الضرب الثاني: أن يشهد على مسلم في الوصية

الإسلام > القضاء والشهادة > شروط من تقبل شهادته > الضرب الثاني: أن يشهد على مسلم في الوصية

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

الضرب الثاني: أن يشهد على مسلم في الوصية - الأقوال والأدلة

ليسَ منَّا ولا مِنْ رِجالِنا، ولأنَّه إذا لم تُقبَلْ شَهادةُ الفُساقِ من المُسلِمينَ فأحرى ألَّا تَجوزَ شَهادةُ الكُفارِ على أحدٍ (١).

قالَ الإِمامُ العِمرانِيُّ رحمة الله عليه: وأَجمَعوا على أنَّ شهادَتَهم لا تُقبَلُ على مُسلمٍ (٢).

وقالَ الإِمامُ ابنُ رُشدٍ رحمة الله عليه: وأمَّا الإِسلامُ فاتَّفَقوا على أنَّه شَرطٌ في القَبولِ، وأنَّه لا تَجوزُ شَهادةُ الكافِرِ (٣).

وقالَ الدَّميريُّ رحمة الله عليه: الكافِرُ لا تَجوزُ شهادَتُه على المُسلمِ بإِجماعٍ (٤).

الضَّربُ الثانِي: أنْ يَشهَدَ على مُسلمٍ في الوَصيةِ:

اختَلفَ الفُقهاءُ في شَهادةِ الكافِرِ إذا شهِدَ بوَصيةِ المُسافرِ الذي ماتَ في سَفرِه هل تُقبلُ أو لا؟

فذهَبَ الحَنابِلةُ إلى أنَّه إذا شهِدَ بوَصيةِ المُسافِرِ الذي ماتَ في سَفرِه شاهِدانِ من أهلِ الذِّمةِ قُبلَت شهادَتُهما إذا لم يُوجَدْ غيرُهما من المُسلِمينَ

(١) «مختصر اختلاف العُلماء» (٣/ ٣٣٩، ٣٤٠)، و «أحكام القرآن» (٤/ ١٥٩، ١٦٠)، و «المدونة الكبرى» (١٣/ ١٥٦، ١٥٧)، و «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٧٣)، و «الكافي» ص (٤٧٦)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٣٤٧)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٦/ ٦٠)، و «تحبير المختصر» (٥/ ١٠٩)، و «الأم» (٦/ ١٤١، ١٤٢)، و «الحاوي الكبير» (١٧/ ٦١)، و «البيان» (١٣/ ٢٧٧، ٢٧٨)، و «النجم الوهاج» (١٠/ ٢٨٣، ٢٨٤)، و «مغني المحتاج» (٦/ ٣٧٠)، و «المغني» (١٠/ ١٨١)، و «منار السبيل» (٣/ ٤٤٩).
(٢) «البيان» (١٣/ ٢٧٧).
(٣) «بداية المجتهد» (٢/ ٣٤٧).
(٤) «تحبير المختصر» (٥/ ١٠٩).

ويُستَحلَفانِ بعدَ العَصرِ ما خانا ولا كتَما ولا اشتَرَيا به ثَمنًا ولو كانَ ذا قْربى، ولا نَكتُمُ شَهادةَ اللهِ إنَّا إذًا لمِن الآثِمينَ؛ لقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة: ١٠٦]، هذا نَصُّ الكِتابِ وقد قَضى به رَسولُ اللهِ وأَصحابُه فرَوى ابنُ عَباسٍ قالَ: «خرَجَ رَجلٌ من بَني سَهمٍ معَ تَميمٍ الداريِّ وعَديِّ بن بَدَّاءٍ فماتَ السَّهميُّ بأرضٍ ليسَ بها مُسلمٌ، فلمَّا قدِما بتَركتِه فقدوا جامًا من فِضةٍ مُخوَّصًا من ذَهبٍ فأحلَفَهما رَسولُ اللهِ ثم وُجدَ الجامُ بمَكةَ، فقالوا: ابتَعْناه من تَميمٍ وعَديٍّ، فقامَ رَجلانِ من أَوليائِه فحَلَفا ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ [المائدة: ١٠٧] وإنَّ الجامَ لصاحِبِهما، قالَ: وفيهم نزَلَت هذه الآيةُ ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] (١).

وعن الشَّعبيِّ «أنَّ رَجلًا من المُسلِمينَ حضَرَته الوَفاةُ بدَقُوقا ولم يَجدْ أحدًا من المُسلِمينَ يَشهَدُ على وَصيَّتِه فأشهَدَ رَجلَينِ من أهلِ الكِتابِ، فقدِما الكُوفةَ فأتَيا الأَشعَريَّ فأخبَراه وقدِما بتَرِكتِه ووَصيَّتِه فقالَ: الأَشعريُّ: هذا أمرٌ لم يَكنْ بعدَ الذي كانَ في عَهدِ رَسولِ اللهِ فأحلَفَهما بعدَ العَصرِ ما خانا ولا كذَبا ولا بَدَّلا ولا كَتَما ولا غَيَّرا وإنَّها لَوَصيةُ الرَّجلِ وتَرِكتُه، فأمضى شَهادَتَهما» (٢).

(١) أخرجه البخاري (٢٦٢٨)، وأبو داود (٣٦٠٦).
(٢) صَحِيحٌ: روه أَبو داود (٣٦٠٥).

وحَملُ الآيةِ على أنَّه أَرادَ من غيرِ عَشيرَتِكم لا يَصحُّ؛ لأنَّ الآيةَ نزَلَت في قَضيةِ عَديٍّ وتَميمٍ بلا خِلافٍ بينَ المُفسِّرينَ وقد فسَّرَها بما قُلنا سَعيدُ بنُ المُسيِّبِ والحَسَنُ وابنُ سِيرينَ وعُبَيدةُ وسَعيدُ بنُ جُبَيرٍ والشَّعبيُّ وسَلمانُ التَّيميُّ وغيرُهم، ودَلَّت عليه الأَحاديثُ التي رَويناها، ولأنَّه لو صحَّ ما ذَكَروه لم تَجِبِ الأَيمانُ؛ لأنَّ الشاهدَينِ من المُسلِمينَ لا قَسامةَ عليهم، ولأنَّ حَملَها على التَّحمُّلِ لا يَصحُّ؛ لأنَّه أمْرٌ بإِحلافِهم، ولا أَيمانَ في التَّحمُّلِ، ولأنَّ حَملَها على اليَمينِ لا يَصحُّ؛ لقَولِه : ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦] الآيةَ، ولأنَّه عطَفَها على ذَوي العَدلِ من المُؤمِنينَ وهُما شاهِدانِ.

ورَوى أَبو عُبيدٍ في «الناسِخ والمَنسوخ» أنَّ ابنَ مَسعودٍ قَضى بذلك في زَمنِ عُثمانَ، قالَ أَحمدُ: أهلُ المَدينةِ ليسَ عندَهم حَديثُ أَبي موسى، فمِن أينَ يَعرِفونَه؟ فقد ثبَتَ هذا الحُكمُ بكِتابِ اللهِ وقَضاءِ رَسولِ اللهِ وقَضاءِ الصَّحابةِ به، وبعَملِهم بما ثبَتَ في الكِتابِ والسُّنةِ، فتعيَّنَ المَصيرُ إليه والعَملُ به سَواءٌ وافَقَ القياسَ أو خالَفَه (١).

وذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ إلى أنَّه لا تُقبلُ شَهادةُ الكافرِ على المُسلمِ لا في سَفرٍ ولا في حَضرٍ، لا في وَصيةٍ ولا في غيرِها، وأنَّ قَولَ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ

(١) «المغني» (١٠/ ١٨٠، ١٨١)، و «الكافي» (٤/ ٥٢١، ٥٢٢)، و «مجموع الفتاوى» (١٥/ ٢٩٩)، و «إعلام الموقعين» (١/ ٩١، ٩٢)، و «شرح الزَّركشيّ» (٣/ ٤٠١)، و «منار السبيل» (٣/ ٥٠٠).

الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾ [المائدة: ١٠٦] يُوجَدُ عنه جَوابانِ:

أَحدُهما: أنَّه مَنسوخٌ بقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢].

والثانِي: أنَّ المُرادَ من قوله ﷿: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ [المائدة: ١٠٦] أي: من غيرِ قَبيلتِكم، وهذا لأنَّ العَداوةَ بينَ القَبائلِ في الجاهِليةِ كانَت ظاهِرةً فبيَّنَ اللهُ تَعالى أنَّه لا مُعتبَرَ بها بعدَ الإِسلامِ، وأنَّ شَهادةَ بعضِهم على بَعضٍ مَقبولةٌ.

(ألَا تَرى) أنَّ اللهَ تَعالى قالَ: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾ [المائدة: ١٠٦] وذلك إنَّما يَكونُ في حَقِّ المُسلِمينَ الذين يُصلُّونَ، وقد صحَّ الحَديثُ أنَّ النَّبيَّ قالَ: «لا تُقبلُ شَهادةُ أهلِ مِلةٍ على أهلِ مِلةٍ أُخرى إلا المُسلِمينَ؛ فإنَّ شَهادتَهم مَقبولةٌ على أهلِ المِللِ كلِّها» والمَعنى الذي لأجْلِه لا تُقبلُ شَهادتُهم علينا في سائِرِ الحُقوقِ انقِطاعُ وِلايتِهم عنَّا، وهذا المَعنى مَوجودٌ في الوَصيةِ، والمَعنى الذي لأجْلِه لا تُقبلُ شَهادتُهم على وَصيةِ المُسلمِ في غيرِ حالةِ السَّفرِ مَوجودٌ في حالةِ السَّفرِ (١).

(١) «المبسوط» (٣٠/ ١٥٢، ١٥٣)، و «مختصر اختلاف العُلماء» (٣/ ٣٣٩، ٣٤٠)، و «أحكام القرآن» (٤/ ١٥٩، ١٦٠)، و «المدونة الكبرى» (١٣/ ١٥٦، ١٥٧)، و «شرح صحيح البخاري» (٨/ ٧٣)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٣٤٧)، و «الأم» (٦/ ١٤١، ١٤٢)، و «الحاوي الكبير» (١٧/ ٦١)، و «البيان» (١٣/ ٢٧٧، ٢٧٨).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب القضاء
١٨٦٤ - مسألة: قال أبو القاسم، رحمه الله تعالى: (ولا يولى قاض حتى يكون بالغا، عاقلا، مسلما،

القريبِ وَجْهَيْنِ. وقال أصْحابُ أبي حنيفةَ: تَثْبُتُ بالاسْتفاضةِ. ولم يفصلوا بينَ القريبِ والبعيدِ؛ لأنَّ النبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَلَّى عليًّا ومُعاذًا قَضاءَ اليمنِ وهو بعيدٌ، مِن غيرِ إشْهادٍ ، ووَلَّى الوُلاةَ في البلادِ البعيدةِ وَفوَّضَ إليهم الوِلايةَ والقضاءَ، ولم يُشْهِدْ، وكذلك خُلَفاؤه. ولم يُنقلْ عنهم الإشْهادُ على تَوْلِيَةِ القَضاءِ، مع بُعْدِ بُلدانِهم. ولَنا، أنَّ القضاءَ لا يَثْبتُ إلَّا بأحَدِ الأمْرَيْنِ، وقد تعذَّرَتِ الاسْتفاضةُ في البلدِ البعيدِ؛ لِعَدَمِ وُصولِها إليه، فتعَيَّن الإشْهادُ، ولا نُسلِّمُ أنَّ النبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لم يُشْهِدْ على تَوْلِيَتِه، فإنَّ الظَّاهرَ أنَّه لم يَبْعَثْ واليًا إلَّا ومعه جماعةٌ، فالظَّاهرُ أنَّه أشْهدَهم، وعَدَمُ نَقْلِه لا يَلْزَمُ منه عدمُ فِعْلِه، وقد قامَ دليلُه، فتعَيَّن وُجودُه.

١٨٦٤ - مسألة: قال أبو القاسمِ، رَحِمَهُ اللهُ تعالى: (وَلَا يُوَلَّى قَاضٍ حَتَّى يَكُونَ بَالِغًا، عَاقِلًا ، مُسْلِمًا، حُرًّا، عَدْلًا، عَالِمًا، فَقِيهًا، وَرِعًا)

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 18 - 21

ارجع إلى شروط من تقبل شهادته للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله