أنواع الشروط الفاسدة

الإسلام > المعاملات المالية > الشروط في البيع > أنواع الشروط الفاسدة

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 25 دقيقة قراءة

أنواع الشروط الفاسدة - الأقوال والأدلة

ولا يَتوقَّفُ التِزامُه على إنشاءِ أمْرِ مُستَقبَلٍ، فلا يَدخُلُ في النَّهيِ عن بَيعٍ وشَرطٍ، وإنْ سُمِّيَ شَرطًا تَجوُّزًا؛ فإنَّ الشَّرطَ لا يَكونُ إلَّا مُستَقبَلًا، ويَكفي في الصِّفةِ المَشروطةِ ما يُطلَقُ عليها الِاسمَ.

ولِلمُشتَري الخِيارُ، إنْ تَخلَّفَ الشَّرطُ، لِفَواتِ شَرطِه، ولا يَصحُّ بَيعُ الحَمَلِ وَحدَه، ولا الحامِلِ دُونَه، ولا الحامِلِ بحُرٍّ، ولو باعَ حامِلًا مُطلَقًا دخَل الحَملُ في البَيعِ تَبَعًا (١).

وقالَ الحَنابِلةُ: الشَّرطُ إلزامُ أحَدِ المُتعاقدَيْنِ الآخَرَ بسَبَبِ العَقدِ ما له فيه مَنفَعةٌ، ومَحَلُّ المُعتَبَرِ مِنها صُلْبُ العَقدِ، وهي قِسمانِ:

الأوَّلُ: صَحيحٌ لازِمٌ: كشَرطِ تَأجيلِ الثَّمنِ أو بَعضِه، لقولِ اللهِ تَعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآيةَ.

أو كشَرطِ رَهنٍ أو ضَمينٍ مُعيَّنَيْنِ؛ لأنَّ ذلك مِنْ مَصلَحةِ العَقدِ.

أو كشَرطِ صِفةٍ في المَبيعِ، كالعَبدِ، كاتِبًا أو صانِعًا أو مُسلِمًا، والأَمَةِ بِكرًا أو تَحيضُ، والدَّابَّةِ هِملاجةً أو لَبَونًا أو حامِلًا، والفَهدِ أو البازي صَيَّادًا؛ فإنْ وُجدَ المَشروطُ لزِم البَيعُ؛ لِصِحَّةِ الشَّرطِ.

وإلَّا فلِلمُشتَرِي الفَسخُ؛ لِفَقدِ الشَّرطِ، أو أرشٌ (٢) فَقْدِ الصِّفةِ المَشروطةِ،

(١) «روضة الطالبين» (٣/ ٦٢، ٦٧)، و «المجموع» (٩/ ٣٤٩، ٩٣٥)، و «مغني المحتاج» (٢/ ٤٦٣، ٤٦٦)، و «الديباج» (٢/ ٤٢، ٤٥)، و «نهاية المحتاج» (٣/ ٥١٧، ٥٢٢)، و «النجم الوهاج» (٤/ ٨٠، ٨٥).
(٢) الأَرشُ: هوأن يُقوَّمَ المَبيعُ صَحيحًا ثم يُقوَّمُ مَعيبًا فَيؤُخذُ قِسطٌ ما بينَهما مِنْ الثَّمنِ. انظر: «الشرح الكبير» (٤/ ٨٧).

إنْ لَم يَفسَخْ، كأرشِ عَيبٍ ظهَر عليه، وإنْ تَعذَّرَ رَدٌّ، تَعيَّنَ أرشٌ، كمَعيبٍ تَعذَّرَ رَدُّه، وإنْ شرَط صِفةً فبانَ أعلَى مِنها فلا خِيارَ.

ويَصحُّ أنْ يَشترِطَ البائِعُ على المُشتَرِي مَنفَعةَ ما باعَه مُدَّةً مَعلومةً، كسُكنَى الدَّارِ شَهرًا، وحِملانِ الدَّابَّةِ إلى مَحَلٍّ مُعيَّنٍ؛ لِحَديثِ جابرٍ رضي الله عنه أنَّه باعَ النَّبيَّ جَمَلًا واشتَرطَ ظَهرَه إلى المَدينةِ (١).

ويَصحُّ أنْ يَشترِطَ المُشتَرِي على البائِعِ حَمْلَ ما باعَه إلى مَوضِعٍ مَعلومٍ؛ فإنْ لَم يَكُنْ مَعلومًا لَم يَصحَّ الشَّرطُ؛ فلَو شرَط الحَملَ إلى مَنزِلِه، والبائِعُ لا يَعرِفُه، لَم يَصحَّ الشَّرطُ.

ويَصحَّ أنْ يَشتَرِطَ المُشتَرِي على البائِعِ تَكسيرَ ما اشتَراه، أو خياطَتَه، أو تَفصيلَه؛ لأنَّ ذلك بَيعٌ وإجارةٌ، ولا يُجمَعُ بينَ شَرطَيْنِ مِنْ ذلك، وإنْ جُمِعَ بينَ شَرطَيْنِ مِنْ غيرِ النَوعَينِ الأوَّلَيْنِ، كحَمْلِ حَطَبٍ وتَكسيرِه، وخياطةِ ثَوبٍ وتَفصيلِه، بطَل البَيعُ.

والقِسمُ الثَّاني: فاسِدٌ: وهو ما يُنافي مُقتَضى العَقدِ، وهو ثَلاثةُ أنواعٍ:

أحَدُها: يَبطُلُ العَقدُ مِنْ أصْلِه: كاشتِراطِ أحَدِهما على الآخَرِ عَقدًا آخَرَ، كشَرطِ بَيعٍ آخَرَ، كبِعتُكَ هذه الدَّارَ على أنْ تَبيعَني هذه الفَرَسَ، أو شَرطِ سَلَفٍ؛ كبِعتُكَ عَبدي على أنْ تُسلِفَني كذا في كذا، أو شَرطِ قَرضٍ؛ كعلى أنْ تُقرِضَني كذا، أو شَرطِ إجارةٍ، كعلى أنْ تُؤجِّرَني دارَكَ بكذا، أو شَرطِ شَرِكةٍ، كعلى أنْ تُشارِكَني في كذا، أو شَرطِ صَرفِ الثَّمنِ، كبِعتُكَ

(١) رواه البخاري (٢٩٦٧)، ومسلم (٧١٥).

الأَمَةَ بعَشَرةِ دَنانيرَ، على أنْ تَصرِفَها بمِئةِ دِرهَمٍ، أو شَرطِ صَرفِ غيرِه، أي: الثَّمنِ، كبِعتُكَ الثَّوبَ على أنَّ تَصرِفَ لي هذه الدَّنانيرَ بدَراهِمَ؛ لِمَا تَقدَّمَ أنَّه قالَ: «لا يَحِلُّ سَلَفٌ وبَيعٌ، ولا شَرطانِ في بَيعٍ» (١). ونهَى عن بَيعَتَيْنِ في بَيعةٍ، وهو -أي: هذا النَّوعُ- بَيعَتانِ في بَيعةٍ المَنهيُّ عنه، قالَ أحمدُ: والنَّهيُ يَقتَضي الفَسادَ.

وقالَ ابنُ مَسعودٍ رضي الله عنه: صَفقتانِ في صَفقةٍ رِبًا.

ولا يَصحُّ شَرطُ عَقدٍ في عَقدٍ؛ كنِكاحِ الشِّغارِ.

وَمِثلُه في البُطلانِ بِعتُكَ كذا بمِئةٍ، على أنْ تَرهَنَ دارَكَ -مَثَلًا- بها، وبِالمِئةِ التي عليكَ، أو أنْ يَقولَ: بِعتُكَ ثَوبي بكَذا، كعَشَرةِ دَراهِمَ -مَثَلًا-، على أنْ آخُذَ مِنْكَ الدِّينارَ بكذا دِرهَمٍ، كخَمسةٍ مَثَلًا.

وكذلك كلُّ ما كانَ في مَعنَى ذلك، مثلَ أنْ يَقولَ: بِعتُكَ داري بكذا، على أنْ تُزوِّجَني ابنَتَكَ، أو على أنْ أُزوِّجَكَ ابنَتي، وكذا على أنْ تُنفِقَ على عَبدي، أو على دابَّتي، أو على حِصَّتي مِنْ ذلك، قَرضًا أو مَجَّانًا.

النَّوعُ الثَّاني مِنْ الشُّروطِ الفاسِدةِ في البَيعِ: شَرطٌ فاسِدٌ في نَفْسِه، غيرُ مُفسِدٍ لِلبَيعِ: كشَرطٍ في العَقدِ يُنافي مُقتَضى البَيعِ، كاشتِراطِ مُشتَرٍ ألَّا يَخسَرَ في مَبيعٍ، أو مَتَى نفَقَ المَبيعُ، وإلَّا رَدَّه لِبائِعِه، أو اشتِراطِ بائِعٍ على مُشتَرٍ ألَّا يَقِفَ المَبيعُ وألَّا يَبيعَه، أو أنْ يَبيعَه، أو ألَّا يَهَبَه، أو ألَّا يُعتِقَه، أو إنْ أعتَقَه

(١) حَدِيثٌ حَسَنٌ: رواه أبو داود (٣٥٠٣)، والترمذي (١٢٣٤)، والنسائي (٤٦١١)، وابن ماجه (٢١٨٨).

فلِلبائِعِ وَلاؤُه، أو اشتَرطَ عليه أنْ يَفعَلَ ذلك، أي: أنْ يَقِفَ المَبيعَ أو يَهَبُه؛ فالشَّرطُ فاسِدٌ، والبَيعُ صَحيحٌ؛ لِعَوْدِ الشَّرطِ على غيرِ العاقِدِ، نَحوَ: بِعتَكَه على ألَّا يَنتفِعَ به أخوكَ، أو زَيدٌ ونَحوُه؛ لِحَديثِ عائِشةَ رضي الله عنها قالَتْ: جاءَتْني بَريرةُ، فقالَتْ: كاتَبتُ أهلي على تِسعِ أواقٍ، في كلِّ عامٍ أُوقيَّةٌ؛ فأعينيني؛ فقُلتُ: إنْ أحَبَّ أهلُكِ أنْ أعُدَّها لَهم، ويَكونَ وَلاؤُكِ لي؛ فَعَلتُ؛ فذَهَبتْ بَريرةُ إلى أهلِها، فقالَتْ لَهم؛ فأبَوْا عليها؛ فجاءَتْ مِنْ عِندِهم، ورَسولُ اللَّهِ جالِسٌ؛ فقالَتْ: إنِّي عَرَضتُ ذلك عليهم؛ فأبَوْا إلَّا أنْ يَكونَ لَهمُ الوَلاءُ؛ فسَمِعَ النَّبيُّ ، فأخبَرَتْ عائِشةُ رضي الله عنها النَّبيَّ ، فقالَ: «خُذيها واشتَرِطي لَهمُ الوَلاءَ؛ فإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعتَقَ»؛ ففَعَلتْ عائِشةُ رضي الله عنها، ثم قامَ رَسولُ اللَّهِ في النَّاسِ؛ فحَمِدَ اللَّهَ وأثنَى عليه، ثم قالَ: «أمَّا بَعدُ، ما بالُ رِجالٍ يَشتَرِطونَ شُروطًا ليسَتْ في كِتابِ اللَّهِ، ما كانَ مِنْ شَرطٍ ليسَ في كِتابِ اللَّهِ فهو باطِلٌ، وإنْ كانَ مِئةَ شَرطٍ، قَضاءُ اللَّهِ أحَقُّ، ودَيْنُ اللَّهِ أوثَقُ، وإنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعتَقَ» مُتَّفقٌ عليه.

فأبطَلَ الشَّرطَ، ولَم يُبطِلِ العَقدَ، وقَولُه : «واشتَرِطي لَهمُ الوَلاءَ»، لا يَصحُّ حَملُه (واشتَرِطي عليهمُ الوَلاءَ)، بدَليلِ أمْرِها به، ولَم يَأمُرْها بفاسِدٍ؛ لأنَّ الوَلاءَ لَها بإعتاقِها؛ فلا حاجةَ إلى اشتِراطٍ، ولأنَّهم أبَوُا البَيعَ إلَّا أنْ يُشترَطَ لَهم؛ فكَيفَ يَأمُرُها بما عَلِمَ أنَّهم لا يَقبَلونَه، وأمَّا أمْرُها بذلك فليسَ بأمْرٍ على الحَقيقةِ، وإنَّما هو صِيغةُ أمْرٍ بمَعنَى التَّسويةِ، كقَولِ اللهِ تَعالى: ﴿فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا﴾ [طه: ١٦]، والتَّقديرُ: اشتَرِطي لَهمُ

الوَلاءَ، أو لا تَشتَرِطي، ولِهذا قالَ عَقِبَه: «إنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعتَقَ»، إلَّا شَرطَ عِتقٍ؛ فيَلزَمُ باشتِراطِ بائِعٍ على مُشتَرٍ؛ لِحَديثِ برَيرةَ، ويُجبَرُ مُشتَرٍ عليه إنْ أباهُ؛ لأنَّه مُستحَقٌّ لِلَّهِ ؛ لِكَونِه قُربةً التَزَمَها المُشتَرِي؛ فأُجبِرَ عليه، كالنَّذْرِ؛ فإنْ أصَرَّ مُمتَنِعًا؛ أعتَقَه حاكِمٌ كطَلاقِه على مُوَلٍّ.

وكذا شَرطُ رَهنٍ فاسِدٍ، كمَجهولٍ ونَحوِه، كشَرطِ ضَمينٍ أو كَفيلٍ غيرِ مُعيَّنٍ، وكَشَرطِ خِيارٍ أو أجَلٍ في ثَمَنٍ مَجهولَيْنِ، أو شَرطِ تَأخيرِ تَسليمِ المَبيعِ بلا انتِفاعِ بائِعٍ به، أو شَرطِ بائِعٍ على المُشتَرِي إنْ باعَه، فهو -أي: البائِعُ- أحَقُّ بالمَبيعِ، بمِثلِ الثَّمنِ، فيَصحُّ البَيعُ، وتَبطُلُ هذه الشُّروطُ؛ قِياسًا على اشتِراطِ الوَلاءِ لِبَيَّاعٍ.

ولِمَن فاتَ غَرَضُه -بفَسادِ الشَّرطِ مِنْ بائِعٍ ومُشتَرِطٍ- الفَسخُ في كلِّ ما تَقدَّمَ مِنْ الشُّروطِ الفاسِدةِ، ولو كانَ عالِمًا بفَسادِ شَرطٍ؛ لأنَّه لَم يُسلِّمْ له بما دخَل عليه مِنْ الشَّرطِ.

ويُرَدُّ ثَمَنٌ ومُثمَّنٌ لَم يَفُتْ بإلغاءِ الشَّرطِ، وإلَّا بأنْ فاتَ؛ فيَلزَمُ أرشُ نَقصِ ثَمَنٍ لِبائِعٍ، إنْ كانَ المُشتَرِطُ بائِعًا؛ فإنْ باعَه بأنقَصَ مِنْ ثَمَنِه، وشرَط شَرطًا فاسِدًا؛ فله الخِيارُ بينَ الفَسخِ وبينَ أخْذِ أرشِ النَّقصِ؛ لأنَّه إنَّما باعَ بنَقصٍ مِنْ ثَمَنِه؛ لِمَا يَحصُلُ له مِنْ الغَرَضِ الذي اشتَرطَه؛ فإذا لَم يَحصُلْ غَرَضُه رجَع بالنَّقصِ، أو استِرجاعِ زِيادَتِه -أي: الثَّمنِ- لِمُشتَرٍ، إنْ كانَ هو المُشترِطَ، بأنِ اشتَرَى بزيادةٍ على الثَّمنِ، وشرَط شَرطًا فاسِدًا؛ فله الخِيارُ بينَ الفَسخِ وأخْذِ ما زادَ؛ لِفَواتِ غَرَضِ كُلٍّ منهما.

وكذا حُكمُ كلِّ شَرطٍ فسَد، كشَرطِ لَبَنِ حَيَوانٍ مَبيعٍ مُدَّةً مَعلومةً، كشَهرٍ مَثَلًا؛ لِجَهالةِ قَدْرِ اللَّبَنِ في المُدَّةِ، وكشَرطِ نَفْعِ دابَّةٍ بِيعَتْ على أنْ يَنتَفِعَ بها البائِعُ ما شاءَ، ثم يُسَلِّمَها لِلمُشتَرِي؛ فهذا الشَّرطُ فاسِدٌ؛ لأنَّ النَّفعَ غيرُ مَعلومٍ، وحينَئذٍ لِلمُشتَرِي الخِيارُ.

ومَن قالَ لِغَريمِه: بِعْني هذا الشَّيءَ على أنْ أقَضِيَكَ دَيْنَكَ مِنه؛ فباعَه إيَّاه، صَحَّ البَيعُ، لا الشَّرطُ؛ لأنَّه شرَط ألَّا يَتصرَّفَ فيه بغيرِ القَضاءِ، ومُقتَضى البَيعِ أنْ يَتصرَّفَ مُشتَرٍ بما يَختارُ، ولِلبائِعِ الفَسخُ أو أخْذُ أرْشِ نَقصِ ثَمَنٍ على ما تَقدَّمَ.

وإنْ قالَ رَبُّ دَيْنٍ: اقضِني دَيْني على أنْ أبيعَكَ كذا بكذا؛ فقَضاه دَيْنَه؛ صَحَّ القَضاءُ؛ لأنَّه أقبَضَه دَيْنَه فَقط؛ أي: دونَ بَيعٍ مَشروطٍ؛ لأنَّه مُعلَّقٌ على القَضاءِ، ولأنَّ البَيعَ لا يَصحُّ تَعليقُه.

وإنْ قالَ رَبُّ دَيْنٍ: اقضِني أجوَدَ مِنْ مالي عليكَ، على أنْ أبيعَكَ كذا؛ ففَعَلا؛ أي: قَضاه حَقَّه أجوَدَ، وباعَه ما وَعَدَه به؛ فالبَيعُ والقَضاءُ باطِلانِ، ويَرُدُّ الأجوَدَ قابِضُه، ويُطالَبُ بمِثلِ دَيْنِه؛ لأنَّ المَدِينَ لَم يَرْضَ بدَفعِ الأجوَدِ إلَّا طَمَعًا في حُصولِ المَبيعِ له، ولَم يَحصُلْ؛ لِبُطلانِ البَيعِ؛ لأنَّه بَيعَتانِ في بَيعةٍ.

النَّوعُ الثَّالثُ: شَرطٌ لا يَنعقِدُ معه بَيعٌ، وهو المُعلَّقُ عليه البَيعُ: كبِعتُكَ كذا إنْ جِئتَني، أو إنْ رَضيَ زَيدٌ بكذا، أو اشتَرَيتُ كذا كذا بكذا إنْ جِئتَني، أو إنْ رَضيَ زَيدٌ، أو إنْ جاءَ رَأْسُ الشَّهرِ مَثَلًا؛ لأنَّه عَقدُ مُعاوَضةٍ يَقتَضي نَقلَ المِلْكِ حالَ العَقدِ، ولأنَّ الشَّرطَ يَمنَعُه.

أو أنْ يَقولَ لِلمُرتَهِنِ: إنْ جِئتُكَ بحَقِّكَ في مَحَلِّه وإلَّا فالرَّهنُ لَكَ، لا يَصحُّ البَيعُ؛ لقولِه : «لا يَغلَقُ الرَّهنُ مِنْ صاحِبِه» (١).

وكذا كلُّ بَيعٍ عُلِّقَ على شَرطٍ مُستَقبَلٍ، غيرِ «إنْ شاءَ اللهُ »، وغيرِ (بَيعِ العُربونْ)، بأنْ يَدفَعَ بعدَ العَقدِ شَيئًا، ويَقولَ: (إنْ أخَذتُ المَبيعَ أتمَمتُ الثَّمنَ، وإلَّا فهو لكَ)، فيَصحُّ؛ لِفِعلِ عمرَ رضي الله عنه، والمَدفوعُ لِلبائِعِ إنْ لَم يُتِمَّ البَيعَ، والإجارةُ مِثلُه.

وإنْ باعَه شَيئًا، وشرَط في البَيعِ البَراءةَ مِنْ كلِّ عَيبٍ مَجهولٍ، أو مِنْ عَيبِ كذا، إنْ كانَ لَم يَبرَأِ البائِعُ، فإنْ وجَد المُشتَرِي بالمَبيعِ عَيبًا فله الخِيارُ؛ لأنَّه إنَّما يثبُتُ بعدَ البَيعِ، فلا يَسقُطُ بإسقاطِه قبلَه، وإنْ سَمَّى العَيبَ، أو أبرَأَه المُشتَرِي بعدَ العَقدِ، بَرِئَ.

ومَن باعَ ما يُذرَعُ على أنَّه عَشَرةٌ؛ فبانَ أكثَرَ، أو أقَلَّ، صَحَّ البَيعُ، والزِّيادةُ لِلبائِعِ، والنَّقصُ عليه.

ولِكُلٍّ الفَسخُ؛ لِضَرَرِ الشَّرِكةِ، ما لَم يُعطِ البائِعُ الزِّيادةَ لِلمُشتَرِي مَجَّانًا في المَسألةِ الأُولَى، أو لَم يَرضَ المُشتَرِي بأخْذِه بكُلِّ الثَّمنِ في الثَّانيةِ فلا فَسخَ؛ لعَدمِ فَواتِ الغَرَضِ، وإنْ كانَ المَبيعُ نَحوَ صُبرةٍ على أنَّها عَشَرةُ أقفِزةٍ، فبانَتْ أقَلَّ، أو أكثَرَ، صَحَّ البَيعُ، ولا خِيارَ، والزِّيادةُ لِلبائِعِ، والنَّقصُ عليه، لعَدمِ الضَّرَرِ (٢).

(١) مُرْسَلٌ: رواه الشافعي (٣٢٤).
(٢) «المغني» (٤/ ١٥٦، ١٥٧)، و «كشاف القناع» (٣/ ٢١٧، ٢٢٦)، و «شرح منتهى الإرادات» (٣/ ١٦٨، ١٨١)، و «الروض المربع» (١/ ٥٥٥، ٥٥٩)، و «المبدع» (٤/ ٥٤)، و «مطالب أولي النهى» (٣/ ٧٥، ٧٧).

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الصلح
فصل في الشرائط التي ترجع إلى المصالح عنه

الصُّلْحُ عَلَى الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ مُتَقَوِّمٍ فِي حَقِّهِ، وَكَذَا إذَا صَالَحَ عَلَى دَنٍّ مِنْ خَلٍّ فَإِذَا هُوَ خَمْرٌ لَمْ يَصِحَّ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُصَادِفْ مَحَلَّهُ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ مَمْلُوكًا لِلْمُصَالِحِ حَتَّى إنَّهُ إذَا صَالَحَ عَلَى مَالٍ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدِ الْمُدَّعِي لَمْ يَصِحَّ الصُّلْحُ؛ لِأَنَّهُ تَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ مَمْلُوكًا لِلْمُصَالِحِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الصُّلْحَ لَمْ يَصِحَّ، وَمِنْهَا أَنْ يَكُونَ مَعْلُومًا؛ لِأَنَّ جَهَالَةَ الْبَدَلِ تُؤَدِّي إلَى الْمُنَازَعَةِ فَتُوجِبُ، فَسَادَ الْعَقْدِ إلَّا إذَا كَانَ شَيْئًا لَا يُفْتَقَرُ إلَى الْقَبْضِ وَالتَّسْلِيمِ، كَمَا إذَا ادَّعَى رَجُلَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ حَقًّا، ثُمَّ تَصَالَحَا عَلَى أَنْ جَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا ادَّعَاهُ عَلَى صَاحِبِهِ صُلْحًا مِمَّا ادَّعَاهُ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ يَصِحُّ الصُّلْحُ، وَإِنْ كَانَ مَجْهُولًا؛ لِأَنَّ جَهَالَةَ الْبَدَلِ لَا تَمْنَعُ جَوَازَ الْعَقْدِ لَعَيْنِهَا بَلْ لِإِفْضَائِهَا إلَى الْمُنَازَعَةِ الْمَانِعَةِ مِنْ التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ فَإِذَا كَانَ مَالًا يُسْتَغْنَى عَنْ التَّسْلِيمِ وَالتَّسَلُّمِ لَا يُفْضِي إلَى الْمُنَازَعَةِ فَلَا يَمْنَعُ الْجَوَازَ إلَّا أَنَّ الصُّلْحَ مِنْ الْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ، وَمَا دُونَهُ تُتَحَمَّلُ الْجَهَالَةُ الْقَلِيلَةُ فِي الْبَدَلِ، كَمَا تُتَحَمَّل فِي الْمَهْرِ فِي بَابِ النِّكَاحِ، وَالْخُلْعِ، وَالْإِعْتَاقِ عَلَى مَالٍ وَالْكِتَابَةُ لِمَا عُلِّمَ وَلَوْ صَالَحَ عَلَى مُسَيِّلٍ، أَوْ شِرْبٍ مِنْ نَهْرٍ لَا حَقَّ لَهُ فِي رَقَبَتِهِ، أَوْ عَلَى أَنْ يُحَمِّلَ كَذَا، وَكَذَا جِذْعًا…

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 463 - 469
بسم الله الرحمن الرحيم الخميس 4 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6 / 29.5
الإضاءة 35%
البدر بعد 9 يوم
أستغفر الله