لأنَّ الشجرَ يَدْخُلُ تَبَعًا للأرضِ، فيَصِيرُ الجميعُ كالشىءِ الواحدِ، ولهذا تجِبُ فيه الشُّفْعةُ إذا بيعَ شىءٌ من الأرضِ بشَجَرهِ. وإذا قُسِمَ ذلك دونَ الأرضِ، صارَ أصْلًا فى القِسْمةِ، ليس بتابعٍ لشىءٍ واحدٍ، فيَصِيرُ كأعْيانٍ مُفْرَدةٍ من الدُّورِ والدَّكَاكينِ المُتفرِّقةِ، ولهذا لا تَجِبُ فيه الشُّفْعةُ إذا بِيعَ مُفْرَدًا. وكلُّ قِسْمةٍ غيرِ واجبةٍ، إذا تَراضَيا بها، فهى بَيْعٌ، حُكمُها حُكْمُ البَيْعِ.

١٨٨١ - مسألة؛ قال: (وَإِذَا قُسِمَ، طُرِحَتِ السِّهَامُ، فَيَصِيرُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا وَقَعَ سَهْمُهُ عَلَيْهِ، إِلَّا أنْ يَتَرَاضَيَا، فَيَكُونُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مَا رَضِىَ بِهِ)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 175 - 178

ارجع إلى الحكم إذا تداعيا عينا للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
لا حول ولا قوة إلا بالله