الإسلام > المعاملات المالية > الأسباب الموجبة للحجر > أجرة الولي
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 30 دقيقة قراءةولا يَبيعُ الوَصيُّ مالَ الطِّفلِ أو المَجنونِ لِنَفْسِه، ولا مالَ نَفْسِه له، ولا يَقتَصُّ له وَليٌّ -ولو أبًا-، ولا يَعفُو عن القِصاصِ، نَعَمْ له العَفوُ على الأرشِ في حَقِّ المَجنونِ الفَقيرِ بخِلافِ الصَّبيِّ؛ لأنَّ الصِّبا له غايةٌ تُنتَظَرُ، بخِلافِ الجُنونِ.
ولا يُطلِّقُ زَوجَتَه ولو بعِوَضٍ لِخَبَرِ: «إنَّما الطَّلاقُ لِمَنْ أخَذَ بالساقِ».
ولا يَصرِفُ مالَه في المُسابَقةِ، ولا يَشتَري له إلا مِنْ ثِقةٍ.
ويأخُذُ له بالشُّفعةِ، أو يَترُكُ بحَسَبِ المَصلَحةِ التي رآها في ذلك؛ لأنَّه مَأْمورٌ بفِعلِها، فيَجِبُ الأخْذُ إذا كانَتِ المَصلَحةُ فيه، ويَحرُمُ إذا كانتِ المَصلَحةُ في تَركِه، فلو استَوَتِ المَصلَحةُ في الأخْذِ والتَّركِ، فهل يَحرُمُ الأخْذُ أو يَجبُ أو يَتخَيَّرُ؟ فيه ثَلاثةُ أوْجُهٍ.
ويُزكِّي مالَه وُجوبًا؛ لأنَّه قائِمٌ مَقامَه.
ويُنفِقُ عليه بالمَعروفِ في طَعامٍ وكِسوةٍ وغَيرِهما ممَّا لا بُدَّ منه بما يَليقُ به في إعسارِه ويَسارِه، فإنْ قَتَّرَ أثِمَ، وإنْ أسرَفَ أثِمَ وضمِن، ويَخرُجُ عنه أرشُ الجِنايةِ، وإنْ لَم يُطلَبْ ذلك منه.
ويُنفِقُ على قَريبِه؛ لِسُقوطِها بمُضيِّ الزَّمانِ.
أُجرةُ الوَليِّ:
ولا أُجرةَ لِلوَليِّ ولا نَفَقةَ في مالِ مَحجورِه، فإنْ كان فَقيرًا وشُغِلَ بسَبَبِه عن الاكتِسابِ أخَذَ الأقَلَّ مِنَ الأُجرةِ والنَّفَقةِ بالمَعروفِ، قال اللهُ ﷾:
﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ٦] وكالأكلِ غَيرُه مِنْ بَقيَّةِ المُؤَنِ، وإنَّما خُصَّ بالذِّكرِ لأنَّه أعَمُّ وُجوهِ الانتِفاعِ.
وله أنْ يَستَقِلَّ بالأخْذِ مِنْ غيرِ مُراجَعةِ الحاكِمِ.
ولو نَقَصَ أجْرُ الأبِ أو الجَدِّ أو الأُمِّ إذا كانت وَصيَّةً عن نَفَقتِه وكان كلٌّ منهم فَقيرًا تَمَّمَها مِنْ مالِ مَحجورِه؛ لأنَّها إذا وَجَبتْ بلا عَمَلٍ فمعه أوْلَى.
وإذا أخَذَ لِفَقرٍ به ثم أيسَرَ لا يَجبُ عليه رَدُّ البَدَلِ على الأظهَرِ.
هذا كلُّه في الوَليِّ غيرِ الحاكِمِ، أما هو فليس له ذلك؛ لِعَدَمِ اختِصاصِ وِلايَتِه بالمَحجورِ عليه، بخِلافِ غَيرِه، حتى أمينِه.
ولِلوَليِّ خَلطُ مالِه بمالِ الصَّبيِّ ومُواكَلَتُه؛ لِلارتِفاقِ إذا كان لِلصَّبيِّ فيه حَظٌّ، قال اللهُ ﷾: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، وإلا امتَنَعَ، قال ﷾: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢].
ويُسَنُّ لِلمُسافِرينَ خَلطُ أزوادِهم، وإنْ تَفاوَتوا في الأكلِ لِأخبارٍ صَحيحةٍ وَرَدتْ فيه.
ولا يَجبُ على الوَليِّ أنْ يَشتَريَ لِمُولِّيه إلا بعدَ استِغنائِه عن الشِّراءِ لِنَفْسِه، فإذا لَم يَستَغْنِ عنه قَدَّمَ نَفْسَه.
وإنْ تَضجَّرَ الأبُ -وإنْ عَلا- فله الرَّفعُ إلى القاضي لِيُنصِّبَ قَيِّمًا بأُجرةٍ مِنْ مالِ مَحجورِه، وله أنْ يُنصِّبَ غَيرَه بها بنَفْسِه.
فإذا ادَّعى الصَّغيرُ بعدَ بُلوغِه على الأبِ والجَدِّ بَيعًا لِمالِه -ولو عَقارًا-
بلا مَصلَحةٍ صُدِّقا باليَمينِ؛ لأنَّهما لا يُتَّهَمانِ؛ لِوُفورِ شَفَقَتِهما، وكذا الأُمُّ إذا كانتْ وَصيَّةً وكذا مَنْ في مَعناها، كأُمَّهاتِها.
وإنِ ادَّعاه على الوَصيِّ والأمينِ -أي: مَنصوبِ القاضي- صُدِّقَ هو بيَمينِه لِلتُّهمةِ في حَقِّهما، وقيلَ: يُصدَّقُ الوَليُّ مُطلَقًا؛ لأنَّ الأصلَ عَدَمُ الخيانةِ، وقيلَ: لا يُصدَّقُ مُطلَقًا، بل لا بُدَّ مِنْ بَيِّنةٍ، وقيلَ: يُصدَّقُ الأبُ والجَدُّ مُطلَقًا وغَيرُهما في غيرِ العَقارِ؛ لأنَّ العَقارَ يُحتاطُ فيه ما لا يُحتاطُ في غَيرِه.
وإذا قُلنا: لا يُقبَلُ قَولُ الوَصيِّ والأمينِ فمَحَلُّه في غيرِ أموالِ التِّجارةِ، أمَّا فيها فالظاهِرُ قَبولُ قَولِهما؛ لِعُسرِ الإشهادِ عليهما فيها، ودَعواه على المُشتَري مِنَ الوَليِّ كدَعواه على الوَليِّ، فيُقبَلُ قَولُه عليه إنِ اشتَرى مِنْ غيرِ الأبِ والجَدِّ، لا إنِ اشتَرى منهما.
ولو أقامَ مَنْ لَم يُقبَلْ قَولُه -مِنَ الوَليِّ والمَحجورِ عليه- بَيِّنةً بما ادَّعاه حُكِمَ له بها، ولو بعدَ الحَلِفِ (١).
وقال الحَنابِلةُ: لا يُنظَرُ في مالِ الصَّبيِّ والمَجنونِ ما داما في الحَجْرِ، إلا الأبَ أو وَصيَّه بَعدَه أو الحاكِمَ عندَ عَدَمِهما.
فتَثبُتُ الوِلايةُ على الصَّغيرِ والمَجنونِ -ذَكَرًا أو أُنثى- لِأبٍ؛ لأنَّها
(١) «روضة الطالبين» (٣/ ٣٨٩، ٣٩٠)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١٢١، ١٢٦)، و «نهاية المحتاج» (٤/ ٤٢٨، ٤٣٨)، و «النجم الوهاج» (٤/ ٤٢١، ٤٣١)، و «الديباج» (٢/ ٢٤٤، ٢٤٩).
وِلايةٌ، فقُدِّمَ فيها الأبُ، كوِلايةِ النِّكاحِ، ولِكَمالِ شَفَقَتِه، ويُشترَطُ في الأبِ أنْ يَكونَ رَشيدًا عاقِلًا حُرًّا عَدلًا -ولو ظاهِرًا-؛ لأنَّ تَفويضَ الوِلايةِ إلى غيرِ مَنْ هذه صِفاتُه تَضييعٌ لِلمالِ، ولأنَّ غيرَ الرَّشيدِ الحُرِّ العاقِلِ قد يَحتاجُ إلى وَليٍّ، فلا يَكونُ وَليًّا على غَيرِه.
ولو كان الأبُ كافِرًا فله الوِلايةُ على وَلَدِه الكافِرِ لِمُساوَاتِه، وإنَّما تَثبُتُ الوِلايةُ لِكافِرٍ، بشَرطِ أنْ يَكونَ عَدلًا في دِينِه، مُمتَثِلًا لِما يَعتَقدونَه واجِبًا، مُنتَهيًا عمَّا يُحرِّمونَه، مُراعيًا لِلمُروءةِ.
ثم تَثبُتُ الوِلايةُ على صَغيرٍ ومَجنونٍ بعدَ الأبِ لِوَصيِّه العَدلِ، ولو كان بجُعلٍ، وثَمَّ مُتبرِّعٌ بالوِلايةِ؛ لأنَّه نائِبُ الأبِ، أشبَهَ وَكيلَه في الحياةِ.
ثم إنْ لَم يَكُنْ أبٌ ولا وَصيُّه، أو كان الأبُ مَوجودًا وفُقِدَ شَيءٌ مِنَ الصِّفاتِ المُعتَبَرةِ فيه ثَبَتتِ الوِلايةُ عليهما لحاكِمٍ كذلك، أي: بالصِّفاتِ المُعتَبَرةِ؛ لأنَّ الوِلايةَ انقَطَعتْ مِنْ جِهةِ الأبِ، فتَكونُ لِلحاكِمِ؛ لأنَّه وَليُّ مَنْ لا وَليَّ له.
قال ابنُ مُفلِحٍ والبُهوتيُّ والرُّحيبانيُّ رحمهم الله: وقال الإمامُ أحمدُ -جَوابًا عن سُؤالٍ رُفِعَ إليه فيمَن عندَه مالٌ تُطالِبُه الوَرَثةُ فيَخافُ مِنْ أمْرِه، تَرَى أنْ يُخبِرَ الحاكِمَ ويَرفَعَ إليه؟ -: أمَّا حُكَّامُنا اليَومَ هؤلاء فلا أرى أنْ يَتقدَّمَ إلى أحَدٍ منهم، ولا يَدفَعَ إليه شَيئًا، وهذا في زَمانِه.
فكيف بحُكَّامِنا اليومَ، قال الرُّحيبانيُّ: ويُتَّجَهُ، وهو -أي: ما قالَه الإمامُ- الصَّحيحُ الذي لا رَيبَ فيه، وكَلامُ الأصحابِ مَحمولٌ على حاكِمٍ أهلٍ إنْ وُجِدَ وهو أندَرُ مِنَ الكِبريتِ الأحمَرِ.
فلو لَم يُوصِ الأبُ إلى أحَدٍ بالصِّفاتِ المُعتَبَرةِ، أو كان الأبُ مَوجودًا غيرَ مُتَّصِفٍ بالصِّفاتِ المُعتَبَرةِ، أقامَ الحاكِمُ أمينًا في النَّظَرِ لِليَتيمِ والمَجنونِ لانتِقالِ الوِلايةِ إليه.
فإذا لَم يُوجَدْ حاكِمٌ بالصِّفاتِ المُعتَبَرةِ فأمينٌ يَقومُ باليَتيمِ.
سألَ الأثْرَمُ الإمامَ عن رَجُلٍ ماتَ وله وَرَثةٌ صِغارٌ، كيف يَصنَعُ؟ فقال: إذا لَم يَكُنْ لهم وَصيٌّ ولَهم أُمٌّ مُشفِقةٌ تُدفَعُ إليها.
والجَدُّ لا وِلايةَ له؛ لأنَّه لا يُدلي بنَفْسِه، وإنَّما يُدلي بالأبِ، فهو كالأخِ.
والأُمُّ وسائِرُ العَصَباتِ لا وِلايةَ لَهم؛ لأنَّ المالَ مَحَلُّ الخيانةِ، ومَن عَدا المَذكورينَ أوَّلًا قاصِرٌ عنهم غيرُ مَأْمونٍ على المالِ.
وأمَّا السَّفيهُ فإنْ كان مَحجورًا عليه صَغيرًا، واستُديمَ الحَجْرُ عليه لِسَفَهِه فالوَليُّ فيه مَنْ ذَكَرناه، وإنْ جُدِّدَ الحَجْرُ عليه بعدَ بُلوغِه لَم يَنظُرْ في مالِه إلا الحاكِمُ؛ لأنَّ الحَجْرَ يَفتَقِرُ إلى حُكمِ حاكِمٍ؛ فيَفتَقِرُ زَوالُه إلى ذلك، فكذلك النَّظَرُ في مالِه.
ولا يَجوزُ لِوَليِّ الصَّغيرِ والمَجنونِ أنْ يَتصرَّفَ في مالِهما إلا على وَجْهِ الحَظِّ لَهما؛ لقَولِ اللهِ ﷾: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، والمَجنونُ في مَعناه.
فإنْ تَبرَّعَ بهِبةٍ أو صَدَقةٍ أو حابَى بأنِ اشتَرَى بزيادةٍ أو باعَ بنُقصانٍ أو زادَ على النَّفَقةِ عليهما بالمَعروفِ أو زادَ على النَّفَقةِ على مَنْ تَلزَمُهما مُؤنَتُه مِنْ زَوجةٍ ونَحوِها بالمَعروفِ ضمِن؛ لأنَّه مُفرِّطٌ، كتَصرُّفِه في مالِ غَيرِهما.
فيَضمَنُ القَدْرَ الزائِدَ على الواجِبِ، لا مُطلَقًا.
ولِوَليِّهما الإنفاقُ عليهما مِنْ مالِهما بغَيرِ إذْنِ حاكِمٍ، كإنفاقِه على لَقيطٍ بغَيرِ إذْنِ حاكِمٍ؛ لِوِلايَتِه.
ولو أفسَدَ طِفلٌ أو مَجنونٌ نَفَقتَه دَفَعها الوَليُّ إليه يَومًا بيَومٍ؛ دَفعًا لِلمَفسَدةِ.
وعُلِمَ أنَّ مَنْ لَم يُفسِدْها يَجوزُ أنْ يُعجِّلَ له ما جَرَتْ به عادةُ أهلِ بَلَدِه، فإنْ أفسَدَها المَولَى عليه بإتلافِها، أو دَفَعَها لِغَيرِه أطعَمَه الوَليُّ مُعايَنةً، أي: حالَ كَونِه مُعايِنًا له، وإلا كان مُفرِّطًا.
ولو أفسَدَ كِسوَتَه سَتَرَ عَورَتَه فَقَطْ في بَيتٍ، إنْ لَم يُمكِنِ التَّحيُّلُ على إبقائِها عليه، ولو بتَهديدٍ وزَجرٍ وصياحٍ عليه.
ومتى أراه الوَليُّ الناسَ ألبَسَه ثِيابَه، فإذا عاد إلى البَيتِ نَزَعَ الثِّيابَ عنه وسَتَرَ عَورَتَه فَقَطْ، ويُقيَّدُ المَجنونُ بالحَديدِ لِخَوفٍ، وكذا يَنبَغي لو خِيفَ منه.
ولا يَصحُّ أنْ يَرتَهِنَ الوَليُّ مِنْ مالِهما لِنَفْسِه أو يَشتَريَ الوَليُّ مِنْ مالِهما شَيئًا لِنَفْسِه أو يَبيعَهما شَيئًا مِنْ نَفْسِه؛ لأنَّه مَظِنَّةُ التُّهمةِ.
إلا الأبَ؛ لأنَّ التُّهمةَ بينَ الوَلَدِ ووالِدِه مَنفيَّةٌ؛ إذْ مِنْ طَبعِ الوالِدِ الشَّفَقةُ عليه والمَيلُ إليه وتَركُ حَظِّ نَفْسِه لِحَظِّه، وبهذا فارَقَ الوَصيَّ والحاكِمَ.
ويَجبُ على وَليِّهما إخراجُ زَكاةِ مالِهما مِنْ مالِهما، وإخراجُ فُطرَتِهما مِنْ مالِهما، وكذا فُطرةُ مَنْ تَلزَمُهما مُؤنَتُه.
ولا يَصحُّ إقرارُ الوَليِّ عليهما بمالٍ ولا إتلافٍ ونَحوِه؛ لأنَّه إقرارٌ على الغَيرِ.
وأمَّا تَصرُّفاتُه النافِذةُ منه -كالبَيعِ والإجارةِ وغَيرِهما- فيَصحُّ إقرارُه بها، كالوَكيلِ.
ولا يَصحُّ أنْ يأذَنَ لهما في حِفظِ مالِهما؛ لِعَدَمِ حُصولِ المَقصودِ.
ويُستَحبُّ إكرامُ اليَتيمِ وإدخالُ السُّرورِ عليه ودَفعُ الإهانةِ عنه، فجَبرُ قَلبِه مِنْ أعظَمِ مَصالِحِه.
ولِوَليِّهما السَّفَرُ بمالِهما لِتِجارةٍ وغَيرِها، بأنْ عَرَضَ له سَفَرٌ في مَواضِعَ آمنةٍ؛ لأنَّه أحَظُّ لَهما؛ ولأنَّه عادةُ البالِغينَ في أموالِهم.
ولا يَدفَعُ الوَليُّ مالَهما إلا إلى الأُمَناءِ؛ لأنَّه لا حَظَّ لَهما في دَفْعِه لِغَيرِ أمينٍ.
ولا يُغرِّرُ الوَليُّ بمالِهما بأنْ يُعرِّضَه لِما هو مُتردِّدٌ بينَ السَّلامةِ وعَدَمِها؛ لِعَدَمِ الحَظِّ لَهما.
ولِلوَليِّ المُضارَبةُ بالمالِ بنَفْسِه، ولا أُجرةَ له في نَظيرِ اتِّجارِه به، والرِّبحُ كلُّه لِلمَولَى عليه؛ لأنَّه نَماءُ مالِه.
والتِّجارةُ بمالِهما أوْلَى مِنْ تَرْكِها.
ولِوَليِّ الصَّغيرِ والمَجنونِ دَفْعُ مالِهما مُضارَبةً إلى أمينٍ يَتَّجِرُ فيه بجُزءٍ مِنَ الرِّبحِ؛ لأنَّ عائِشةَ رضي الله عنها أبضَعَتْ مالَ مُحمدِ بنِ أبي بَكرٍ رضي الله عنه، ولأنَّ الوَليَّ نائِبٌ عن مَحجورِه في كلِّ ما فيه مَصلَحَتُه.
ولِلوَليِّ إبضاعُه، وهو دَفعُه إلى مَنْ يَتَّجِرُ به، والرِّبحُ كلُّه لِلمَولى عليه.
ولِلوَليِّ أيضًا بَيعُه نَسيئًا لِمَليءٍ، وله قَرْضُه لِمَصلَحةٍ فيهما، بأنْ يَكونَ الثَّمَنُ المُؤجَّلُ أكثَرَ مما يُباعُ به حالًّا، كحاجةِ سَفَرٍ أو خَوفٍ على المالِ أو غَيرِهما، فيَجوزُ حينَئذٍ، ولو بلا رَهنٍ ولا كَفيلٍ به وبهما، وأي بالرَّهنِ والكَفيلِ وأو بأحَدِهما أوْلَى مِنْ تَرْكِه؛ لأنَّه الاحتياطُ.
فإنْ تلِف المالُ -أي: ضاعَ- بسَبَبِ تَرْكِ الرَّهنِ والكَفيلِ لَم يَضمَنِ الوَليُّ؛ لأنَّ الظاهِرَ السَّلامةُ.
ومَعنى الحَظِّ في قَرضِ مالِ الصَّبيِّ والمَجنونِ أنْ يَكونَ لِلصَّبيِّ أو المَجنونِ مالٌ في بَلَدٍ فيُريدُ الوَليُّ نَقْلَه إلى بَلَدٍ آخَرَ فيُقرِضُه الوَليُّ رَجُلًا في ذلك البَلَدِ لِيَقتَضيَه بَدَلَه في بَلَدِه، يَقصِدُ الوَليُّ به حِفظَه مِنَ المُخاطَرةِ في نَقْلِه، أو يَخافُ عليه الهَلاكَ مِنْ نَهبٍ أو غَرَقٍ أو غَيرِهما، أو يَكونُ المالُ مما يَتلَفُ بتَطاوُلِ مُدَّتِه، أو يَكونُ حَديثُه خَيرًا مِنْ قَديمِه، كالحِنطةِ ونَحوِها، فيُقرِضُه الوَليُّ؛ خَوفًا مِنَ السُّوسِ، أو خَوفًا مِنْ أنْ تَنقُصَ قيمَتُه، ولِأشباهِ ذلك.
وإنْ لَم يَكُنْ في قَرضِه حَظٌّ لَم يَجُزْ لِوَليِّه قَرضُه؛ لأنَّه يُشبِهُ التَّبرُّعَ.
وإنْ أرادَ الوَليُّ أنْ يُودِعَ مالَ الصَّغيرِ أو المَجنونِ فقَرْضُه لِثِقةٍ أوْلَى مِنْ إيداعِه؛ لأنَّه أحفَظُ له، وإنْ أودَعَه الوَليُّ مع إمكانِ قَرضِه جازَ له ذلك ولا ضَمانَ على الوَليِّ إنْ تلِف؛ لِعَدَمِ تَفريطِه.
وكلُّ مَوضِعٍ قُلْنا فيه: لِلوَليِّ قَرضُه، بأنْ رأى فيه المَصلَحةَ لا يَجوزُ قَرضُه إلا لِمَليءٍ أمينٍ؛ لِئَلَّا يُعرِّضَه لِلتَّلَفِ، وكذا بَيعُه نَساءً.
ولا يُقرِضُه الوَليُّ لِمَودَّةٍ ومُكافأةٍ نَصًّا؛ لأنَّه لا حَظَّ لِلمَولَى عليه في ذلك، ولا يَقتَرِضُ وَصيٌّ ولا حاكِمٌ منه شَيئًا لِنَفْسِه، كما لا يَشتَري مِنْ نَفْسِه ولا يَبيعُ لَها؛ لِلتُّهمةِ، وظاهِرُه أنَّ الأبَ له ذلك؛ لِعَدَمِ التُّهمةِ.
ولِلوَليِّ هِبَتُه بعِوَضٍ قَدْرِ قيمَتِه فأكثَرَ، أمَّا بدُونِها فمُحاباةٌ على قياسِ ما سَبَقَ.
ولِلوَليِّ رَهنُه عندَ ثِقةٍ لِحاجةٍ، ولِلأبِ أنْ يَرتَهِنَ مالَهما لِنَفْسِه، ولا يَجوزُ ذلك لِوَليٍّ غَيرِه.
ولِوَليِّهما -أي: الصَّغيرِ والمَجنونِ- سَواءٌ كان أبًا أو غَيرَه شِراءُ العَقارِ لَهما مِنْ مالِهما لِيُستَغَلَّ مع بَقاءِ الأصلِ لَهما.
وله أيضًا بِناؤُه لَهما بما جَرَتْ عادةُ أهلِ بَلَدِه به.
وإنْ كان شِراءُ العَقارِ أحَظَّ مِنَ البِناءِ، وهو مُمكِنٌ، تَعيَّنَ تَقديمُه على البِناءِ؛ لِكَونِه أحَظَّ.
ولِلوَليِّ شِراءُ الأُضحيَّةِ لِيَتيمٍ له مالٌ كَثيرٌ مِنْ مالِ اليَتيمِ؛ لأنَّه يَومُ سُرورٍ وفَرَحٍ؛ لِيَحصُلَ بذلك جَبْرُ قَلبِه، إلحاقًا بمَن له أبٌ، كالثِّيابِ الحَسنةِ، مع استِحبابِ التَّوسِعةِ في هذا اليَومِ.
وتَحرُمُ صَدَقةُ الوَليِّ بشَيءٍ مِنَ الأُضحيَّةِ.
ومتى كان خَلطُ قُوتِ اليَتيمِ بقُوتِ وَليِّه أرفَقَ به وألْيَنَ لِعَيشِه في الخُبزِ، وأمْكَنَ في حُصولِ الأُدُمِ فهو أوْلى؛ طَلَبًا لِلرِّفقِ، قال اللهُ ﷾: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠].
وإنْ كان إفرادُ اليَتيمِ أرفَقَ به أفرَدَه الوَليُّ؛ مُراعاةً لِلمَصلَحةِ.
ويَجوزُ لِلوَليِّ تَركُ اليَتيمِ في المَكتَبِ لِيَتعلَّمَ ما يَنفَعُه، وله أيضًا تَعليمُه الخَطَّ والرِّمايةَ والأدَبَ وما يَنفَعُه، وله أداءُ الأُجرةِ عنه مِنْ مالِه؛ لأنَّ ذلك مِنْ مَصالِحِه، فأشبَهَ ثَمَنَ مَأكولِه.
وله أنْ يُسلِّمَه في صِناعةٍ إذا كانتْ مَصلَحةً، وله أيضًا مُداواتُه لِمَصلَحةٍ، وحَملُه لِيَشهَدَ الجَماعةَ بأُجرةٍ فيهما، أي: في المُداواةِ والحَملِ بلا إذْنِ حاكِمٍ إذا رأى الوَليُّ المَصلَحةَ في ذلك كلِّه.
ولِلوَليِّ بَيعُ عَقارِ الصَّغيرِ والمَجنونِ لِمَصلَحةٍ، ولو لَم يَحصُلْ زيادةٌ على ثَمَنِ مِثلِه، وأنواعُ المَصلَحةِ كَثيرةٌ، إمَّا لِاحتياجِ الصَّغيرِ والمَجنونِ إلى نَفَقةٍ، أو كِسوةٍ أو قَضاءِ دَينٍ عليهما، أو ما لا بُدَّ منه لِلصَّغيرِ والمَجنونِ، وليس له ما تَندَفِعُ به حاجَتُه، أو أنْ يَخافَ على العَقارِ الهَلاكَ بغَرَقٍ أو خَرابٍ ونَحوِهما، أو يَكونَ في بَيعِ العَقارِ غِبطةٌ، وهي أنْ يَبذُلَ فيه زيادةً كَثيرةً على ثَمَنِ مِثلِه ولا يَتقيَّدَ بالثُّلُثِ، أو يَكونَ العَقارُ في مَكانٍ لا يُنتفَعُ به؛ لِكَونِه لا غَلَّةَ فيه؛ لِخَرابِ مَحَلَّتِه مَثَلًا، أو كانَ نَفعُه قَليلًا، فيَبيعَه ويَشتَريَ له
عَقارًا في مَكانٍ يَكثُرُ نَفعُه، أو أنْ يرى الوَليُّ شَيئًا يُباعُ -في شِرائِه غِبطةٌ- ولا يُمكِنَه شِراؤُه إلا ببَيعِ عَقارِه.
وقد تَكونُ دارُه في مَكانٍ يَتضرَّرُ الغُلامُ بالمُقامِ فيه؛ لِسُوءِ الجِوارِ أو غَيرِه، فيَبيعُها ويَشتَري له بثَمَنِها دارًا يَصلُحُ له المُقامُ بها، وأشباهُ هذا لا تَنحَصِرُ، فالمُعتَبَرُ أنْ يَراه مَصلَحةً.
وحاصِلُه أنَّه لا يُباعُ إلا بثَمَنِ المِثلِ، فلو نَقَصَ منه لَم يَصحَّ، وقيل: إذا باعَ الوَليُّ بدُونِ القيمةِ صَحَّ البَيعُ على المَذهبِ ويَضمَنُ النَّقصَ كالوَكيلِ.
ولِلوَليِّ أنْ يأذَنَ لِلصَّغيرةِ أنْ تَلعَبَ بألعابٍ غيرِ مُصوَّرةٍ، أي: بلا رَأْسٍ، وله شِراؤُها لِمَحجورَتِه مِنْ مالِها نَصًّا؛ لأنَّه لا مَحظورَ فيه، بل فيه مَصلَحةُ التَّمرُّنِ على ما يُطلَبُ منها.
وشِراؤُه إيَّاها مِنْ مالِه أوْلَى؛ لِيُوفِّرَ لها مالَها، وتَقدَّم في سَترِ العَورةِ بَعضُه، ولِوَليِّها أيضًا تَجهيزُها إذا زَوَّجَها بما يَليقُ بها مِنْ ثيابٍ وحُلِيٍّ وفَرشٍ على العادةِ؛ لأنَّه مِنْ مَصالِحِها.
وإنْ لَم يُمكِنِ الوَليَّ تَخليصُ حَقِّ مُولِّيه مِنْ دَينٍ أو عَينٍ إلا برَفْعِه إلى والٍ يَظلِمُه فله رَفعُه، أي: مَنْ عليه الحَقُّ، لأنَّه هو الذي جَرَّ الظُّلمَ إلى نَفْسِه، كما لو لَم يُمكِنْ رَدُّ المَغصوبِ إلا بكُلفةٍ عَظيمةٍ، فإنَّ لِلمالِكِ تَكليفَ الغاصِبِ ذلك، والمُؤنةُ على الغاصِبِ؛ لأنَّه المُتسبِّبُ فيُؤخَذُ منه أنَّ الإنسانَ إنْ لَم يُمكِنْه أخْذُ حَقِّه إلا برَفعِ مَنْ هو عليه لِوالٍ يَظلِمُه جازَ له رَفعُه.
ولِلوَليِّ المُحتاجِ -غَيرِ الحاكِمِ وأمينِه- أنْ يأكُلَ مِنْ مالِ المُوَلَّى عليه الأقَلَّ مِنْ أُجرةِ مِثلِه، أو قَدْرَ كِفايَتِه، ولو لَم يُقدِّرْه حاكِمٌ ولا يَلزَمْه عِوَضُه إذا أيسَرَ، وإنْ كان غَنيًّا لَم يَجُزْ له ذلك، إذا لَم يَكُنْ أبًا، فإنْ فَرَضَ لِلوَليِّ الحاكِمُ شَيئًا جازَ له أخْذُه مَجَّانًا، ولو مع غِناه، ولا يَقرَأُ في مُصحَفِ اليَتيمِ إنْ كان يُخلِقُه.
ويَأكُلُ ناظِرُ وَقفٍ بمَعروفٍ نَصًّا، إذا لَم يَشتَرِطِ الواقِفُ له شَيئًا، ولو لَم يَكُنْ مُحتاجًا.
والوَكيلُ في الصَّدَقةِ لا يَأكُلُ منها شَيئًا لِأجْلِ العَمَلِ.
ومتى زال الحَجْرُ عن الصَّغيرِ أو المَجنونِ أو السَّفيهِ فادَّعى أحَدُهم على الوَليِّ تَعدِّيًا في مالِه، أو ادَّعى ما يُوجِبُ ضَمانًا -مِنْ نَحوِ تَفريطٍ أو مُحاباةٍ أو تَبرُّعٍ ونَحوِها- بلا بَيِّنةٍ فقَولُ الوَليِّ؛ لأنَّه أمينٌ كالمُودَعِ، حتى في قَدْرِ نَفَقةٍ عليه وقَدْرِ كِسوةٍ أو قَدْرِ نَفَقةٍ وكِسوةٍ على مالِ المَحجورِ مِنْ رَقيقٍ وبَهائِمَ، وكذا يُقبَلُ قَولُه في قَدْرِ النَّفَقةِ على مَنْ تَلزَمُه نَفَقتُه مِنْ زَوجةٍ وقَريبٍ، أو قَدْرِ نَفَقةٍ على عَقارِه إنْ أنفَقَ عليه في عِمارةٍ بالمَعروفِ مِنْ مالِ الوَليِّ لِيَرجِعَ على المَحجورِ عليه، وظاهِرُه لا تُقبَلُ دَعواه اقتِراضًا عليه؛ لأنَّه خِلافُ الظاهِرِ.
ما لَم يُعلَمْ كَذِبُه -أي: الوَليِّ، بأنْ كَذَّبَ الحِسُّ دَعواه، أو تُخالِفُه العادةُ والعُرفُ- لا يُقبَلْ قَولُه؛ لِمُخالَفَتِه الظاهِرَ.
ارجع إلى الأسباب الموجبة للحجر للاطلاع على جميع المسائل.