الإسلام > المعاملات المالية > الشروط في البيع
مسائلُ فقهيةٌ في الشروط في البيع على المذاهبِ الأربعةِ (الحنفيِّ، والمالكيِّ، والشافعيِّ، والحنبليِّ)، من موسوعةِ الفقهِ الإسلاميِّ.
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 25 دقيقة قراءةباب الشُّروطِ في البَيعِ
الشَّرطُ هُنا: إلزامُ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ الآخَرَ بسَبَبِ العَقدِ ما له فيه مَنفَعةٌ، وقد اختلَف الفُقهاءُ في هذه الشُّروطِ؛ فمنها ما هو صَحيحٌ والبَيعُ صَحيحٌ، ومنها ما هو فاسِدٌ والبَيعُ صَحيحٌ، ومنها ما هو فاسِدٌ والبَيعُ فاسِدٌ، ومِنهم مَنْ أبطَلَ جَميعَ الشُّروطِ، ومِنهم مَنْ أجازَها مُطلَقًا، ومِنهم مَنْ منَعها في مَوضِعٍ، وأجازَها في مَوضِعٍ.
وسَبَبُ هذا كُلِّه هو تَعارُضُ الأحاديثِ في هذا البابِ، فمنها أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى عن بَيعٍ وشَرطٍ.
ومنها: حَديثُ جابرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ رضي الله عنه أنَّه باعَ لِلنَّبيِّ ﷺ جَمَلًا واشتَرطَ ظَهرَه إلى المَدينةِ (١).
ومنها: حَديثُ: «لا يَحِلُّ سَلَفٌ وبَيعٌ، ولا شَرطانِ في بَيعٍ» (٢).
ومنها: حَديثُ عَمرةَ عن عائِشةَ رضي الله عنها أنَّها أتَتْها بَريرةُ تَسألُها في
(١) رواه البخاري (٢٩٦٧)، ومسلم (٧١٥).
(٢) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٣٥٠٣)، والترمذي (١٢٣٤)، والنسائي (٤٦١١)، وابن ماجه (٢١٨٨).
كِتابَتِها، فقالَتْ رضي الله عنها: إنْ شِئتِ أعطَيتُ أهلَكِ ويَكونُ الوَلاءُ لي، فلمَّا جاءَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ ذَكَرتْ ذلك، قالَ النَّبيُّ ﷺ: «ابتاعيها فأعتِقيها؛ فإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعتَقَ»، ثم قامَ رَسولُ اللَّهِ ﷺ على المِنبَرِ فقالَ: ما بالُ أقوامٍ يَشتَرِطونَ شُروطًا ليسَتْ في كِتابِ اللَّهِ، مَنْ اشتَرطَ شَرطًا ليسَ في كِتابِ اللَّهِ فليسَ له، وإنِ اشتَرطَ مِئةَ شَرطٍ» (١).
فاختلَف العُلماءُ لِتَعارُضِ هذه الأحاديثِ في بَيعٍ وشَرطٍ:
فالحَنفيةُ يَمنَعونَ الشَّرطَ مُطلَقًا؛ لِحَديثِ عَمرِو بنِ شُعَيبٍ عن أبيه عن جَدِّه أنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ نهَى عن بَيعٍ وشَرطٍ، والنَّهيُ يَقتَضي فَسادَ المَنهيِّ عنه، فيَدلُّ على فَسادِ كلِّ بَيعٍ مع شَرطٍ، إلَّا ما خُصَّ عن عُمومِ النَّصِّ، ولأنَّ هذه الشُّروطَ يَكونُ بَعضُها فيه مَنفَعةٌ زائِدةٌ تَرجِعُ إلى العاقِدَيْنِ، أو إلى غيرِهما، وزِيادةُ مَنفَعةٍ مَشروطةٍ في عَقدِ البَيعِ تَكونُ رِبًا، والرِّبا حَرامٌ، والبَيعُ الذي فيه رِبًا فاسِدٌ، وبَعضُها فيه غَرَرٌ، ونهَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ عن بَيعٍ فيه غَرَرٌ، والمَنهيُّ عنه فاسِدٌ، وبَعضُها شرَط التَّلَهِّيَ، وهو مَحظورٌ، وبَعضُها يُغيِّرُ مُقتَضى العَقدِ، وهو مَعنَى الفَسادِ؛ إذِ الفَسادُ هو التَّغييرُ (٢).
والمالِكيَّةُ جَمَعوا بينَ هذه الأحاديثِ كُلِّها، فقالوا بمُقتَضاها، كُلٌّ في مَوضِعِه، وتأوَّلوها على وُجوهِها.
(١) رواه البخاري (٢٧٣٥)، ومسلم (١٥٠٤).
(٢) «بدائع الصنائع» (٥/ ١٧٥، ١٧٦).
والشافِعيَّةُ أبطَلوا كُلَّ شَرطٍ ليسَ مِنْ مُقتَضى العَقدِ وما كانَ مِنْ مُقتَضاه أجازوه، كما سَيأْتي.
والحَنابِلةُ أجازوا البَيعَ مع شَرطٍ واحِدٍ، ومَنَعوه مع شَرطَيْنِ، وقَسَّموا الشُّروطَ إلى ثَلاثةِ أقسامٍ، كما سَيأْتي.
قالَ عَبدُ الوارِثِ بنُ سَعيدٍ: قَدِمتُ مَكَّةَ فوَجَدتُ فيها أبا حَنيفةَ وابنَ أبي لَيلَى وابنَ شُبرُمةَ، فقُلتُ لِأبي حَنيفةَ: ما تَقولُ في رَجُلٍ باعَ بَيعًا واشتَرطَ شَيئًا؟ فقالَ: البَيعُ باطِلٌ، والشَّرطُ باطِلٌ.
ثم أتَيتُ ابنَ أبي لَيلَى فسَألتُه، فقالَ: البَيعُ جائِزٌ والشَّرطُ باطِلٌ.
ثم أتَيتُ ابنَ شُبرُمةَ فسَألتُه، فقالَ: البَيعُ جائِزٌ، والشَّرطُ جائِزٌ.
فقُلتُ: سُبحانَ اللَّهِ، ثَلاثةٌ مِنْ فُقهاءِ العِراقِ اختَلَفوا في مَسألةٍ واحِدةٍ.
فأتَيتُ أبا حَنيفةَ فأخبَرتُه فقالَ: لا أدري ما قالا، إنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ نهَى عن بَيعٍ وشَرطٍ.
ثم أتَيتُ ابنَ أبي لَيلَى فأخبَرتُه فقالَ: لا أدري ما قالا، قالَتْ عائِشةُ رضي الله عنها: أمَرَني رَسولُ اللَّهِ ﷺ أنْ أشتَريَ بَريرةَ وأُعتِقَها، وإنِ اشتَرطَ أهلُها الوَلاءَ؛ فإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعتَقَ، البَيعُ جائِزٌ والشَّرطُ باطِلٌ.
ثم أتَيتُ ابنَ شُبرُمةَ فأخبَرتُه، فقالَ: لا أدري ما قالا، قالَ جابِرٌ رضي الله عنه: بِعتُ مِنْ النَّبيِّ ﷺ ناقةً، فشرَط لي حِلابَها وظَهرَها إلى المَدينةِ، البَيعُ جائِزٌ والشَّرطُ جائِزٌ (١).
(١) رواه الطبراني في «الأوسط» (٤٣٦١)، وابن عبد البر في «التمهيد» (٢٢/ ١٨٥)، وقال الهيثمي في «المجمع» (٤/ ٨٥): رواه الطبراني في «الأوسط» وفي طريق عبد الله بن عمرو مقال.
وهذا تَفصيلُ هذه الأقوالِ عندَ فُقهاءِ المَذاهبِ الأربَعةِ:
قالَ الحَنفيَّةُ: نهَى النَّبيُّ ﷺ عن بَيعٍ وشَرطٍ، وهذا على ثَلاثةِ أوْجُهٍ:
١ - في وَجْهٍ: البَيعُ والشَّرطُ كِلاهما جائِزانِ، كأنْ يَكونَ الشَّرطُ ممَّا يَرجِعُ إلى بَيانِ صِفةِ الثَّمنِ أو المَبيعِ؛ فصِفةُ الثَّمنِ أنْ يَبيعَ عَبدَه بألْفٍ على أنَّها نَقدُ بَيتِ المالِ، أو مُؤجَّلًا، وأمَّا صِفةُ المَبيعِ فهو أنْ يَبيعَ جاريةً على أنَّها طَبَّاخةٌ، أو خَبَّازةٌ، أو بِكرٌ، أو ثَيِّبٌ، أو عَبدًا على أنَّه كاتِبٌ؛ لأنَّ هذه شُروطٌ يَقتَضيها العَقدُ.
٢ - وفي وَجْهٍ: كِلاهما فاسِدانِ، كأنْ يَكونَ الشَّرطُ ممَّا لا يَقتَضيه العَقدُ، وفيه مَنفَعةٌ لِأحَدِ المُتعاقدَيْنِ، أو لِلمَعقودِ عليه، وهو مِنْ أهلِ الخُصومةِ، وليسَ لِلنَّاسِ فيه تَعامُلٌ، نَحوَ أنْ يَشتَريَ ثَوبًا بشَرطِ الخِياطةِ، أو حِنطةً بشَرطِ الحَمْلِ إلى مَنزِلِه، أو ثَمَرةً بشَرطِ الجِذاذِ على البائِعِ، أو رُطبةً بشَرطِ الجِذاذِ، فالبَيعُ فاسِدٌ؛ لأنَّ هذا شَرطٌ لا يَقتَضيه العَقدُ، وفيه مَنفَعةٌ لِلمُشتَري.
وكذا إذا كانَ الشَّرطُ فيه مَنفَعةٌ لِلبائِعِ، مثلَ أنْ يَشتَريَ دارًا بشَرطِ أنْ يَسكُنَها البائِعُ شَهرًا، أو أرضًا بشَرطِ أنْ يَزرَعَها البائِعُ سَنةً، أو دابَّةً بشَرطِ أنْ يَركَبَها، أو ثَوبًا بشَرطِ أنْ يَلبَسَه شَهرًا، أو بشَرطِ أنْ يُقرِضَه المُشتَرِي دَراهِمَ،
وكذا إذا كانَ في الشَّرطِ مَنفَعةٌ لِلمَعقودِ عليه، وهو مِنْ أهلِ الخُصومةِ، نَحوَ أنْ يَبيعَ عَبدًا بشَرطِ العِتقِ أو التَّدبيرِ، أو جاريةً بشَرطِ الِاستيلادِ.
٣ - وفي وَجْهٍ: البَيعُ جائِزٌ والشَّرطُ باطِلٌ؛ فهو أنْ يَبيعَ طَعامًا على ألَّا يَأْكُلَه المُشتَرِي، أو الدَّابَّةَ على ألَّا يَبيعَها؛ فالبَيعُ جائِزٌ والشَّرطُ باطِلٌ؛ لأنَّ هذا شَرطٌ لا مَنفَعةَ فيه، ولو شرَط المَضرَّةَ، مثلَ أنْ يَبيعَ ثَوبًا على أنْ يَخرِقَه، أو جاريةً على ألَّا يَطَأَها، أو دارًا على أنْ يَهدِمَها، فعندَ أبي يُوسفَ البَيعُ فاسِدٌ.
وقالَ مُحمَّدٌ: البَيعُ جائِزٌ، والشَّرطُ باطِلٌ، ولو باعَ جاريةً بشَرطِ أنْ يَطَأَها، فالبَيعُ جائِزٌ إجماعًا؛ لأنَّ هذا شَرطٌ يَقتَضيه العَقدُ.
قالَ الخُجَنديُّ: وعن أبي حَنيفةَ أنَّه إذا اشتَراها على أنْ يَطَأَها، أو ألَّا يَطَأَها، فالبَيعُ فاسِدٌ فيهما، وعندَ مُحمَّدٍ جائِزٌ فيهما، وأبو يُوسفَ فرَّق بينَهما، فقالَ: إذا باعَها بشَرطِ الوَطءِ يَجوزُ؛ لأنَّه شَرطٌ يَقتَضيه العَقدُ، وبِشَرطِ ألَّا يَطَأَها فاسِدٌ.
وكذلك لو باعَ عَبدًا على أنْ يَستخدِمَه البائِعُ شَهرًا، أو دارًا على أنْ يَسكُنَها شَهرًا، أو على أنْ يُقرِضَه المُشتَرِي دَراهِمَ، أو على أنْ يُهديَ له هَديَّةً، فالبَيعُ فاسِدٌ؛ لأنَّه شَرطٌ لا يَقتَضيه العَقدُ، وفيه مَنفَعةٌ لِأحَدِ المُتعاقدَيْنِ، ولأنَّه لو كانَتِ الخِدمةُ والسُّكنَى يُقابِلُهما شَيءٌ مِنْ الثَّمنِ، تَكونُ إجارةً في بَيعٍ، ولو كانَ لا يُقابِلُهما شَيءٌ يَكونُ إعارةً في بَيعٍ، وقد نهَى رَسولُ اللَّهِ ﷺ عن صَفقَتَيْنِ في صَفقةٍ، ونهَى عن بَيعٍ وشَرطٍ، وعن
شَرطَيْنِ في بَيعٍ، وعَن بَيعٍ وسَلَفٍ، وعن رِبحِ ما لَم يُضمَنْ، وعن بَيعِ ما لَم يُقبَضْ، وعن بَيعِ ما ليسَ عندَ الإنسانِ (١).
أمَّا بَيعٌ وشَرطٌ فهو أنْ يَبيعَ بشَرطٍ فيه مَنفَعةٌ لِأحَدِ المُتعاقدَيْنِ.
وأمَّا نَهيُه عن شَرطَيْنِ في بَيعٍ؛ فهو أنْ يَبيعَ عَبدًا بألْفٍ إلى سَنةٍ، أو بألْفٍ وخَمسِمِئةٍ إلى سَنَتَيْنِ، ولَم يَثبُتِ العَقدُ على أحَدِهما، أو يَقولَ: على أنْ تُعطِيَني الثَّمنَ حالًّا بألْفٍ، وإنْ أخَّرتَه إلى شَهرٍ فبألفَيْنِ، أو أبيعَكَ بقَفيزِ حِنطةٍ، أو بقَفيزَيْ شَعيرٍ؛ فهذا لا يَجوزُ؛ لأنَّ الثَّمنَ مَجهولٌ عندَ العَقدِ، ولا يَدري البائِعُ أيُّ الثَّمنَيْنِ يَلزَمُ المُشتَريَ.
وأمَّا صَفقَتانِ في صَفقةٍ فأنْ يَقولَ: أبيعُكَ هذا العَبدَ بألْفٍ، على أنْ تَبيعَني هذا الفَرَسَ بألْفٍ، وقيلَ: هو أنْ يَبيعَ ثَوبًا بشَرطِ الخِياطةِ، أو حِنطةً بشَرطِ الحَملِ إلى مَنزِلِه، فقد جعَل المُشتَري الثَّمنَ بَدَلًا لِلعَينِ والعَمَلِ، فما حاذَى العَينَ يَكونُ بَيعًا، وما حاذَى العَمَلَ يَكونُ إجارةً، فقد جَمَعَ صَفقَتَيْنِ في صَفقةٍ.
وأمَّا نَهيُه عن بَيعٍ وسَلَفٍ فهو أنْ يَبيعَ بشَرطِ القَرضِ أو الهِبةِ.
وأمَّا رِبحُ ما لَم يُضمَنْ فهو أنْ يَشتَريَ عَبدًا فيُوهَبَ له هِبةٌ قبلَ القَبضِ، أو اكتَسَبَ كَسبًا قبلَ القَبضِ مِنْ جِنسِ الثَّمنِ أو مِنْ خِلافِه؛ فقَبضُ العَبدِ مع هذه الزَّوائِدِ لا يَطيبُ له الزَّوائِدُ؛ لأنَّه رَبِحَ ما لَم يَضمَنْ.
وأمَّا نَهيُه ﷺ عن بَيعِ ما لَم يُقبَضْ، فيَعني في المَنقولاتِ.
(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: وقد تقدم.
وَأمَّا نَهيُه ﷺ عن بَيعِ ما ليسَ عندَه فهو أنْ يَبيعَ ما ليسَ في مِلْكِه، ثم مَلَكَه بوَجْهٍ مِنْ الوُجوهِ، فإنَّه لا يَجوزُ إلَّا في السَّلَمِ؛ فإنَّه رُخِّصَ فيه.
ومَن باعَ عَينًا على ألَّا يُسلِّمَها إلى شَهرٍ، أو إلى رَأْسِ الشَّهرِ، فالبَيعُ فاسِدٌ؛ لِأنَّه لا فائِدةَ لِلبائِعِ في تَأجيلِ المَبيعِ، وفيه شَرطُ نَفيِ التَّسليمِ المُستحَقِّ بالعَقدِ.
ومَن باعَ جاريةً إلَّا حَملَها، أو دابَّةً إلَّا حَملَها، فالبَيعُ فاسِدٌ.
والِاستِثناءُ لِمَا في البُطونِ على ثَلاثِ مَراتِبَ:
١ - في وَجْهٍ: العَقدُ فاسِدٌ، والِاستِثناءُ فاسِدٌ؛ فهو البَيعُ والإجارةُ، والكِتابةُ والرَّهنُ؛ لأنَّ هذه العُقودَ يُبطِلُها الشُّروطُ الفاسِدةُ، واستِثناءُ ما في البَطنِ بمَنزِلةِ شَرطٍ فاسِدٍ، والأصلُ أنَّ ما لا يَصحُّ إفرادُه بالعَقدِ لا يَصحُّ استِثناؤُه مِنْ العَقدِ، والحَملُ مِنْ هذا القَبيلِ، وهذا لأنَّه بمَنزِلةِ أطرافِ الحَيَوانِ؛ لِاتِّصالِه به خِلقةً، وبَيعُ الأصلِ يَتناوَلُها؛ فالِاستِثناءُ يَكونُ على خِلافِ المُوجِبِ؛ فلَم يَصحَّ؛ ويَصيرُ شَرطًا فاسِدًا، والبَيعُ يَبطُلُ به.
٢ - وفي وَجْهٍ: العَقدُ جائِزٌ والِاستِثناءُ فاسِدٌ، كالهِبةِ والصَّدَقةِ والنِّكاحِ، والخُلعِ والصُّلحِ عن دَمِ العَمدِ؛ لأنَّ هذه العُقودَ لا يُبطِلُها الشُّروطُ الفاسِدةُ، فيَصحُّ العَقدُ ويَبطُلُ الِاستِثناءُ ويَدخُلُ في العَقدِ الأُمِّ، والوَلَدُ جَميعًا، وكذا المُعتَقُ إذا أعتَقَ الجاريةَ واستَثنَى ما في بَطنِها، صَحَّ العِتقُ، ولَم يَصحَّ الِاستِثناءُ، يَعني أنَّها تُعتَقُ هي وحَملُها.
٣ - وفي وَجْهٍ: كِلاهما جائِزٌ، كالوَصيَّةِ، إذا أوصَى لِرَجُلٍ بجاريةٍ واستَثنَى ما في بَطنِها؛ فإنَّه يَصحُّ الِاستِثناءُ وتَكونُ الجاريةُ لِلمُوصَى له، وما في بَطنِها لِلوَرَثةِ.
ومَن اشتَرَى ثَوبًا على أنْ يَقطَعَه البائِعُ ويَخيطَه قَميصًا، أو قَباءً، أو نَعلًا، على أنْ يَحذوَها -يَقطَعَها مِنْ الجِلدِ ويَعمَلَها-، أو يُشرِكَها، فالبَيعُ فاسِدٌ؛ لأنَّ هذا شَرطٌ لا يَقتَضيه العَقدُ، وفيه مَنفَعةٌ لِأحَدِهما.
قالَ البابَرتيُّ رحمة الله عليه: مَنْ اشتَرَى صَرمًا، واشتَرطَ أنْ يَحذوَه أو نَعلًا على أنْ يُشرِكَها البائِعُ، فالبَيعُ فاسِدٌ في القياسِ.
ووَجْهُه ما بَيَّناه، أنَّه شَرطٌ لا يَقتَضيه العَقدُ، وفيه مَنفَعةٌ لِأحَدِ المُتعاقدَيْنِ.
وفي الِاستِحسانِ: يَجوزُ لِلتَّعامُلِ، والتَّعامُلُ قاضٍ على القياسِ؛ لِكَونِه إجماعًا فِعليًّا، كصَبغِ الثَّوبِ؛ فإنَّ القياسَ لا يَجوزُ فيه استِئجارُ الصَّبَّاغِ لِصَبغِ الثَّوبِ؛ لأنَّ الإجارةَ عَقدٌ على المَنافِعِ، لا الأعيانِ، وفيه عَقدٌ على العَينِ، وهو الصَّبغُ، لا الصَّبغُ وَحدَه، لكنْ جُوِّزَ لِلتَّعامُلِ جَوازَ الِاستِصناعِ (١).
وأمَّا المالِكيَّةُ فقالوا: الشَّرطُ الذي يَحصُلُ عندَ البَيعِ إمَّا أنْ يُنافيَ المَقصودَ، أو يُخِلَّ بالثَّمنِ، أو يَقتَضيَه العَقدُ، أو لا يَقتَضيَه، ولا يُنافيَه؛ فالمُضِرُّ الأوَّلانِ دونَ الأخيرَيْنِ.
(١) «العناية شرح الهداية» (٩/ ١٧٤)، و «البدائع» (٥/ ١٧٥)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ٨٠، ٨٦)، و «اللباب» (١/ ٣٨١، ٣٨٣)، و «خلاصة الدلائل» (٢/ ٥٨، ٦٠)، و «شرح فتح القدير» (٦/ ٤٤٦، ٤٥١).
فالذي يُناقِضُ المَقصودَ مِنْ البَيعِ؛ كأنْ يَبيعَها بشَرطِ ألَّا يَركَبَها أو لا يَبيعَها أو لا يَلبَسَها ولا يَسكُنَها، أو لا يُؤجِّرَها، أو ألَّا يَخرُجُ مِنها مِنْ البَلَدِ أو على أنَّه إنْ باعَها فهو أحَقُّ بها بالثَّمنِ.
والذي يُخِلُّ بالثَّمنِ؛ كبَيعٍ بشَرطِ سَلَفٍ.
والذي يَقتَضيه العَقدُ كشَرطِ تَسليمِ المَبيعِ لِلمُشتَرِي، والقيامِ بالعَيبِ، ورَدِّ العِوَضِ، عندَ انتِقاضِ البَيعِ؛ فهذه الأُمورُ لازِمةٌ دونَ شَرطٍ، لِاقتِضاءِ العَقدِ لَها، فشَرطُها تأْكيدُ.
والذي لا يَقتَضيه ولا يُنافيه: كشرطِ أجَلٍ ورَهنٍ وحَميلٍ؛ فهذه أُمورٌ لا تُنافي العَقدَ ولا يَقتَضيها، بَلْ إنْ شُرِطتْ عُمِلَ بها، وإلَّا فلا، والشَّرطُ الذي قبلَه لازِمٌ له على كلِّ حالٍ (١).
وقالَ الشافِعيَّةُ: الشَّرطُ يَنقَسِمُ إلى فاسِدٍ وصَحيحٍ، فالفاسِدُ يُفسِدُ العَقدَ.
فالفاسِدُ: كبَيعٍ بشَرطِ بَيعٍ، كما إذا باعَ سَيَّارَتَه بألْفٍ بشَرطِ أنْ يَشتَريَ مِنه دارَه أو بشَرطِ أنْ يُقرِضَه، كأنْ يَبيعَه دارَه بألْفٍ بشَرطِ أنْ يُقرِضَه مِئةً؛ فالعَقدُ الأوَّلُ باطِلٌ، ثم إذا عَقدَ الثَّانيَ مع عِلمِهما بفَسادِ الأوَّلِ صَحَّ، وإلَّا فلا على الصَّحيحِ.
(١) «مواهب الجليل» (٦/ ٢٢٥)، و «التاج والإكليل» (٣/ ٣٩٠، ٣٩٣)، و «تحبير المختصر» (٣/ ٥٥١)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٤/ ١٠٥، ١٠٦)، و «شرح ميارة» (١/ ٤٥٥)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ٨٠)، و «بلغة السالك» (٣/ ٥٩)، و «منح الجليل» (٥/ ٥١، ٩٥)، و «بداية المجتهد» (٢/ ١٢٠، ١٢١).
ولو اشتَرَى زَرعًا وشرَط على بائِعِه أنْ يَحصُدَه، بطَل البَيعُ؛ لأنَّه جَمَعَ بينَ بَيعٍ وإجارةٍ.
وكذا الحُكمُ لو أفرَدَ الشِّراءَ بعِوَضٍ، والِاستِئجارَ بعِوَضٍ، فقالَ: اشتَرَيتُه بعَشَرةٍ على أنْ تَحصُدَه بدِرهَمٍ؛ لأنَّه جعَل الإجارةَ شَرطًا في البَيعِ، فهو في مَعنَى بَيعَتَيْنِ في بَيعةٍ.
ولو قالَ: اشتَرَيتُ هذا الزَّرعَ بعَشَرةٍ، واستأجَرتُكَ لِحَصدِه بدِرهَمٍ، صَحَّ الشِّراءُ ولَم تَصحَّ الإجارةُ؛ لأنَّه استأْجَرَه لِلعَمَلِ فيما لَم يَملِكْه.
ونَظائِرُ مَسألةِ الزَّرعِ تُقاسُ بها، كما إذا اشتَرَى ثَوبًا وشرَط عليه صَبْغَه وخياطَتَه، أو لَبَنًا وشرَط عليه طَبْخَه، أو نَعلًا وشرَط عليه أنْ يَنعَلَ به دابَّتَه، أو عَبدًا رَضيعًا على أنَّه يُتِمُّ إرضاعَه، أو مَتاعًا على أنْ يَحمِلَه إلى بَيتِه، والبائِعُ يَعرِفُ بَيتَه، فإنْ لَم يَعرِفْه بطَل قَطعًا.
وأمَّا الشَّرطُ الصَّحيحُ في البَيعِ فمِن أنواعِه شَرطُ الأجَلِ المَعلومِ في الثَّمنِ، فإنْ كانَ الثَّمنُ مَجهولًا بطَل.
ومنها: البَيعُ بشَرطِ الخِيارِ، أو البَراءةِ مِنْ العَيبِ، أو بشَرطِ قَطعِ الثَّمرِ، أو الأجَلِ والرَّهنِ والكَفيلِ المُعَيِّناتِ لِثَمَنٍ في الذِّمَّةِ، والإشهادِ، ولا يُشترَطُ تَعيينُ الشُّهودِ؛ فإنْ لَم يَرهَنْ، أو لَم يَتكفَّلِ المُعَيَّنَ فلِلبائِعِ الخِيارُ.
ولو شرَط وَصفًا يُقصَدُ، ككَونِ العَبدِ كاتِبًا، أو الدَّابَّةِ حامِلًا، أو لَبَونًا، صَحَّ العَقدُ مع الشَّرطِ؛ لأنَّه شَرطٌ يَتعلَّقُ بمَصلَحةِ العَقدِ، وهو العِلمُ بصِفاتِ المَبيعِ التي تَختلِفُ بها الأغراضُ؛ ولأنَّه التَزَمَ مَوجودًا عندَ العَقدِ،
ارجع إلى المعاملات المالية للاطلاع على جميع الأبواب.