الركن الرابع: المرهون به

الإسلام > المعاملات المالية > شروط صحة رهن المستعار للرهن > الركن الرابع: المرهون به

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 24 دقيقة قراءة

الركن الرابع: المرهون به - الأقوال والأدلة

الرَّكنُ الرابعُ: المَرهونُ به:

وهو الحَقُّ الذي لِلمُرتَهَنِ في ذِمَّةِ الراهِنِ، والذي يُوضَعُ الرَّهنُ بمُقابِلِه، ويُشترَطُ فيه أُمورٌ عندَ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ.

قال الحَنفيَّةُ: يُشترَطُ في المَرهونِ به عِدَّةُ شُروطٍ:

١ - منها: أنْ يكون مضمونًا، أي واجِبَ التَّسليمِ إلى صاحِبِه؛ لأنَّه إذا لَم يَكُنْ واجِبَ التَّسليمِ فلا مَحَلَّ لأنْ يُعطى به رَهنٌ لِتَوثيقِه، إذْ لا إلزامَ على المُطالِبِ بالحَقِّ الذي يَستَوجِبُ التَّوثُّقَ به، والكَلامُ في هذا الشَّرطِ يَقَعُ في مَوضِعَيْنِ: أحَدُهما: في أصلِ اشتِراطِ الضَّمانِ، والآخَرُ: في صِفةِ المَضمونِ.

أمَّا الأوَّلُ: فأصلُ الضَّمانِ هو: كَونُ المَرهونِ به مَضمونًا شَرطُ جَوازِ الرَّهنِ؛ لأنَّ المَرهونَ مَضمونٌ، بمَعنى سُقوطِ الواجِبِ عندَ هَلاكِه، أو بمَعنى استِيفاءِ الواجِبِ، ولَسْنا نَعني بالمَضمونِ سِوى أنْ يَكونَ واجِبَ التَّسليمِ على الراهِنِ.

= مسدَّهما، لأنَّه أشعرَ بالتَّسميةِ والتَّعيينِ أنَّ له غَرضًا في التَّعيينِ، فإذا لَم يُسمِّ حينَ الشَّرطِ أشعَرَ أنَّ غرَضَه في أن يُعطَى ثِقة بحقّه إلى غير ذلك. لكنْ لَو اشتَرطَ شهادةَ شاهِدينِ سمَّاهما، فأشهدَ غيرَهما عدالَتهما كعَدالَتِهما فهذا يُعتبرُ فيه هل لَه غرضٌ في تَعيينِهما فيُوفى لَه بِشرطِه، أو يَكونُ لا غرضَ لَه فيَجوزُ ذلك على القَولينِ عندَنا في اشتِراطِ مَالًا يُفيدُ في عُقودِ البَيعِ: هل يُوفى به أم لا؟
هذا الحُكمُ عندِي في هذه المَسألةِ. ولأصحابِ الشَّافِعيِّ فيها قَولانِ: أحدُهما: هذا الشَّرط مُطَّرَح. والآخرُ: أنه يَلزُم الوَفاءُ به. والأمرُ فيه ينحَصرُ -عندِي- إلى ما أشَرنا إليه مِنْ رَأْيي، وكأن مِنْ رَأى مِنْ أصْحابِ الشَّافِعيِّ كَونَ هذا الشَّرطِ مُطّرَحًا تُصُوِّر فيه أنَّه لا يُمكنُ أن يَكونَ فيه غرَض، فَهذا طَرحُه.

والمَضمونُ نَوعان: دَينٌ وعَينٌ.

أمَّا الدَّينُ: فيَجوزُ الرَّهنُ بأيِّ سَبَبٍ وَجَب مِنَ الإتلافِ والغَصبِ والبَيعِ ونَحوِها؛ لأنَّ الدُّيونَ كلَّها واجِبةٌ على اختِلافِ أسبابِ وُجوبِها، فكان الرَّهنُ بها رَهنًا بمَضمونٍ، فيَصحُّ، وسَواءٌ كان مما يَحتمِلُ الاستِبدالَ قبلَ القَبضِ أو لا يَحتمِلُه، كرأسِ مالِ السَّلَمِ وبَدَلِ الصَّرفِ والمُسلَمِ فيه.

وإذا جازَ الرَّهنُ بهذه الدُّيونِ فإنْ هَلَك الرَّهنُ في المَجلِس تَمَّ الصَّرفُ والسَّلَمُ؛ لأنَّه صارَ مُستوفيًا عَينَ حَقِّه في المَجلِسِ، لا مُستَبدِلًا، وإنْ لَم يَملِكْ حتى افتَرَقا بَطَلا؛ لِفَواتِ شَرطِ البَقاءِ على الصِّحَّةِ، وهو القَبضُ في المَجلِسِ.

ولو تَفاسَخَ العاقِدانِ السَّلَمَ وبالمُسلَمِ فيه رَهنٌ يَكونُ ذلك رَهنًا برأسِ المالِ؛ لأنَّه بَدَلُه.

وأمَّا العَينُ: فلا خِلافَ في أنَّه لا يَجوزُ الرَّهنُ بالعَينِ التي هي أمانةٌ في يَدِ الراهِنِ، كالوَديعةِ والعاريةِ ومالِ المُضارَبةِ والبِضاعةِ والشَّرِكةِ والمُستأجِرِ ونَحو ذلك؛ فإنَّها ليستْ مَضمونةً أصلًا.

وأمَّا العَينُ المَضمونةُ فنَوعانِ:

نَوعٌ مَضمونٌ بنَفْسِه، وهو الذي يَجبُ مِثلُه عندَ هَلاكِه إنْ كان له مِثلٌ، وقيمَتُه إنْ لَم يَكُنْ له مِثلٌ، كالمَغصوبِ في يَدِ الغاصِبِ، والمَهرِ في يَدِ الزَّوجِ، وبَدَلِ الخُلعِ في يَدِ المَرأةِ، وبَدَلِ الصُّلحِ عن دَمِ العَمدِ في يَدِ العاقِلةِ، ولا خِلافَ في أنَّه يَجوزُ الرَّهنُ به، ولِلمُرتَهَنِ أنْ يَحبِسَ الرَّهنَ حتى يَسترِدَّ العَينَ، فإنْ هَلَك المَرهونُ في يَدِه قبلَ استِردادِ العَينِ والعَينُ قائِمةٌ يُقالُ

لِلراهِنِ: سَلِّمِ العَينَ إلى المُرتَهَنِ وخُذْ منه الأقَلَّ مِنْ قيمةِ الرَّهنِ ومِنَ الدَّينِ؛ لأنَّ المَرهونَ مَضمونٌ بذلك، فإذا وَصَلَ إليه العَينُ يَجبُ عليه رَدُّ قَدْرِ المَضمونِ إلى الراهِنِ، فإنْ هَلَكتِ العَينُ والرَّهنُ قائِمٌ صارَ الرَّهنُ بها رَهنًا بقيمَتِها، حتى لو هَلَك الرَّهنُ بعدَ ذلك هَلَك مَضمونًا بالأقَلِّ مِنْ قيمَتِه وقيمةِ العَينِ؛ لأنَّ قيمةَ العَينِ بَدَلُها، وبَدَلُ الشَّيءِ قائِمٌ مَقامَه، كأنَّه هو.

وأمَّا الذي هو مَضمونٌ بغَيرِه -لا بنَفْسِه- كالمَبيعِ في يَدِ البائِعِ ليس مَضمونًا بنَفْسِه؛ لأنَّه لو هَلَك في يَدِه لا يَضمَنُ شَيئًا، بل هو مَضمونٌ بغَيرِ الثَّمَنِ حتى يَسقُطَ الثَّمنُ المُشتَرى إذا هَلَك فيَجوزُ الرَّهنُ به، وله أنْ يَحبِسَه حتى يَقبِضَ المَبيعَ، وإنْ هَلَك في يَدِه قبلَ القَبضِ هَلَك بالأقَلِّ مِنْ قيمَتِه، ومِن قيمةِ المَبيعِ، ولا يَصيرُ قابِضًا لِلمَبيعِ بهَلاكِه، وله أنْ يَقبِضَ المَبيعَ إذا أوْفى ثَمَنَه، وعليه أيضًا ضَمانُ الأقَلِّ بهَلاكِ الرَّهنِ.

ولو هَلَك المَبيعُ قبلَ القَبضِ والرَّهنُ قائِمٌ بَطَل البَيعُ؛ لأنَّ إهلاكَ المَبيعِ قبلَ القَبضِ يُوجِبُ بُطلانَ المَبيعِ، وعلى المُشتَري أنْ يَرُدَّ الرَّهنَ على البائِعِ.

ولو هَلَك في يَدِه قبلَ الرَّدِّ هَلَك بضَمانِه وهو الأقَلُّ مِنْ قيمَتِه ومِن قيمةِ المَبيعِ للبائِعِ، ولا يَبطُلُ ضَمانُه بهَلاكِ المَبيعِ وبُطلانِ البَيعِ؛ لأنَّه -وإنْ هَلَك المَبيعُ- سَقَط الثَّمنُ بمُقابَلَتِه، فكان بُطلانُه بعِوَضٍ، فلا يَبطُلُ ضَمانُه (١).

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١٤٢، ١٤٣)، و «الهداية» (٤/ ١٣٤)، و «تبيين الحقائق» (٦/ ٧١، ٧٢)، و «اللباب» (١/ ٤٢٨)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ١٩٣، ١٩٤)، و «خلاصة الدلائل» (٢/ ١١٩).

وقال الشافِعيَّةُ: يُشترَطُ في المَرهونِ به أنْ يَكونَ دَيْنًا، أي: مما يَثبُتُ في الذِّمَّةِ، كالدَّراهِمِ والدَّنانيرِ ونَحوِها مِنَ العُملاتِ المُتداوَلةِ التي تُقوَّمُ بها الأشياءُ؛ لأنَّ مَقصودَ الرَّهنِ استيفاءُ المَرهونِ به مِنْ قيمةِ المَرهونِ وثَمَنِه عندَ تَعذُّرِ الوَفاءِ، وهذا مُمكِنٌ في الدَّيْنِ.

ولا عِبرةَ بسَبَبِ الدَّينِ، سَواءٌ أكان ثَمَنَ مَبيعٍ اشتَراه الراهِنُ إلى أجَلٍ أو كان قَرضًا أو كان ضَمانًا بسَبَبِ إتلافِه شَيئًا ما لِلمُرتَهَنِ.

وعليه: لا يَصحُّ أنْ يَكونَ الحَقُّ المَرهونُ به عَينًا كالأعيانِ المَضمونةِ بحُكمِ العَقدِ كالمَبيعِ، أو بحُكمِ اليَدِ كالمَغصوبِ والمُستَعارِ والمأخوذِ على وَجهِ السَّوْمِ، كما لو غَصَبَ إنسانٌ مَتاعًا مِنْ آخَرَ فطالَبَه المَغصوبُ منه به وطَلَب منه أنْ يَرهَنَه شَيئًا مُقابِلَه إلى أنْ يأتيَه به، وكذلك لو استعارَ أحَدٌ شَيئًا فطَلَب المُعيرُ مِنَ المُستَعيرِ أنْ يَرهَنَه شَيئًا ما -مَتاعًا أو نُقودًا مَثَلًا- مُقابِلَه، حتى يأتيَه به لا يَصحُّ مِثلُ هذا الرَّهنِ، وهذا يَقَعُ كَثيرًا في هذه الأيامِ.

وإنَّما لَم يَصحَّ الرَّهنُ مُقابِلَ الأعيانِ لأنَّها لا يُمكِنُ استيفاؤُها مِنْ ثَمَن المَرهونِ عندَ تَعذُّرِ الوَفاءِ وبَيعِ العَينِ المَرهونةِ؛ إذْ كيف تُستَوفَى مَثَلًا سَيَّارةٌ مِنْ ليراتٍ ونَحوِها، وإذا قُلنا: تُستَوفَى قيمَتُها فإنَّ القيمةَ تَختَلِفُ باختِلافِ المُقوِّمينَ فيُؤدِّي ذلك إلى التَّنازُعِ.

على أنَّ الرَّهنَ إنَّما شُرِعَ وذُكِرَ في كِتابِ اللهِ تَعالى في الدَّينِ فلا يَثبُتُ في غَيرِه (١).

(١) «روضة الطالبين» (٣/ ٢٧٣، ٢٧٤)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٥، ٤٧)، و «نهاية المحتاج» (٤/ ٢٨٥، ٢٨٦)، و «النجم الوهاج» (٤/ ٣٠٣، ٣٠٤).

٢ - يُشترَطُ في الرَّهنِ أنْ يَكونَ الدَّيْنُ ثابِتًا في ذِمَّةِ الراهِنِ لِلمُرتَهَنِ:

فلِلرَّهنِ ثَلاثُ حالاتٍ:

الحالةُ الأُولى: أنْ يَقَع بعدَ ثُبوتِ الحَقِّ، كثَمَنِ مَبيعٍ بَعدَما أُبرِمَ البَيعُ، ولو قبلَ تَسليمِ المَبيعِ أو نَفَقةِ زَوجةٍ عن زَمَنٍ مَضى، أو مالٍ اقتَرَضَه الراهِنُ وقبَضه أو قبلَ قَبضِه ونَحوِ ذلك، فيَصحُّ الرَّهنُ، وهذا مما لا خِلافَ فيه بينَ المَذاهِبِ الأربعةِ، وحَكى ابنُ قُدامةَ فيه الإجماعَ (١).

وإنَّما صَحَّ الرَّهنُ في هذه الحالاتِ لأنَّ الحَقَّ قد ثَبَت فصارَتِ الحاجةُ داعيةً لأخْذِ الوَثيقةِ به، فصارَ الرَّهنُ ضَمانًا للدَّيْنِ، فجازَ أخْذُه به.

الحالةُ الثانيةُ: أنْ يَقَعَ الرَّهنُ مع العَقدِ المُوجِبِ للدَّيْنِ، كما لو قال: بِعْني هذا الثَّوبَ بمِئةٍ إلى شَهرٍ وأرهَنُكَ به هذه الساعةَ، فقال البائِعُ: «قَبِلتُ»، أو: «بِعتُكَ وارتَهَنتُ»، أو قال: «أقرِضْني ألْفًا إلى سَنةٍ وأرهَنُكَ به هذه السَّجادةَ»، فقال: «قَبِلتُ»، أو: «أقرَضتُكَ وارتَهَنتُ»، وهذا أيضًا صَحيحٌ وجائِزٌ باتِّفاقِ المَذاهِبِ الأربَعةِ؛ لأنَّ الحاجةَ تَدعو إلى ذلك، فلو لَم يُعقَدْ ذلك ويَشتَرِطْه مع ثُبوتِ الدَّيْنِ فرُبَّما لَم يَتمكَّنْ مِنْ إلزامِ المُشتَري أو المُقتَرِضِ بعَقدِ الرَّهنِ بعدَ ثُبوتِ الدَّيْنِ، فيَفوتَ حَقُّه في التَّوثُّقِ مِنْ دَيْنِه.

وأمَّا الحالةُ الثالِثةُ: فأنْ يَرهَنَه قبلَ الحَقِّ، فإذا حَصَل عَقدُ الرَّهنِ قبلَ ثُبوتِ الحَقِّ أو العَقدِ الذي يُوجِبُه فقد اختَلَف الفُقهاءُ فيه:

فذهَب الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ إلى أنَّه لا يَصحُّ الرَّهنُ قبلَ

(١) «المغني» (٤/ ٢١٥).

ثُبوتِ الحَقِّ، كما لو ارتَهَنتِ الزَّوجةُ مَتاعًا مُقابِلَ ما سيَثبُتُ لها مِنْ نَفَقةٍ في أيامٍ مُقبِلةٍ، أو ارتَهَن شَيئًا بما سيُقرِضُه إياه، أو بثَمَنِ ما سيَشتَريه منه فإنَّ الرَّهنَ في هذه الحالاتِ لا يَصحُّ ولا يَنعَقِدُ.

وذلك لأنَّ الرَّهنَ وَثيقةٌ بالحَقِّ، فلا تُقدَّمُ على ثُبوتِه، وتابِعٌ فلا يَسبِقُه كالشَّهادةِ فلا تُقدَّمُ قبلَ ثُبوتِ المَشهودِ عليه ولا تَسبِقُه.

وذهَب الحَنفيَّةُ والمالِكيَّةُ وأبو الخَطَّابِ مِنَ الحَنابِلةِ إلى أنَّه يَصحُّ الرَّهنُ قبلَ ثُبوتِ الحَقِّ، فمَتى قال: «رَهَنتُكَ ثَوبي هذا بعَشَرةٍ تُقرِضُنيها غَدًا»، وسَلَّمَه إليه ثم أقرَضَه الدَّراهِمَ لَزِمَ الرَّهنُ؛ لأنَّه وَثيقةٌ بحَقٍّ فجازَ عَقدُها قبلَ وُجوبِه كالضَّمانِ، أو فجازَ انعِقادُها على شَيءٍ يَحدُثُ في المُستَقبَلِ، كضَمانِ الدَّركِ.

ولقَولِ اللهِ ﷿: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، ولَم يُفرِّقْ؛ ولأنَّ المَقصودَ مِنَ الرَّهنِ هو استِيفاءُ الحَقِّ مِنْ ثَمَنِه، وقد ثَبَت أنَّ ذلك يَجوزُ أنْ يَتعلَّقَ بصِفةٍ تأتي، وهو امتِناعُ مَنْ عليه الحَقُّ مِنْ أدائِه، فجازَ أنْ يَتعلَّقَ الرَّهنُ أيضًا بصِفةٍ تأتي؛ ولأنَّه أذِنَ له في قَبضِه على وَجْهِ الأمانةِ أو الضَّمانِ، فصَحَّ ذلك، أصلُه في الضَّمانِ ضَمانُ القَضاءِ، إذا قال: «خُذْ هذا الكيسَ، فإنْ كان فيه قَدْرُ حَقِّكَ فقد قَضى مِنْ حَقِّكَ»، أو دَفَع الكيسَ إليه ووَكَّلَ غَيرَه بأنْ يَقبِضَ حَقَّه منه، وفي الأمانةِ والوَديعةِ إذا قال له: «متى جاءَكَ فُلانٌ يَقضي الذي عندَه فاقبِضْه بكذا، فهو وَديعةٌ لي عندَكَ».

صُورَتُه عندَ المالِكيَّةِ أنْ يَقولَ شَخصٌ لِآخَرَ: «خُذْ هذا الشَّيءَ عندَكَ رَهنًا على ما سأقتَرِضُه منكَ، أو على ما يَقتَرِضُه منكَ فُلانٌ، أو على ثَمَنِ ما

تَبيعُه لي، أو لِفُلانٍ»، والرَّهنُ على هذه الكَيفيَّةِ صَحيحٌ لَازِمٌ؛ لأنَّه ليس مِنْ شَرطِ صِحَّةِ الرَّهنِ أنْ يَكونَ الدَّينُ لَازمًا قبلَ الرَّهنِ، لكنْ لا يَستمِرُّ لُزومُه إلا إذا حَصَلَ بَيعٌ أو قَرضٌ في المُستَقبَلِ، فإنْ لَم يَحصُلْ كان له أخْذُ رَهنِه (١).

وقال الشافِعيَّةُ: يَصحُّ الرَّهنُ بالثَّمنِ في مُدَّةِ الخيارِ؛ لأنَّه آيِلٌ إلى اللُّزومِ، فإذا باعه دارًا بشَرطِ الخيارِ، وتَسلَّمَها المُشتَري ولَم يَقبِضِ البائِعُ الثَّمَنَ فإنَّ له أنْ يأخُذَ رَهنًا مُقابِلَ ثَمَنِها؛ لأنَّ الثَّمَنَ -وإنْ لَم يَكُنْ دَينًا لَازمًا في الحالِ- لَازِمٌ مآلًا (٢).

وقالوا أيضًا: يُشترَطُ أنْ يَكونَ الدَّيْنُ مَعلومًا للعاقِدَيْنِ عَينًا وقَدْرًا وصِفةً: فلو ثَبَت أنَّ لِلمُرتَهَنِ دَيْنًا في ذِمَّةِ الراهِنِ لكنَّه يَجهَلُ ما هو، أهو ليراتٌ سُوريَّةٌ أم تُركيَّةٌ، أو يَجهَلُ قَدرَها، أهي ألْفٌ أم ألفانِ، فارتَهَنه شَيئًا بها فإنَّ الرَّهنَ لا يَصحُّ، سَواءٌ أعلِمَ العاقِدُ الثاني قَدْرَها وصِفَتَها أم لا، وذلك لِتَعذُّرِ استِيفاءِ هذا الدَّيْنِ المَجهولِ مِنْ ثَمَنِ العَينِ المَرهونةِ إذا بِيعَتْ عندَ عَدَمِ الوَفاءِ (٣).

(١) «تحبير المختصر» (٤/ ٩٧، ٩٨)، و «الإشراف» (٣/ ٢٢، ٢٣) رقم (٨٨٢)، و «روضة المستبين في شرح كتاب التلقين» (٢/ ١٠٩٠)، و «الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي» (٤/ ٣٩٦، ٣٩٧)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ٢٤٩)، و «بلغة السالك» (٣/ ٢٠٢)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٢٧٣، ٢٧٤)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٥، ٤٧)، و «نهاية المحتاج» (٤/ ٢٨٥، ٢٨٦)، و «النجم الوهاج» (٤/ ٣٠٣، ٣٠٥)، «المغني» (٤/ ٢١٥، ٢١٦)، و «الإفصاح» (١/ ٤١٥).
(٢) «مغني المحتاج» (٣/ ٤٧)، و «نهاية المحتاج» (٤/ ٢٨٦)، و «النجم الوهاج» (٤/ ٣٠٥).
(٣) المَصادِر السابقَة.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الحوالة
بيان ركن الحوالة

رَجُلَانِ عَبْدًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ وَكَفَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ فَمَا أَدَّى أَحَدُهُمَا يَقَعُ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ حَتَّى يَزِيدَ عَلَى النِّصْفِ لِمَا ذَكَرْنَا وَكَذَلِكَ الْمُتَفَاوِضَانِ إذَا افْتَرَقَا وَعَلَيْهِمَا دَيْنٌ فَلِصَاحِبِ الدَّيْنِ أَنْ يُطَالِبَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.

وَأَيُّهُمَا أَدَّى شَيْئًا لَا يَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ حَتَّى يَزِيدَ الْمُؤَدَّى عَلَى النِّصْفِ لِمَا ذَكَرْنَا هَذَا إذَا كَفَلَا كَفَالَةً وَاحِدَةً وَلَمْ يَكْفُلْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ بِجَمِيعِ الْمَالِ فَأَمَّا إذَا كَفَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا كَفَالَةً مُتَفَرِّقَةً بِجَمِيعِ الْمَالِ عَنْ الْمَطْلُوبِ ثُمَّ كَفَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ بِمَا عَلَيْهِ فَمَا أَدَّى أَحَدُهُمَا شَيْئًا يَرْجِعُ بِكُلِّ الْمُؤَدَّى عَلَى الْأَصِيلِ إنْ شَاءَ وَإِنْ شَاءَ يَرْجِعُ بِنِصْفِهِ عَلَى شَرِيكِهِ لِأَنَّ حَقَّ الْمُطَالَبَةِ بِجَمِيعِ الْمَالِ لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ الْكَفَالَةُ عَنْ نَفْسِهِ وَالْكَفَالَةُ عَنْ صَاحِبِهِ عَلَى السَّوَاءِ فَيَقَعُ الْمُؤَدَّى نِصْفُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَنِصْفُهُ عَنْ صَاحِبِهِ لِتَسَاوِيهِمَا فِي الْكَفَالَتَيْنِ بِالْمُؤَدَّى وَإِذَا وَقَعَ نِصْفُ الْمُؤَدَّى عَنْ صَاحِبِهِ فَيَرْجِعُ عَلَيْهِ لِيُسَاوِيَهُ فِي الْأَدَاءِ كَمَا سَاوَاهُ فِي الْكَفَالَةِ بِالْمُؤَدَّى بِخِلَافِ الْفَصْلِ الْأَوَّلِ لِأَنَّ هُنَاكَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَصِيلٌ فِي نِصْفِ الْمَالِ بِالْكَفَالَةِ عَنْ نَفْسِهِ كَفِيلٌ عَنْ صَاحِبِهِ بِالْكَفَالَةِ عَنْهُ فَيَكُونُ مُؤَدِّيًا عَنْ نَفْسِهِ إلَى النِّصْفِ وَهَهُنَا بِخِلَافِهِ لِمَا مَرَّ.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 258 - 264

ارجع إلى شروط صحة رهن المستعار للرهن للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.5 / 29.5
الإضاءة 41%
البدر بعد 8 يوم
أستغفر الله