تصرف الولي في مال محجوره

الإسلام > المعاملات المالية > الأسباب الموجبة للحجر > تصرف الولي في مال محجوره

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

تصرف الولي في مال محجوره - الأقوال والأدلة

وإذا لَم يُوجَدْ أحَدٌ مِنَ الأولياءِ المَذكورينَ فعلى المُسلِمينَ النَّظَرُ في حالِ مَحجورِهم وتَولِّي حِفظِ مالِه.

ولا تَلي الأُمُّ في الأصَحِّ كوِلايةِ النِّكاحِ.

وفي الرَّأيِ الآخَرِ: تَلي بعدَ الأبِ والجَدِّ، وتُقدَّمُ على وَصيِّهما لِكَمالِ شَفَقَتِها.

وكذا لا وِلايةَ لِسائِرِ العَصَباتِ، كالأخِ والعَمِّ، نَعَمْ لهم الإنفاقُ مِنْ مالِ الطِّفلِ في تأديبِه وتَعليمِه، وإنْ لَم يَكُنْ لهم عليه وِلايةٌ؛ لأنَّه قَليلٌ، فسُومِحَ به، ومِثلُه المَجنونُ والسَّفيهُ.

تَصرُّفُ الوَليِّ في مالِ مَحجورِه:

يَجِبُ على الوَليِّ أنْ يَتصرَّفَ له بالمَصلَحةِ؛ لقَولِ اللهِ : ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، وقَولِه : ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، فيَكسوه كِسوةً تَليقُ به مِنْ يَسارِه وإعسارِه، ويَصرِفُ أُجرةَ مُعلِّمِه القُرآنَ الذي يُؤدِّي به فَرائِضَ الصَّلاةِ، ولو عَلَّمَه جَميعَ القُرآنِ أو حِرْفةً، ففي الأُجرةِ وَجهانِ: أصَحُّهما: في مالِ الصَّبيِّ؛ لِما فيه مِنْ مَصلَحَتِه، كأُجرةِ الحَلَّاقِ والحَجَّامِ والطَّبيبِ.

وإذا كان يَخرِقُ الكِسوةَ هَدَّدَه، فإنْ لَم يَرتَدِعِ اقتَصَرَ في البَيتِ على إزارٍ، وإذا خرَج كَساه وجَعَل عليه رَقيبًا.

والتَّصرُّفُ الذي لا خَيرَ فيه ولا شَرَّ مَمنوعٌ منه؛ إذ لا مَصلَحةَ فيه.

ويَجبُ على الوَليِّ حِفظُ مالِ الصَّبيِّ عن أسبابِ التَّلَفِ واستِنْماؤُه قَدْرَ ما تَأكُلُه المُؤَنُ مِنْ نَفَقةٍ وغَيرِها، إنْ أمكَنَ، ولا تَلزَمُه المُبالَغةُ.

ولو خافَ الوَليُّ استِيلاءَ ظالِمٍ على مالِ اليَتيمِ فله بَذْلُ بَعضِهِ؛ لِتَخليصِه وُجوبًا، ويُستَأنَسُ له بخَرقِ السَّيِّدِ الخَضِرِ السَّفينةَ.

وإذا كان لِلصَّبيِّ أو السَّفيهِ كَسبٌ، أي: يَليقُ به، أجبَرَه الوَليُّ على الاكتِسابِ لِيَرتَفِقَ به في ذلك.

ونُدِبَ أنْ يَشتَريَ له العَقارَ، بل هو أوْلى مِنَ التِّجارةِ إذا حَصَلَ مِنْ رِيعِه الكِفايةُ، هذا إنْ لَم يَخَفْ جَوْرًا مِنْ سُلطانٍ أو غَيرِه أو خَرابًا لِلعقارِ، ولَم يَجِدْ به ثِقْلَ خَراجٍ، فإنْ كان لا يَحصُلُ مِنْ رِيعِه قَدْرَ الكِفايةِ فالتِّجارةُ أوْلَى عندَ إمكانِها، وشَرطٌ فيمَن يَشتَري منه العَقارَ أنْ يَكونَ ثِقةً؛ لِيُؤمَنَ منه بَيعُ ما لا يَملِكُه، وكذا يَنبَغي في غيرِ العَقارِ مما يُخشَى عاقِبَتُه.

ولا يَشتَري عَقارًا نَفيسًا لا يُحتَفَلُ بمَغلِه بالنِّسبةِ إلى ثَمَنِه كدارٍ عَظيمةٍ لا يَحتاجُ إليها الصَّبيُّ ولا يُوجَدُ لها مُكتَرٍ.

وله أنْ يُسافِرَ بمالِ الصَّبيِّ والمَجنونِ وَقتَ الأمْنِ والتَّسفيرِ به مع ثِقةٍ، ولو بلا ضَرورةٍ مِنْ نَحوِ حَريقٍ أو نَهبٍ؛ لأنَّ المَصلَحةَ قد تَقتَضي ذلك، لا في نَحوِ بَحرٍ، وإنْ غَلَبتِ السَّلامةُ؛ لأنَّه مَظِنَّةُ عَدَمِها.

ويَبني دُورَه ومَساكِنَه بالطِّينِ والآجُرِّ، أي: الطُّوبِ المَحروقِ؛ لأنَّ الطِّينَ قَليلُ المُؤنةِ، ويُنتَفَعُ به بعدَ النَّقضِ، والآجُرَّ يَبقَى.

لا باللَّبِنِ، أي: الطُّوبِ الذي لَم يُحرَقْ، أو الجِصِّ، أي: الجِبسِ؛ لأنَّ

اللَّبِنَ قَليلُ البَقاءِ ويَتكسَّرُ عندَ النَّقضِ، والجِبسَ كَثيرُ المُؤَنِ ولا تَبقى مَنفَعتُه عندَ النَّقضِ، بل يُلصَقُ بالطُّوبِ فيُفسِدُه.

وهذا في البِلادِ التي يَعِزُّ فيها وُجودُ الحِجارةِ؛ فإنْ كان في بَلَدٍ تُوجَدُ فيه الحِجارةُ كانتْ أوْلَى مِنَ الآجُرِّ؛ لأنَّها أكثَرُ بَقاءً وأقَلُّ مُؤنةً.

والمَجنونُ والسَّفيهُ؛ كالصَّبيِّ فيما ذُكِرَ.

وما ذُكِرَ مِنَ اقتِصارِ البِناءِ بالطِّينِ والآجُرِّ نَصَّ عليه الشافِعيُّ وجَرى عليه الجُمهورُ.

واختارَ كَثيرٌ مِنَ الأصحابِ جَوازَ البِناءِ على عادةِ البَلَدِ كيف كان، واختارَه الرُّويانيُّ واستَحسَنَه الشاشيُّ والشِّربينيُّ، وقال: والقَلبُ إليه أمْيَلُ.

ولا يَشتَري له ما يُسرِعُ فَسادُه وإنْ كانَ مُربِحًا.

ولا يَبيعُ عَقارَه؛ لأنَّ العَقارَ أسلَمُ وأنفَعُ ممَّا عَداه إلا لِحاجةٍ، كنَفَقةٍ وكِسوةٍ، بأنَّه لَم تَفِ غَلَّةُ العَقارِ بهما، ولَم يَجِدْ مَنْ يُقرِضُه، أو لَم يَرَ المَصلَحةَ في الاقتِراضِ، أو خافَ خَرابَه.

وكذا لو كان اليَتيمُ ببَلَدٍ وعَقارُه في آخَرَ ويَحتاجُ إلى مُؤنةٍ في تَوجيهِ مَنْ يَجمَعُ الغَلةَ فيَبيعُه ويَشتَري ببَلَدِ اليَتيمِ أو يَبني فيه مِثلَه.

وكالعَقارِ فيما ذُكِرَ آنيةُ القِنيةِ مِنْ نُحاسٍ وغَيرِه، وكذا ما عَداها لا يُباعُ أيضًا إلا لِغِبطةٍ أو حاجةٍ، لكنْ يَجوزُ لِحاجةٍ يَسيرةٍ ورِبحٍ قَليلٍ لَائِقٍ بخِلافِهما.

ويَجوزُ بَيعُ أموالِ التِّجارةِ مِنْ غيرِ تَقييدٍ بشَيءٍ، بل لو رأى البَيعَ بأقَلَّ مِنْ رَأْسِ المالِ لِيَشتَري بالثَّمَنِ ما هو مَظِنَّةٌ لِلرِّبحِ جازَ.

ولو طلَب مالَه بأكثَرَ مِنْ ثَمَنِ مِثلِه وجَب بَيعُه، إنْ لَم يَحتَجْ إليه، ولَم يَكُنْ عَقارًا يَحصُلُ له منه كِفايَتُه.

ولو تَرَكَ الوَليُّ عِمارةَ عَقارٍ مَحجورِه حتى خَرِبَ -مع القُدرةِ- أثِمَ، وهل يَضمَنُ؟ وَجهانِ، أوجَهُهما عَدَمُ الضَّمانِ.

ولو امتَنَع مِنْ بَيعِ مالِه لِتَوقُّعِ زِيادةٍ فتلِف المالُ فلا ضَمانَ.

ولا يَجوزُ لِغَيرِ القاضي مِنَ الأولياءِ أنْ يُقرِضَ مِنْ مالِ الصَّبيِّ والمَجنونِ شَيئًا إلا لِضَرورةٍ، كحَريقٍ أو نَهبٍ أو أنْ يُريدَ سَفَرًا يُخافُ عليه فيه، أمَّا القاضي فله ذلك مُطلَقًا؛ لِكَثرةِ أشغالِه، ولا يُقرِضُه إلا لِمَليءٍ أمينٍ، ويأخُذُ رَهنًا إنْ رأى في ذلك مَصلَحةً، وإلا تَرَكَه ولا يُودِعُه أمينًا إلا عندَ عَدَمِ التَّمكُّنِ مِنْ إقراضِه.

وله بَيعُ مالِه بعَرضٍ ونَسيئةٍ لِلمَصلَحةِ التي يَراها فيهما، كأنْ يَكونَ في الأوَّلِ رِبحٌ، وفي الآخَرِ زيادةٌ لَائِقةٌ، أو خافَ عليه مِنْ نَهبٍ أو إغارةٍ، وإذا باعَ نَسيئةً أشهَدَ على البَيعِ وُجوبًا، وارتَهَن به -أي: بالثَّمَنِ رَهنًا وافيًا به، ويُشترَطُ أنْ يَكونَ المُشتَري مُوسِرًا ثِقةً، والأجَلُ قَصيرًا عُرفًا؛ احتياطًا لِلمَحجورِ عليه، فإذا لَم يَفعَلْ ذلك ضمِن وبَطَل البَيعُ على الأصَحِّ، ولا يُجزِئُ فيه الكَفيلُ عن الارتِهانِ، نَعَمْ لا يَلزَمُ الأبَ والجَدَّ الارتِهانُ مِنْ نَفْسَيْهما له، والدَّينُ عليهما بأنْ باعا مالَه لِنَفْسَيْهما نَسيئةً؛ لأنَّهما أمينان في حَقِّه، ويَحكُمُ القاضي بصِحَّةِ بَيعِهما مالَ وَلَدِهما إذا رَفَعاه إليه، وإنْ لَم يُثبِتا أنَّ بَيعَهما وَقَع بالمَصلَحةِ؛ لأنَّهما غيرُ مُتَّهَميْنِ في حَقِّ وَلَدِهما.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · كتاب البيوع
باب تصرف الوصي في مال موليه

باب تصرف الوصي في مال موليه

مسألة:

قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَأُحِبُّ أَنْ يَتَّجِرَ الْوَصِيُّ بِأَمْوَالِ مَنْ يَلِي وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ قَدِ اتَّجَرَ عُمَرُ بِمَالِ يَتِيمٍ وَأَبْضَعَتْ عَائِشَةُ بِأَمْوَالِ بَنِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فِي الْبَحْرِ وَهُمْ أَيْتَامٌ تَلِيهِمْ " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ.

يَجُوزُ لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ أَنْ يَتَّجِرَ لَهُ بِمَالِهِ عَلَى الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فِيهِ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ.

وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى: لَا يَجُوزُ لِوَلِيِّهِ أَنْ يَتَّجِرَ بِمَالِهِ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ} الأنعام: ١٥٢ فَكَانَ النَّهْيُ عُمُومًا وَالِاسْتِثْنَاءُ بِالْأَحْسَنِ فِي حِفْظِهِ خُصُوصًا.

وَلِأَنَّ التِّجَارَةَ بِالْمَالِ خَطَرٌ وَطَلَبُ الرِّبْحِ بِهِ مُتَوَهَّمٌ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَعَجَّلَ خَطَرًا مُتَيَقَّنًا لِأَجْلِ رِبْحٍ مُتَوَهَّمٍ.

وَلِأَنَّ الْوَلِيَّ مَنْدُوبٌ لِحِفْظِ مَالِهِ كَالْمُودِعِ الْمَنْدُوبِ لِحِفْظِ مَا أَوْدَعَ، فَلَمَّا لَمْ يَجُزْ لِلْمُودِعِ أَنْ يَتَّجِرَ بِالْوَدِيعَةِ طَلَبًا لِرِبْحٍ يَعُودُ عَلَى مَالِكِهَا فَلَمْ يَجُزْ لِلْوَلِيِّ أَنْ يَتَّجِرَ بِمَالِ الْيَتِيمِ طَلَبًا لِرِبْحٍ يَعُودُ عَلَيْهِ.

وَهَذَا خَطَأٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ} البقرة: ٢٨٢ .

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 446 - 449

ارجع إلى الأسباب الموجبة للحجر للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر