تصرفات الصبي قبل البلوغ

الإسلام > المعاملات المالية > الأسباب الموجبة للحجر > تصرفات الصبي قبل البلوغ

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 15 دقيقة قراءة

تصرفات الصبي قبل البلوغ - الأقوال والأدلة

ويُشترَطُ تَكرُّرُ الاختِبارِ مَرَّتَيْنِ أو أكثَرَ بحيث يَغلِبُ على الظَّنِّ رُشدُه، فلا يَكفي مَرَّةٌ؛ لأنَّه قد يُصيبُ فيها، اتِّفاقًا (١).

وقال الحَنابِلةُ: وإنَّما يُعرَفُ رُشدُه باختِبارِه؛ لقَولِ اللهِ : ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ [النساء: ٦]، يَعني اختَبِروهم، كقَولِه : ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [هود: ٧]، أي: يَختبِرَكم.

واختِبارُه بتَفويضِ التَّصرُّفاتِ التي يَتصرَّفُ فيها أمثالُه، فإنْ كان مِنْ أولادِ التُّجَّارِ فَوَّضَ إليه البَيعَ والشِّراءَ، فإذا تَكرَّرتْ منه ولَم يُغبَنْ ولَم يُضيِّعْ ما في يَدَيْه فهو رَشيدٌ.

وإنْ كان مِنْ أولادِ الدَّهاقينِ والكُبَراءِ الذين يُصانُ أمثالُهم عن الأسواقِ رُفِعتْ إليه نَفَقةٌ مُدَّةً لِيُنفِقَها في مَصالِحِه، فإنْ كان قَيِّمًا بذلك يَصرِفُها في مَواقِعِها ويَستَوفي على وَكيلِه ويَستَقصي عليه فهو رَشيدٌ.

والمَرأةُ يُفوَّضُ إليها ما يُفوَّضُ إلى رَبَّةِ البَيتِ مِنَ استِئجارِ الغَزَّالاتِ وتَوكيلِها في شِراءِ الكَتَّانِ وأشباهِ ذلك، فإنْ وُجِدتْ ضابِطةً لِما في يَدَيْها مُستَوفيةً مِنْ وَكيلِها فهي رَشيدةٌ (٢).

تَصرُّفاتُ الصَّبيِّ قبلَ البُلوغِ:

لا خِلافَ بينَ الفُقهاءِ على بُطلانِ تِصرُّفاتِ الصَّبيِّ غيرِ المُميِّزِ مِنْ بَيعٍ وشِراءٍ وغَيرِ ذلك؛ لأنَّ عِبارَتَه مُلغاةٌ لا اعتِدادَ بها شَرعًا، فلا تَصحُّ بها عِبادةٌ

(١) «روضة الطالبين» (٣/ ٣٨٤، ٣٨٥)، و «مغني المحتاج» (٣/ ١١٤، ١١٥)، و «نهاية المحتاج» (٤/ ٤١٦، ٤١٨)، و «النجم الوهاج» (٤/ ٤٠٧، ٤٠٩).
(٢) «المغني» (٤/ ٣٠٢).

ولا تَجِبُ بها عُقوبةٌ ولا يَنعقِدُ معها بَيعٌ أو شِراءٌ، ويَستمِرُّ هكذا حتى يَبلُغَ سِنَّ التَّمييزِ.

ثم اختَلَفوا في تَصرُّفاتِ الصَّبيِّ المُميِّزِ قبلَ البُلوغِ، هل تَصحُّ منه أم لا؟

فقالوا: التَّصرُّفاتُ الضَّارةُ بالصَّبيِّ كَتَبرُّعِه بمالِه وإقراضِه لا تَصحُّ مُطلَقًا، سَواءٌ أذِنَ الوَليُّ أو لا.

والتَّصرُّفاتُ النافِعةُ كقَبولِه الهِبةَ تَصحُّ منه، وإنْ لَم يأذَنِ الوَلِيُّ.

وأمَّا التَّصرُّفاتُ الدائِرةُ بينَ النَّفعِ والضَّررِ كالبَيعِ والشِّراءِ فاختَلَفوا فيها: فقال الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ: تَصحُّ منه، وتَتوقَّفُ على إذْنِ الوَليِّ، فإنْ أذِنَ مَضَتْ، وإلا فلا، وقال الحَنابِلةُ في المَذهبِ: لا تَصحُّ منه إلا بإذْنِ الوَليِّ، فإنْ أذِنَ صَحَّ.

وقال الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في قَولٍ: لا تَصحُّ تَصرُّفاتُ الصَّبيِّ مُطلَقًا، سَواءٌ أذِنَ الوَليُّ أو لَم يأْذَنْ.

واتَّفَقوا على أنَّه إذا أتلَفَ شَيئًا ضمِنه، وهذا في الجُملةِ، وتَفصيلُه على ما يَلي:

قال الحَنفيَّةُ: الصَّبيُّ إمَّا أنْ يَتصرَّفَ تَصرُّفًا فيه ضَرَرٌ بَيِّنٌ؛ كالطَّلاقِ والعِتاقِ وتَبرُّعِه بشَيءٍ مِنْ مالِه وإقراضِه، فهذا لا يَصحُّ منه، ولا يَنفُذُ، وإنْ أذِنَ فيه الوَليُّ، وإمَّا أنْ يَتصرَّفَ تَصرُّفًا نافِعًا، كقَبولِ الهِبةِ والصَّدَقةِ، فهذا يَصحُّ منه ويَنفُذُ، وإنْ لَم يَأْذَنْ فيه الوَليُّ.

وإمَّا أنْ يَتصرَّفَ تَصرُّفًا دائِرًا بينَ النَّفعِ والضَّرَرِ كالبَيعِ والشِّراءِ، فهذا

يَتوقَّفُ على إذْنِ الوَليِّ؛ لاحتِمالِ كَونِ الصَّفقةِ رابِحةً أو خاسِرةً، فلا يُنافي أنَّه قد تَكونُ الصَّفقةُ بَيِّنةَ الرِّبحِ، فتَكونُ مِنَ القِسمِ الثاني؛ لأنَّ البَيعَ والشِّراءَ في ذاتِه مُحتَمِلٌ للأمرَيْنِ، وهذا القِسمُ يَنعقِدُ مَوقوفًا على إجازةِ الوَليِّ، وليس لِلوَليِّ أنْ يُجيزَه إذا كان فيه غَبنٌ فاحِشٌ، كما سيأتي على التَّفصيلِ الآتي، قالوا:

لا يَجوزُ تَصرُّفُ الصَّبيِّ الذي يَعقِلُ إلا بإذْنِ وَليِّه؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّ الوَليَّ ما أجازَ ذلك إلا لِمَصلَحةٍ راجِحةٍ نَظَرًا له، وإلا لَما أجازَ.

أمَّا الصَّبيُّ غيرُ العاقِلِ فلا يَجوزُ، ولو أذِنُ له وَليُّه؛ لِعَدَمِ الأهليَّةِ.

وتَفسيرُ العاقِلِ هو: أنْ يَعلَمَ أنَّ المَبيعَ سالِبٌ، والشِّراءَ جالِبٌ، ويَعلَمَ أنَّه لا يَجتَمِعُ الثَّمَنُ والمُثمَّنُ في مِلكٍ واحِدٍ، ومِن عَلامةِ كَونِه غيرَ عاقِلٍ إذا أعطَى الحَلوانيَّ فُلوسًا فأخَذَ الحَلوى وجَعَل يَبكي ويَقولُ: «أعطِني فُلوسي»، فهذا عَلامةُ كَونِه غيرَ عاقِلٍ، وإنْ أخَذَ الحَلوى وذهَب ولَم يَستَرِدَّ الفُلوسَ فهو عاقِلٌ.

والمُرادُ مِنْ عَدَمِ الجَوازِ عَدَمُ النَّفاذِ إلا بإذْنِ وَليِّه، لا عَدَمُ الانعِقادِ.

وإذا باعَ شَيئًا أو اشتَراه وهو يَعقِلُ العَقدَ ويَقصِدُه -أي: ليس هازِلًا ولا خاطئًا، فإنَّ بَيعَ الهازِلِ لا يَصحُّ وإنْ أجازَهُ الوَليُّ- فالوَليُّ بالخيارِ، إنْ شاءَ فَسَخَه، وإنْ شاءَ أجازَه، إذا كان فيه مَصلَحةٌ، ولَم يَكُنِ الغَبنُ فاحِشًا، فإنَّ الغَبنَ الفاحِشَ لا يَجوزُ، وإنْ أجازَه الوَليُّ، بخِلافِ الغَبنِ اليَسيرِ.

والصَّبيُّ الذي لا يَعقِلُ والمَأذونُ الذي لا يَعقِلُ البَيعَ والشِّراءَ مَحجورٌ

عليهما في الأقوالِ دونَ الأفعالِ؛ لأنَّ الأفعالَ لا مَرَدَّ لها؛ لِوُجودِها حِسًّا ومُشاهَدةً، بخِلافِ الأقوالِ؛ لأنَّ اعتبارَها بالشَّرعِ والقَصدِ مِنْ شَرطِه، إلا إذا كان فِعلًا يَتعلَّقُ به حُكمٌ يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ -كالحُدودِ والقِصاصِ- فيُجعَلُ عَدَمُ القَصدِ في ذلك شُبهةً في حَقِّ الصَّبيِّ والمَجنونِ، وإنَّما لَم تُوجِبْ هذه المَعاني الحَجْرَ في الأفعالِ لأنَّ الأفعالَ تَصحُّ منهم، كما تَصحُّ مِنْ غَيرِهم.

أمَّا إذا كان الصَّبيُّ المَأْذونُ يَعقِلُ البَيعَ والشِّراءَ فإنَّه يُؤاخَذُ بأقوالِه في الأموالِ، كما يُؤاخَذُ في الأفعالِ، حتى لو أقَرَّ بأنَّ لِفُلانٍ عليه مِئةَ دِرهَمٍ لَزِمَه.

والصَّبيُّ الذي لا يَعقِلُ غيرُ المَأذونِ له والمَجنونُ لا تَصحُّ منهما عُقودُهما ولا إقرارُهما، لا بمالٍ ولا بحَدٍّ مِنَ الحُدودِ؛ لأنَّه لا قَولَ لَهما؛ لأنَّ اعتبارَ الأقوالِ في الشَّرعِ مَنوطٌ بالأهليَّةِ، وهي مَعدومةٌ فيهما، ولِرُجحانِ جانِبِ الضَّرَرِ نَظَرًا إلى سَفَهِهما وقِلَّةِ مُبالاتِهما وعَدَمِ قَصدِهما المَصالِحَ.

أمَّا النَّفعُ المَحضُ فيَصحُّ منهما مُباشَرتُه، مِثلَ قَبولِ الهِبةِ والصَّدَقةِ، وكذا إذا آجَرَ الصَّبيُّ نَفْسَه ومَضى على ذلك العَمَلُ وَجَبتِ الأُجرةُ.

وتَصحُّ عِبارةُ الصَّبيِّ في مالِ غَيرِه وطَلاقِ غَيرِه وعِتاقِ غَيرِه إذا كان وَكيلًا.

ولا يَقَعُ طَلاقُهما ولا عِتاقُهما؛ لأنَّ الطَّلاقَ والعِتاقَ إسقاطُ حَقٍّ، فلا يَصحُّ مِنَ الصَّبيِّ والمَجنونِ، كالهِبةِ والبَراءةِ، ولا وُقوفَ لِلصَّبيِّ على المَصلَحةِ في الطَّلاقِ بحالٍ؛ لِعَدَمِ الشَّهوةِ، ولا وُقوفَ لِلوَليِّ على عَدَمِ التَّوافُقِ لِاحتِمالِ وُجودِ التَّوافُقِ على اعتِبارِ بُلوغِه حَدَّ الشَّهَوةِ، فلِهذا لا

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب البيوع
فصل في شرائط ركن البيع

صَلُحَتْ هَذِهِ الصِّيغَةُ شَطْرًا فِي النِّكَاحِ صَلُحَتْ شَطْرًا فِي الْبَيْعِ؛ لِأَنَّ الرُّكْنَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هُوَ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ، وَلَنَا أَنَّ قَوْلَهُ: بِعْ أَوْ اشْتَرِ طَلَبُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَطَلَبُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ لَا يَكُونُ إيجَابًا وَقَبُولًا، فَلَمْ يُوجَدْ إلَّا أَحَدُ الشَّطْرَيْنِ فَلَا يَتِمُّ الرُّكْنُ، وَلِهَذَا لَا يَنْعَقِدُ بِلَفْظِ الِاسْتِفْهَامِ لِكَوْنِ الِاسْتِفْهَامِ سُؤَالَ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ لَا إيجَابًا وَقَبُولًا، كَذَا هَذَا وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ فِي النِّكَاحِ إلَّا أَنَّا اسْتَحْسَنَّا فِي النِّكَاحِ بِنَصٍّ خَاصٍّ وَهُوَ مَا رَوَى أَبُو يُوسُفَ أَنَّ «بِلَالًا خَطَبَ إلَى قَوْمٍ مِنْ الْأَنْصَارِ فَأَبَوْا أَنْ يُزَوِّجُوهُ فَقَالَ: لَوْلَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنِي أَنْ أَخْطُبَ إلَيْكُمْ لَمْ أَخْطُبْ فَقَالُوا لَهُ: أَمَلَكْتَ» وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّ بِلَالًا رضي الله عنه قَالَ: قَبِلْتُ فَتَرَكْنَا الْقِيَاسَ هُنَاكَ بِالنَّصِّ، وَلَا نَصَّ فِي الْبَيْعِ، فَوَجَبَ الْعَمَلُ بِالْقِيَاسِ؛ وَلِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ مُسَاوَمَةٌ حَقِيقَةً فَلَا تَكُونُ إيجَابًا وَقَبُولًا حَقِيقَةً، بَلْ هِيَ طَلَبُ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ، فَلَا بُدَّ لِلْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ مِنْ لَفْظٍ؛ آخَرَ يَدُلُّ عَلَيْهِمَا.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 377 - 380

ارجع إلى الأسباب الموجبة للحجر للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 36%
البدر بعد 9 يوم
الله أكبر