الإسلام > المعاملات المالية > شروط صحة رهن المستعار للرهن > حكم رهن المشاع
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 27 دقيقة قراءةحُكمُ رَهنِ المَشاعِ:
اختَلَف الفُقهاءُ في حُكمِ رَهنِ المَشاعِ هل يَصحُّ أو لا؟
فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ المالِكيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى جَوازِ صِحَّةِ رَهنِ المَشاعِ مِنْ عَقارٍ وحَيوانٍ، كما يَصحُّ بَيعُه وهِبَتُه ووَقفُه، سَواءٌ كانتِ البَقيَّةُ للراهِنِ أو لِغَيرِه؛ لأنَّ كُلَّ عَينٍ جازَ بَيعُها جازَ رَهنُها؛ لأنَّ مَقصودَ الرَّهنِ الاستيثاقُ بالدَّينِ لِلتَّوصُّلِ إلى استِيفائِه مِنْ ثَمَنِ الرَّهنِ إنْ تَعذَّرَ استيفاؤُه مِنْ ذِمَّةِ الراهِنِ، وهذا يَتحقَّقُ في كلِّ عَينٍ جازَ بَيعُها، ولأنَّ ما كان مَحَلًّا للبَيعِ كان مَحَلًّا لِحِكمةِ الرَّهنِ، ومَحَلُّ الشَّيءِ مَحَلٌّ لِحِكمَتِه؛ إلا أنْ يَمنَعَ مانِعٌ مِنْ ثُبوتِه أو يَفوتَ شَرطٌ فيَنتَفيَ الحُكمُ لانتِفائِه، فصَحَّ رَهنُ المَشاعِ لذلك، إذْ لا ضَرَرَ على الشَّريكِ؛ لأنَّه يَتعامَلُ مع المُرتَهَنِ كما كان يَتعامَلُ مع الراهِنِ، وقبَضه بقَبضِ الجَميعِ، فيَكونُ بالتَّخليةِ في غيرِ المَنقولِ، وبالنَّقلِ في المَنقولِ.
ولأنَّه يَصحُّ قَبضُه بالبَيعِ صَحَّ ارتِهانُه كالمَقسومِ، ولأنَّ إشاعَتَه لا تَمنَعُ صِحَّةَ الرَّهنِ، أصلُه إذا رهَن دارًا مِنْ رَجُلَيْنِ؛ ولأنَّ كلَّ ما لو رَهَنه مع غَيرِه صَحَّ فكذلك إذا رَهَنه مُنفَرِدًا، أصلُه الداران إذا رَهَنهما مِنْ رَجُلٍ؛ ولأنَّها حالٌ لِلرَّهنِ جازَ أنْ يَتناوَلَ المَشاعَ، أصلُه ثاني حالٍ، وهو أنْ يَرهَنَه دارًا تَمَّ بَيعُ نِصفِها؛ ولأنَّ كلَّ عَقدٍ جازَ أنْ يُعقَدَ على بَعضِ الجُملةِ مَقسومًا جازَ أنْ يَعقِدَ على ذلك البَعضِ مَشاعًا، أصلُه البَيعُ، ولأنَّ كلَّ عَقدٍ جازَ على عَينٍ لِنَفْسَيْنِ جازَ على نِصفِها لِأحَدِهما، أصلُه البَيعُ.
ولا يُشترَطُ أنْ يَستأذِنَ الراهِنُ شَريكَه في رَهنِ نَصيبِه إلا فيما يُنقَلُ، إنَّما يُندَبُ له ذلك، كما أنَّ لِشَريكِه الحَقَّ في أنْ يَقسِمَ، ولكنْ بإذْنِ الراهِنِ، وله أنْ يَبيعَ بدونِ إذْنِه، أمَّا فيما يُنقَلُ فلا بُدَّ مِنْ إذْنِه؛ لأنَّه لا يَحصُلُ قَبضُه إلا بالقَبضِ.
ثم إنْ رَضيَ الشَّريكُ والمُرتَهَنُ بكَونِه في يَدِ أحَدِهما أو غَيرِهما جازَ، وإنِ اختَلَفا جعَله حاكِمٌ بيَدِ أمينٍ أمانةً أو بأُجرةٍ.
وذهَب الحَنفيَّةُ إلى عَدَمِ جَوازِ رَهنِ المَشاعِ، سَواءٌ كان فيما يَحتمِلُ القِسمةَ أو لا، وسَواءٌ رَهَنه مِنْ أجنبيِّ أو مِنْ شَريكِه؛ لأنَّ الإشاعةَ تَمنَعُ استِدامةَ القَبضِ؛ لأنَّه لا بُدَّ فيها مِنَ المُهايأةِ؛ لأنَّ مُوجِبَ الرَّهنِ هو الحَبسُ الدائِمُ؛ لأنَّه لَم يُشرَعْ إلا مَقبوضًا بالنَّصِّ فلو جازَ في المَشاعِ لفاتَ الدَّوامُ؛ لأنَّه لا بُدَّ مِنَ المُهايأةِ، فيَصيرُ كما إذا قال: رَهَنتُكَ يَومًا ويَومًا لا، ولِهذا لا يَجوزُ فيما يَحتمِلُ القِسمةَ وما لا يَحتمِلُها، وكذا ما كان في عِلَّةِ المَشاعِ، مِثلَما إذا كان الرَّهنُ مُتَّصِلًا بغَيرِه، كرَهنِ النَّخلِ دونَ الثَّمرةِ، والأرضِ دونَ النَّخلِ والزَّرعِ.
ولأنَّ مِنْ شُروطِ صِحَّةِ الرَّهنِ عندَهم أنْ يَكونَ مَحُوزًا -أي: مَقسومًا-، فلا يَصحُّ رَهنُ المَشاعِ؛ لأنَّه لا يُمكِنُ قَبضُه أو تَسليمُه؛ لاختِلاطِه بغَيرِ المَرهونِ؛ لأنَّ قَبضَ النِّصفِ الشائِعِ وَحدَه لا يُتصوَّرُ وَحدَه، ولأنَّ النِّصفَ الآخَرَ ليس بمَرهونٍ، فلا يَصحُّ قَبضُه؛ وسَواءٌ -كما قُلنا- كان مَشاعًا يَحتمِلُ القِسمةَ أو لا يَحتمِلُها؛ لأنَّ الشُّيوعَ يَمنَعُ تَحقُّقَ قَبضِ الشائِعِ في النَّوعَيْنِ جَميعًا.
وسَواءٌ رهَن مِنْ أجنبيٍّ أو مِنْ شَريكِه، وسَواءٌ كان مُقارِنًا لِلعَقدِ أو طَرَأ عليه.
ثم إذا قَبَض الرَّهن على الفَسادِ فهَلَك قال الكَرخيُّ: يَهلِكُ أمانةً، ولا يَذهَبُ مِنَ الدَّينِ شَيءٌ.
وفي «الجامِعِ الكَبيرِ» ما يَدلُّ على أنَّه يَهلِكُ بالأقَلِّ مِنْ قيمَتِه، ومِنَ الدَّينِ؛ لأنَّه قال: كلُّ مالٍ هو مَحَلٌّ لِلرَّهنِ الصَّحيحِ إذا رَهَنه رَهنًا فاسِدًا فهَلَك في يَدِ المُرتَهَنِ يَهلِكُ بالأقَلِّ مِنْ قيمَتِه ومِن الدَّينِ، وكلُّ ما ليس بمَحَلٍّ لِلرَّهنِ الصَّحيحِ إذا رُهِنَ رَهنًا فاسِدًا لا يَكونُ مَضمونًا، كالمُدبِّرِ وأُمِّ الوَلَدِ، ولا فَرقَ بينَ الإشاعةِ الطارئيَّةِ والأصليَّةِ في مَنعِ صِحَّةِ الرَّهنِ، وهو الصَّحيحُ، وذلك مِثلَ أنْ يَرهَنَ جَميعَ العَينِ، ثم تَفاسَخًا في بَعضٍ، أو يَبيعَ الراهِنُ أو وَكيلُه نِصفَ الرَّهنِ بإذْنِ المُرتَهَنِ، أو يَستحِقَّ نِصفَه فيَبطُلَ الرَّهنُ في البَقيَّةِ.
والحيلةُ في جَوازِ رَهنِ المَشاعِ: أنْ يَبيعَ منه النِّصفَ بالخيارِ، ثم يَرهَنَه النِّصفَ ثم يَفسَخَ البَيعَ (١).
(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١٣٨)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ١٨٩، ١٩٠)، و «أحكام القرآن» لِلجصاص (٢/ ٢٦٠)، و «المبسوط» (٢١/ ٦٩، ٧٠)، و «الهداية» (٤/ ١٣٢)، و «العناية» (١٤/ ٤٨٨)، و «تبيين الحقائق» (٦/ ٦٨، ٦٩)، و «البحر الرائق» (٨/ ٢٧٥)، و «الأشباه والنظائر» (١/ ٤١٥)، و «أحكام القرآن» لابن العربي (١/ ٣٤٤)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٠٥)، و «تفسير القرطبي» (٣/ ٤١١)، و «الإشراف» (٣/ ٩، ١٠)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ٥/ ٢٣٩)، و «حاشية الصاوي» (٧/ ٢٠٣)، و «القوانين الفقهية» (١/ ٢١٢)، و «الأم» (٣/ ١٩٠، ١٩١)، و «الحاوي الكبير» (٦/ ١٤، ١٦)، و «الإقناع» (٢/ ٢٩٧)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤٠)، و «المغني» (٤/ ٢٢١)، و «الإفصاح» (١/ ٤١٦)، و «المبدع» (٤/ ٢١٦)، و «الإنصاف» (٥/ ١٤١)، و «كشاف القناع» (٣/ ٣٧٩)، و «الروض المربع» (٢/ ١١).
الشَّرطُ الخامِسُ: أنْ يَكونَ المَرهونُ مَحَلًّا قابِلًا لِلبَيعِ: وهو أنْ يَكونَ مَوجودًا وَقتَ العَقدِ مالًا مُطلَقًا مُتقوَّمًا مَملوكًا مَقدورَ التَّسليمِ ونَحوَ ذلك، فلا يَجوزُ رَهنُ ما ليس بمَوجودٍ وَقتَ العَقدِ، ولا رَهنُ ما يَحتمِلُ الوُجودَ والعَدَمَ، كما إذا رَهَن ما يُثمِرُ نَخيلُه هذا العامَ، أو ما تَلِدُ أغنامُه هذه السَّنةَ، ونَحوَ ذلك، وهذا عندَ الحَنفيَّةِ، وهو على التَّفصيلِ الآتي:
١ - حُكمُ رَهنِ الثَّمرِ في رُؤوسِ النَّخلِ أو الزَّرعِ الأخضَرِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِه: لا يَصحُّ عندَ الحَنفيَّةِ والشافِعيَّةِ في الأظهَرِ والمالِكيَّةِ في قَولٍ والحَنابِلةِ في وَجهٍ؛ لأنَّه لا يَجوزُ بَيعُه، فلا يَصحُّ رَهنُه، كسائِرِ ما لا يَجوزُ بَيعُه.
وعِلَّةُ المَنعِ عندَ الحَنفيَّةِ أنَّ المَرهونَ متى اتَّصَلَ بغَيرِ المَرهونِ خِلقةً لا يَجوزُ؛ لامتِناعِ قَبضِ الرَّهنِ وَحدَه، وعلى ذلك لو رهَن شَجَرًا وفيه ثَمَرٌ لَم يُسَمِّه في الرَّهنِ دَخَل في الرَّهنِ؛ تَصحيحًا لِلعَقدِ.
وذهَب المالِكيَّةُ في المَشهورِ والحَنابِلةُ في المَذهبِ وهو مُقابِلُ الأظهَرِ عندَ الشافِعيَّةِ -وسيأتي تَفصيلُهم في هذا- إلى جَوازِ رَهنِ الثَّمَرِ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِه مِنْ غيرِ شَرطِ القَطعِ أو الزَّرعِ الأخضَرِ؛ لأنَّ الغَرَرَ يَقِلُّ فيه؛ لأنَّ الثَّمَرةَ متى تَلِفتْ عاد إلى حَقِّه في ذِمَّةِ الراهِنِ؛ ولأنَّه يَجوزُ بَيعُه، فجازَ رَهنُه.
ولأنَّه إنْ كان بدَيْنٍ حالٍّ فمُقتَضاه أنْ تُؤخَذَ فتُباعَ فيُؤمَنَ أنْ تَهلِكَ بالعاهةِ، وإنْ كان بدَيْنٍ مُؤجَّلٍ فتَلِفتِ الثَّمَرةُ لَم يَسقُطْ دَينُه؛ وإنَّما تَبطُلُ وَثيقَتُه، والغَرَرُ في بُطلانِ الوَثيقةِ مع بَقاءِ الدَّينِ قَليلٌ، فجازَ بخِلافِ البَيعِ؛ فإنَّ العادةَ فيه أنْ يُترَكَ إلى أوانِ الجِذاذِ، فلا يُؤمَنُ أنْ يَهلِكَ بعاهةٍ فيَذهَبَ الثَّمَنُ ولا يَحصُلَ المَبيعُ فيَعظُمَ الضَّرَرُ فلَم يَجُزْ مِنْ غيرِ شَرطِ القَطعِ.
أمَّا إنْ شُرِطَ القَطعُ في الحالِ فيَصحُّ؛ لأنَّه يَصحُّ بَيعُه.
ومتى حَلَّ الحَقُّ بِيعَ، وإنِ اختارَ المُرتَهَنُ تأخيرَ دَيْنِه فله ذلك.
قال المالِكيَّةُ: يَجوزُ رَهنُ ما خُلِقَ مِنْ ثَمَرٍ وزَرعٍ لَم يَبْدُ صَلاحُه على المَشهورِ؛ لأنَّ الغَرَرَ جائِزٌ في هذا البابِ، فإذا ماتَ الراهِنُ، أو أفلَسَ قبلَ بُدُوِّ صَلاحِه ولا مالَ له فإنَّه يَنتَظِرُ بذلك الثَّمَرِ الذي لَم يَبْدُ صَلاحُه إلى بُدُوِّ الصَّلاحِ، ثم يُباعُ ويُستَوفَى الدَّينُ، وهو أحَقُّ مِنَ الغُرَماءِ، وأمَّا إنْ لَم يُخلَقْ فلا يَصحُّ رَهنُه كرَهنِ الجَنينِ، على الصَّحيحِ.
وقد فصَّل الشافِعيَّةُ في رَهنِ الثِّمارِ، وفَرَّقوا بينَ أنْ تَكونَ الثِّمارُ مع الشَّجَرِ أو وَحدَها، وبَينَ أنْ يَكونَ الثَّمَرُ مما يَتسارَعُ فَسادُه أو لا، فقالوا: إنَّ رَهنَ الثِّمارِ على الشَّجَرِ له حالتانِ:
إحداهما: أنْ يُرهَنَ الثَّمَرُ مع الشَّجَرِ، وحينَئذٍ إنْ كان الثَّمَرُ مما يُمكِنُ تَجفيفُه صَحَّ الرَّهنُ مُطلَقًا، سَواءٌ بدا فيها الصَّلاحُ أو لا، وسَواءٌ كان الدَّينُ حالًّا أو مُؤجَّلًا.
وإنْ كان مما لا يُمكِنُ تَجفيفُه فَسَد الرَّهنُ؛ إلا في ثَلاثِ مَسائِلَ، هي:
أنْ يَرهَنَه بدَينٍ حالٍّ أو مُؤجَّلٍ يَحِلُّ قبلَ فَسادِه أو يَحِلُّ بعدَ فَسادِه أو معه، لكنْ بشَرطِ بَيعِه عندَ إشرافِه على الفَسادِ وجَعلِ الثَّمَنِ رَهنًا مَكانَه.
والحالةُ الأُخرى: رَهنُ الثَّمَرِ وَحدَه، فإنْ كان لا يُحفَظُ بالجَفافِ فهو كالذي يَتسارَعُ إليه الفَسادُ، وقد تَقدَّم حُكمُه، وإنْ كان يَتجَفَّفُ فهو على ضَربَيْنِ:
الضَّربُ الأوَّلُ: أنْ يُرهَنَ قبلَ بُدُوِّ الصَّلاحِ، فإنْ رُهِنَ بدَينٍ حالٍّ وشُرِطَ قَطعُه وبَيعُه جازَ، وإنْ أُطلِقَ جازَ أيضًا على الأظهَرِ.
وإنْ رُهِنَ بمُؤجَّلٍ نُظِرَ إنْ كان يَحِلُّ مع بُلوغِ الثَّمَرِ وَقتَ الإدراكِ أو بَعدَه جازَ الرَّهنُ.
وإنْ كان يَحِلُّ قبلَ بُلوغِه وَقتَ الإدراكِ فإنْ رَهَنه مُطلَقًا لَم يَصحَّ، وإنْ شَرَط القَطعَ صَحَّ.
الضَّربُ الآخَرُ: أنْ يَرهَنَ بعدَ بُدُوِّ الصَّلاحِ، فيَجوزُ بشَرطِ القَطعِ، ومُطلَقًا إنْ رَهَن بحالٍّ أو مُؤجَّلٍ هو في مَعناه.
وإنْ رَهَن بمُؤجَّلٍ يَحِلُّ قبلَ بُلوغها وَقتَ الإدراكِ فعلى ما سبَق في الضَّربِ الأوَّلِ.
ومتى صَحَّ رَهنُ الثِّمارِ على الأشجارِ فمُؤنةُ السَّقيِ والجِدادِ على الراهِنِ، فإنْ لَم يَكُنْ له شَيءٌ باعَ الحاكِمُ جُزءًا منها وأنفَقَ عليها.
ولو أرادَ أحَدُهما قَطعَ الثَّمَرةِ قبلَ وَقتِ الجِدادِ فللآخَرِ الامتِناعُ، وليس
له الامتِناعُ بعدَ وَقتِ الجِدادِ، بل يُباعُ في الدَّينِ إنْ حَلَّ، وإلا أمسَكَه رَهنًا (١).
٢ - أنْ يَكونَ مالًا: فلا يَصحُّ رَهنُ ما ليس بمالٍ، كالمَيتةِ والدَّمِ؛ لانعِدامِ مالِيَّتِهما، ولا رَهنُ صَيدِ الحُرُمِ والإحرامِ؛ لأنَّه مَيْتةٌ.
٣ - أنْ يَكونَ مُتقوَّمًا: أي يُباحُ الانتِفاعُ به شَرعًا: بحيث يُمكِنُ استِيفاءُ الدَّينِ منه، فلا يَصحُّ رَهنُ الخَمرِ والخِنزيرِ مِنَ المُسلِمِ، وهذا مَحَلُّ اتِّفاقٍ بينَ الفُقهاءِ؛ لأنَّه لا يَجوزُ بَيعُ الخَمرِ والخِنزيرِ، فلا يَصحُّ رَهنُه، وقال الحَنفيَّةُ: وسَواءٌ كان العاقدانِ مُسلِمَيْنِ أو أحَدُهما مُسلِمًا؛ لانعِدامِ ماليَّةِ الخَمرِ والخِنزيرِ في حَقِّ المُسلِمِ، وهذا لأنَّ الرَّهنَ إيفاءُ الدَّينِ، والارتِهانَ استِيفاؤُه، ولا يَجوزُ لِلمُسلِمِ إيفاءُ الدَّينِ مِنَ الخَمرِ واستيفاؤُه، إلا أنَّ الراهِنَ إذا كان ذِمِّيًّا كانتِ الخَمرُ مَضمونةً على المُسلِمِ المُرتَهَنِ؛ لأنَّ الرَّهنَ إذا لَم يَصحَّ كانتِ الخَمرُ بمَنزِلةِ المَغصوبِ في يَدِ المُسلِمِ، وخَمرُ الذِّمِّيِّ مَضمونةٌ على المُسلِمِ بالغَصبِ، وإذا كان الراهِنُ مُسلِمًا والمُرتَهَنُ ذِمِّيًّا لا تَكونُ مَضمونةً على أحَدٍ.
(١) «الأم» (٣/ ٢٠٨)، و «المهذب» (١/ ٣٠٩)، و «روضة الطالبين» (٣/ ٢٦٨، ٢٧٠)، و «أسنى المطالب» (٢/ ١٤٨)، و «حاشية الجمل على شرح المنهج» (٣/ ٢٧٢)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٤١، ٤٢)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ١٩٠)، و «تبيين الحقائق» (٦/ ٧٠)، و «البحر الرائق» (٨/ ٢٧٧)، و «درر الحكام» (٧/ ١٦٤)، و «مجمع الأنهر» (٤/ ٢٧٠، ٢٧٩)، وتكملة «رد المحتار» (١/ ٣٧)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٠٥)، و «تحبير المختصر» (٤/ ٨٢)، و «الشرح الكبير» (٤/ ٣٧٨)، و «التاج والإكليل» (٤/ ٧)، و «مواهب الجليل» (٦/ ٤١٤)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ٢٣٧)، و «منح الجليل» (٨/ ٢١٤)، و «المغني» (٤/ ٢٢٥)، و «الكافي» (٢/ ١٣٨)، و «الفروع» (٤/ ١٥٩)، و «الإنصاف» (٥/ ١٤١)، و «كشاف القناع» (٣/ ٣٧٩)، و «الروض المربع» (٢/ ١١).
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الرهن)
(فصل)
(وَفَارَقَتْكَ بِدَيْنٍ لَا فَكَاكَ لَهُ ... يَوْمَ الْوَدَاعِ فأنسى الدين قَدْ غَلِقَا)
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَقْرَبُ النَّفَقَةُ.
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَهَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دِرْعَهُ عِنْدَ أَبِي الشَّحْمِ الْيَهُودِيِّ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ هَلْ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَبْلَ فَكَاكِهِ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: افْتَكَّهُ قَبْلَ مَوْتِهِ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ: نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى وَهَذِهِ صِفَةٌ تَنْتَفِي عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -.
وَقَالَ آخَرُونَ وَهُوَ الصَّحِيحُ: أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ فَكَاكِهِ لِرِوَايَةِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى مَحْمُولًا عَلَى مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً.
(فَصْلٌ)
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الرهن
فصل في حكم الرهن
أَيْضًا يَخْرُجُ الرَّهْنُ بِالْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛؛ لِأَنَّ الْمَكْفُولَ بِهِ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الِاسْتِيفَاءَ مِنْ الرَّهْنِ.
فَصْلٌ فِي حُكْمِ الرَّهْنِ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا حُكْمُ الرَّهْنِ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: الرَّهْنُ نَوْعَانِ: صَحِيحٌ، وَفَاسِدٌ.
(أَمَّا) الْأَوَّلُ فَلَهُ أَحْكَامٌ بَعْضُهَا يَتَعَلَّقُ بِحَالِ قِيَامِ الْمَرْهُونِ وَبَعْضُهَا يَتَعَلَّقُ بِحَالِ هَلَاكِهِ.
(أَمَّا) الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِحَالِ قِيَامِهِ فَعِنْدَنَا ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ مِلْكُ حَبْسِ الْمَرْهُونِ عَلَى سَبِيلِ الدَّوَامِ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ، أَوْ مِلْكِ الْعَيْنِ فِي حَقِّ الْحَبْسِ عَلَى سَبِيلِ الدَّوَامِ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ، وَكَوْنُ الْمُرْتَهِنِ أَحَقَّ بِحَبْسِ الْمَرْهُونِ عَلَى سَبِيلِ اللُّزُومِ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ، وَالْعِبَارَاتُ مُتَّفِقَةُ الْمَعَانِي فِي مُتَعَارَفِ الْفُقَهَاءِ.
(وَالثَّانِي) اخْتِصَاصُ الْمُرْتَهِنِ بِبَيْعِ الْمَرْهُونِ أَوْ اخْتِصَاصُهُ بِثَمَنِهِ، وَهَذَانِ الْحُكْمَانِ أَصْلِيَّانِ لِلرَّهْنِ عِنْدَنَا.
(وَالثَّالِثُ) وُجُوبُ تَسْلِيمِ الْمَرْهُونِ عِنْدَ الِافْتِكَاكِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمة الله عليه الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ لِلرَّهْنِ وَاحِدٌ وَهُوَ كَوْنُ الْمُرْتَهِنِ أَحَقَّ بِبَيْعِ الْمَرْهُونِ وَأَخَصَّ بِثَمَنِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ.
منح الجليل شرح مختصر خليل · الدردير · [باب في البيع]
[باب في بيان حقيقة وأحكام الرهن]
(بَابٌ) الرَّهْنُ بَذْلُ مَنْ لَهُ الْبَيْعُ مَا يُبَاعُ، أَوْ غَرَرًا، وَلَوْ اُشْتُرِطَ
ــ
منح الجليل
بَابٌ فِي بَيَان حَقِيقَة وَأَحْكَام الرَّهْن
بَابُ)
ارجع إلى شروط صحة رهن المستعار للرهن للاطلاع على جميع المسائل.