إذا لم يكتمل عدد شهود الزنا

الإسلام > القضاء والشهادة > مراتب الشهادة والعدد الذي تنعقد به > إذا لم يكتمل عدد شهود الزنا

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 13 دقيقة قراءة

إذا لم يكتمل عدد شهود الزنا - الأقوال والأدلة

وقالَ الإمامُ النَّوويُّ رحمة الله عليه: أجمَعوا على أنَّ البَيِّنةَ تَكونُ أربَعةَ شُهداءَ، يَكونونَ ذُكورًا عُدولًا، هذا إذا شَهِدوا على الزِّنا نَفسِه، ولا يُقبلُ دونَ الأربَعةِ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: أجمَعَ المُسلِمونَ على أنَّه لا يُقبلُ في الزِّنا أقَلُّ مِنْ أربَعةِ شُهودٍ، وقد نَصَّ اللهُ تَعالى عليه (٢).

وقالَ ابنُ القَيمِ رحمة الله عليه: الحُكمُ بأربَعةِ رِجالٍ أَحرارٍ وذلك في حَدِّ الزِّنا واللِّواطِ، أمَّا الزِّنا فبالنَّصِّ والإِجماعِ، وأمَّا اللِّواطُ فقالت طائِفةٌ: هو مَقيسٌ عليه في نِصابِ الشَّهادةِ كما هو مَقيسٌ عليه في الحَدِّ.

وقالَت طائِفةٌ: بل هو داخِلٌ في مُسمَّى الزِّنا؛ لأنَّه وَطءٌ في فَرجٍ مُحرَّمٍ، وهذا لا تَعرِفُه العَربُ، فقالَ هؤلاءِ: هو داخِلٌ في مُسمَّى الزِّنا شَرعًا (٣).

إذا لم يَكتمِلْ عَددُ شُهودِ الزِّنا:

ذهَبَ جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيةُ والمالِكيةُ والشافِعيةُ في المَذهبِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه إنْ شهِدَ أقَلُّ من أربَعةٍ لا تُقبَلُ شَهادتُهم، وهم قَذَفةٌ يُحدُّونَ جَميعًا حَدَّ القَذفِ إذا طلَبَ المَشهودُ عليه ذلك؛ «لأنَّ أَبا بَكرةَ، ونافِعَ بنَ الحارِثِ، وشِبلَ بنَ مَعبِدٍ شَهِدوا على المُغيرةِ بنِ شُعبةَ بالزِّنا عندَ عُمرَ بنِ الخَطابِ، ولمَّا لم يُصرِّحْ زِيادٌ بذلك، بل قالَ: رأيتُ أمرًا

(١) «شرح صحيح مسلم» (١١/ ١٩٢).
(٢) «المغني» (١٠/ ١٥٥).
(٣) «الطرق الحكمية» (١/ ٢٣٩).

قَبيحًا، فرِحَ عُمرُ وحمِدَ اللهَ، ولم يُقمِ الحَدَّ عليه، وكان بمَحضَرٍ من الصَّحابةِ، ولم يُنكَرْ» (١). فدَرَأ عنه عُمرُ الحَدَّ؛ لأنَّه لم يُصرِّحْ بالقَذفِ، وضرَبَ الثَّلاثةَ حَدَّ القَذفِ.

قال ابنُ قُدامةَ رحمة الله عليه: وإذا لم تَكمُلْ شُهودُ الزِّنا فعليهم الحَدُّ في قَولِ أكثَرِ أهلِ العِلمِ، منهم مالِكٌ والشافِعيُّ وأَصحابُ الرأيِ، وذكَرَ أَبو الخَطابِ فيهم رِوايتَينِ وحُكيَ عن الشافِعيِّ فيهم قَولانِ، أحَدُهما: لا حَدَّ عليهم؛ لأنَّهم شُهودٌ، فلم يَجِبْ عليهم الحَدُّ، كما لو كانوا أربَعةً أحَدُهم فاسِقٌ.

ولنا: قَولُ اللهِ تَعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] وهذا يُوجِبُ الجَلدَ على كلِّ رامٍ لَم يَشهَدْ بما قالَ أربَعةٌ ولأنَّه إِجماعُ الصَّحابةِ؛ فإنَّ عُمرَ جلَدَ أَبا بَكرةَ وصاحِبَيه حين لم يُكمِلِ الرابِعُ شَهادتَه بمَحضَرٍ من الصَّحابةِ فلم يُنكِرْه أحَدٌ.

ورَوى صالِحٌ في مَسائِلِه بإِسنادِه عن أَبي عُثمانَ النَّهديِّ قالَ: «جاءَ رَجلٌ إلى عُمرَ فشهِدَ على المُغيرةِ بنِ شُعبةَ، فتغيَّرَ لَونُ عُمرَ، ثم جاءَ آخَرُ فشهِدَ، فتغيَّرَ لَونُ عُمرَ، ثم جاءَ آخَرُ فشهِدَ، فاستَكبَرَ ذلك عُمرُ، ثم جاء شابٌّ يَخطُرُ بيَدَيه، فقالَ عُمرُ: ما عِندَك يا سَلحَ العُقابِ؟ وصاحَ به عُمرُ صَيحةً فقالَ أَبو عُثمانَ: واللهِ لقد كِدتُ يُغشَى علَيَّ، فقالَ: يا أميرَ المُؤمِنينَ، رأيت أمرًا قَبيحًا، فقالَ: الحَمدُ للهِ الذي لم يُشمِتِ الشَّيطانَ بأَصحابِ مُحمدٍ ، قالَ: فأمَرَ بأولئك النَّفَرِ فجُلِدوا».

(١) صَحِيحٌ: رواه الطحاوي (٢/ ٢٨٦ - ٢٨٧).

وفي رِوايةٍ أنَّ عُمرَ لمَّا شُهِدَ عندَه على المُغيرةِ شهِدَ ثَلاثةٌ وبَقيَ زيادٌ، فقالَ عُمرُ: «أَرى شابًّا حَسنًا وأَرجو ألَّا يَفضَحَ اللهُ على لِسانِه رَجلًا من أَصحابِ مُحمدٍ رَسولِ اللهِ ، فقالَ: يا أميرُ، رَأيتُ استًا تَنبو ونَفَسًا يَعلو ورَأيتُ رِجلَيها فَوقَ عُنقِه كأنَّهما أُذُنا حِمارٍ، ولا أدْري ما وَراءَ ذلك، فقالَ عُمرُ: اللهُ أكبَرُ، وأمَرَ بالثَّلاثةِ فضُرِبوا».

وقَولُ عُمرَ: يا سَلحَ العُقابِ معناه أنَّه يُشبِهُ سَلحَ العُقابِ الذي يَحرِقُ كلَّ شَيءٍ أصابَه، وكذلك تُوقَعُ العُقوبةُ بأحَدِ الفَريقَينِ لا مَحالةَ، إنْ كَمُلَت شَهادَتُه حُدَّ المَشهودُ عليه، وإنْ لم تَكمُلْ حُدَّ أَصحابُه؛ فإنْ قيلَ: فقد خالَفَهم أَبو بَكرةَ وأَصحابُه الذين شهِدوا، قُلنا: لم يُخالِفوا في وُجوبِ الحَدِّ عليه إنَّما خالَفوهم في صِحةِ ما شَهِدوا به، ولأنَّه رامٍ بالزِّنا لم يأتِ بأربَعةِ شُهداءَ، يَجبُ عليه الحَدُّ كما لو لم يأتِ بأحَدٍ.

فَصلٌ: وإنْ اكتَمَلوا أربَعةً غيرَ مَرضيِّينَ أو كانَ واحِدٌ منهم كالعَبيدِ والفُساقِ والعُميانِ ففيهم ثَلاثُ رِواياتٍ:

إِحداها: عليهم الحَدُّ، وهو قَولُ مالِكٍ، قالَ القاضِي: هذا الصَّحيحُ؛ لأنَّها شَهادةٌ لم تَكمُلْ، فوجَبَ الحَدُّ على الشَّهادةِ كما لو كانوا ثَلاثةً.

والثانِيةُ: لا حَدَّ عليهم، وهو قَولُ الحَسنِ والشَّعبيِّ وأَبي حَنيفةَ ومُحمدٍ؛ لأنَّ هؤلاءِ قد جاؤُوا بأربَعةِ شُهداءَ فدَخلوا في عُمومِ الآيةِ؛ لأنَّ عَددَهم قد كمُلَ، ورَدَّ الشَّهادةَ لمَعنًى غيرِ تَفريطِهم، فأشبَهَ ما لو شهِدَ أربَعةٌ مَستورونَ ولم تَثبُتْ عَدالَتُهم ولا فِسقُهم.

الثالِثةُ: إنْ كانوا عُميانًا أو بَعضُهم جُلِدوا، وإنْ كانوا عَبيدًا أو فُساقًا، فلا حَدَّ عليهم، وهو قَولُ الثَّوريِّ وإِسحاقَ؛ لأنَّ العُميانَ مَعلومٌ كَذِبُهم؛ لأنَّهم شَهِدوا بما لم يَروْه يَقينًا، والآخَرونَ يَجوزُ صِدقُهم، وقد اكتَملَ عَددُهم فأشبَهوا مَستوري الحالِ.

وقالَ أَصحابُ الشافِعيِّ: إنْ كانَ رَدُّ الشَّهادةِ لمَعنًى ظاهِرٍ كالعَمى والرِّقِّ والفِسقِ الظاهِرِ ففيهم قَولانِ، وإنْ كانَ لمَعنًى خَفيٍّ فلا حَدَّ عليهم؛ لأنَّ ما يَخفَى يَخفَى على الشُّهودِ فلا يَكونُ ذلك تَفريطًا منهم، بخِلافِ ما يَظهَرُ، وإنْ شهِدَ ثَلاثةُ رِجالٍ وامرَأتانِ حُدَّ الجَميعُ؛ لأنَّ شَهادةَ النِّساءِ في هذا البابِ كعَدَمِها، وبهذا قالَ الثَّوريُّ وأَصحابُ الرأيِ، وهذا يُقوِّي رِوايةَ إِيجابِ الحَدِّ على الأوَّلينَ ويُنبِّهُ على إِيجابِ الحَدِّ فيما إذا كانوا عُميانًا أو أحَدُهم؛ لأنَّ المَرأتَينِ يُحتمَلُ صِدقُهما، وهُما من أهلِ الشَّهادةِ في الجُملةِ، والأَعمى كاذِبٌ يَقينًا، وليسَ من أهلِ الشَّهادةِ على الأَفعالِ، فوُجوبُ الحَدِّ عليهم وعلى مَنْ معَهم أولَى (١).

وقالَ الإمامُ الكاسانِيُّ: فإنْ شهِدَ على الزِّنا أقَلُّ من أربَعةٍ لم تُقبَلْ شَهادَتُهم لنُقصانِ العَددِ المَشروطِ، وهل يُحدُّونَ حَدَّ القَذفِ؟ قالَ أَصحابُنا: يُحدُّونَ.

وقالَ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: إذا جاؤوا مَجيءَ الشُّهودِ لم يُحدُّوا.

وعلى هذا الخِلافِ إذا شهِدَ ثَلاثةٌ وقالَ الرابِعُ: رَأيتُهما في لِحافٍ واحِدٍ، ولم يَزِدْ عليه يُحَدُّ الثَّلاثةُ عندَنا، ولا حَدَّ على الرابِعِ؛ لأنَّه لم

(١) «المغني» (٩/ ٦٦، ٦٨)، وينظر: «الجوهرة النيرة» (٥/ ٣١١، ٣١٢).

يَقذِفْ، إلا إذا كانَ قالَ في الابتِداءِ: أشهَدُ إنَّه قد زَنى، ثم فسَّرَ الزِّنا بما ذُكرَ فحينَئذٍ يُحدُّ.

وَجهُ قَولِ الشافِعيِّ رحمة الله عليه أنَّهم إذا جاؤوا مَجيءَ الشُّهودِ كانَ قَصدُهم إِقامةَ الشَّهادةِ حِسبةً للهِ تَعالى لا القَذفَ، فلم يَكنْ جِنايةً فلم يَكنْ قَذفًا.

ولنا: ما رُويَ أنَّ ثَلاثةً شَهِدوا على المُغيرةِ بالزِّنا فقامَ الرابِعُ وقالَ: «رأيتُ أَقدامًا باديةً ونَفَسًا عاليًا وأمْرًا مُنكَرًا ولا أعلَمُ ما وَراءَ ذلك، فقالَ سَيِّدُنا عُمرُ رضي الله عنه: الحَمدُ للهِ الذي لم يَفضَحْ رَجلًا من أَصحابِ مُحمدٍ، وحَدَّ الثَّلاثةَ»، وكانَ ذلك بمَحضَرٍ من الصَّحابةِ الكِرامِ رضي الله عنهم ولم يُنقَلْ أنَّه أنكَرَ عليه مُنكِرٌ، فيَكونُ إِجماعًا، ولأنَّ المَوجودَ من الشُّهودِ كَلامُ قَذفٍ حَقيقةً؛ إذ القَذفُ هو النِّسبةُ إلى الزِّنا، وقد وُجدَ من الشُّهودِ حَقيقةً فيَدخُلونَ تحتَ آيةِ القَذفِ، إلا أنا اعتَبَرنا تَمامَ عَددِ الأربَعِ إذا جاؤوا مَجيءَ الشُّهودِ فقد قَصَدوا إِقامةَ الحِسبةِ واجِبًا حقًّا للهِ تَعالى، فخرَجَ كَلامُهم عن كَونِه قَذفًا وصارَ شَهادةً شَرعًا، فعندَ النُّقصانِ بَقيَ قَذفًا حَقيقةً فيُوجِبُ الحَدَّ (١).

وقالَ الإمامُ ابنُ هُبيرةَ رحمة الله عليه: واتَّفَقوا على أنَّه إذا لم يَكتمِلْ عَددُ شُهودِ الزِّنا أربَعةً؛ فإنَّهم قَذَفةٌ يُحدُّونَ إلا ما رُويَ عن الشافِعيِّ في أحَدِ قَولَيه من أنَّهم لا يُحدُّونَ (٢).

(١) «بدائع الصنائع» (٧/ ٤٧، ٤٨).
(٢) «الإفصاح» (٢/ ٢٦٠).

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 92 - 96

ارجع إلى مراتب الشهادة والعدد الذي تنعقد به للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل