رهن المجهول

الإسلام > المعاملات المالية > شروط صحة رهن المستعار للرهن > رهن المجهول

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 23 دقيقة قراءة

رهن المجهول - الأقوال والأدلة

وأمَّا في حَقِّ أهلِ الذِّمَّةِ فيَجوزُ رَهنُ الخَمرِ والخِنزيرِ وارتِهانُهما منهم؛ لأنَّ ذلك مالٌ مُتقوَّمٌ في حَقِّهم بمَنزِلةِ الخَلِّ والشاةِ.

ولا يَصحُّ رَهنُ المُباحاتِ مِنَ الصَّيدِ والحَطَبِ والحَشيشِ ونَحوِها؛ لأنَّها ليستْ مَملوكةً في أنْفُسِها (١).

وقال المالِكيَّةُ: لا يَصحُّ رَهنُ الخَمرِ لِمُسلِمٍ وإنْ كانت مِلكًا لِذِمِّيٍّ، وتُرَدُّ لِلراهِنِ الذِّمِّيِّ، ويَكونُ المُرتَهَنُ أُسوةَ الغُرماءِ في ثَمَنِها، وتُراقُ على الراهِنِ المُسلِمِ، إلا أنْ تَتخَلَّل فلا تُرَدَّ ويَختَصَّ بها دونَ غُرَماءِ الراهِنِ مُرتَهِنُها، وإنْ رهَن المُسلِمَ عَصيرَ المُسلِمِ، أو ذِمِّيٌّ فتَخَمَّرَ عندَ المُرتَهَنِ فإنَّه يُهريقُه بأمرِ حاكِمٍ إنْ كان حاكِمٌ في المَوضِعِ يَحكُمُ ببَقائِها وتَخليلِها، وإنْ لَم يُوجَدْ حاكِمٌ يَرى ذلك فليس عليه الرَّفعُ؛ للأمْنِ مِنَ التَّعقُّبِ، أمَّا لو كان الراهِنُ ذِمِّيًّا فإنَّها لا تُراقُ عليه، وإنَّما تُرَدُّ إليه (٢).

٤ - أنْ يَكونَ مَعلومًا: كما يُشترَطُ في المَبيعِ أنْ يَكونَ مَعلومًا خاليًا مِنَ الجَهالةِ المُفضيةِ إلى الغَرَرِ، وعلى هذا لا يَصحُّ رَهنُ المَجهولِ.

رَهنُ المَجهولِ:

اختَلَف الفُقهاءُ في حُكمِ رَهنِ المَجهولِ، هل يَصحُّ أم لا؟

فذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ إلى عَدَمِ جَوازِ

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١٣٥)، و «الاختيار» (٢/ ٧٦)، و «مجمع الأنهر» (٤/ ٢٨١، ٢٨٢)، ويُنظر: باقي مصادر الحنفي السابقة.
(٢) «شرح مختصر خليل» (٥/ ٢٣٨، ٢٣٩)، ويُنظر: «كشاف القناع» (٣/ ٤٠٨).

رَهنِ المَجهولِ؛ لأنَّه لا يَصحُّ بَيعُه، وما لا يَجوزُ بَيعُه مِنَ المَجهولِ لا يَجوزُ رَهنُه؛ لأنَّ الصِّفاتِ مَقصودةٌ في الرَّهنِ لِلوَفاءِ بالدَّينِ، كما أنَّها مَقصودةٌ في البَيعِ لِلوَفاءِ بالثَّمنِ، فإذا لَم يَجُزْ بَيعُ المَجهولِ وَجَب ألَّا يَجوزَ رَهنُ المَجهولِ (١).

وكذا لا يَصحُّ رَهنُ مَعجوزِ التَّسليمِ، ونَحوُ ذلك مما لا يَجوزُ بَيعُه، والأصلُ فيه أنَّ كُلَّ ما لا يَجوزُ بَيعُه لا يَجوزُ رَهنُه (٢).

فلو قال: رَهَنتُكَ هذا الجِرابَ أو البَيتَ أو الخَريطةَ بما فيها لا يَصحُّ؛ لأنَّه مَجهولٌ، وإنْ لَم يَقُلْ بما فيها صَحَّ رَهنُها لِلعِلمِ بها، إلا أنْ يَكونَ ذلك مما لا قيمةَ له، كالجِرابِ الخَلَقِ ونَحوِه، ولو قال: رَهَنتُكَ أحَدَ هذَيْنِ العَبدَيْنِ لَم يَصحَّ؛ لِعَدَمِ التَّعيينِ، وفي الجُملةِ يُعتبَرُ لِلعِلمِ في الرَّهنِ ما يُعتبَرُ في البَيعِ.

وكذلك القُدرةُ على التَّسليمِ، فلا يَصحُّ رَهنُ الآبِقِ ولا الجَمَلِ الشارِدِ ولا غيرِ مَملوكٍ (٣).

وقال المالِكيَّةُ: يَجوزُ رَهنُ المَجهولِ ما لَم يَكُنْ في أصلِ عَقدِ البَيعِ؛ لِتَركِ البائِعِ جُزءًا مِنَ الثَّمَنِ لِأجْلِه (٤).

(١) «بدائع الصنائع» (٦/ ١٣٧).
(٢) «المهذب» (١/ ٣٠٩).
(٣) «المغني» (٤/ ٢٢٨)، و «كشاف القناع» (٣/ ٤٠٨، ٤٠٩).
(٤) «الذخيرة» (٨/ ٨٥)، وقالَ المَازريُّ في «شرح التلقين» (٢/ ٣/ ٣٤٨، ٣٥١) بعدَ أن ذكَر الخِلافَ في المَسألةِ: وَسببُ هذا الاختِلافِ أنَّه تقرَّر أن المَبيعَ مِنْ شرطِه أن يَكونَ مَعلومًا، =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= مِنْ غيرِ خِلافٍ في ذلك. واشترَاطُ الشَّهادةِ بالثَّمنِ لا يلزَمُ فيها التَّعيينُ مِنْ غيرِ خِلافٍ.
وكأنَّ مَالكًا رضي الله عنه قاسَ اشتراطَ رَهنِ المَجهولِ على اشتراطِ الشُّهودِ المَجهولِينَ، ويُوضّح قِياسَه أنَّ اللهَ سُبحانَه أقامَ الشَّهادةَ على الحقِّ مَقامَ الرَّهنِ وجعَل الرَّهنَ دَنِيًّا عن الشَّهادةِ إذا تَعذَّرت الشَّهادةُ، فقالَ تَعالى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى قولِه تَعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] ثم قالَ بعدَ ذلك: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فنبّه تَعالى على أنَّ الرَّهنَ يَقومُ مَقامَ الشَّهادةِ في المَقصودِ منَ الاستيثاقِ والأَمن ميت الجُحودِ. فإذا وقَع الاتفاقُ على أنَّه إذا باعَ سلعَة، واشترَط على المُشترِي أن يُشهِد على نفسِه بالثَّمنِ، ولم يُسمِّ في اشتِراطِه الشُّهودَ، فإن هذا الشَّرطَ لا يُمنَع منه، ولا يُبطِل البيعَ، لأنَّا إذا خيّرنا المُشترِي، واشتُرِط عليه الرَّهنُ بالثَّمنِ أن يأتي بِرهنٍ يَكونُ فيه وَفاءٌ بالحقِّ المَرهونِ به، فإنَّه قد حصَل الغرضُ المَقصودُ مِنَ الاستِيثاقِ، وإن لَم يكُن قد عَيَّن جِنْس الرَّهنِ في أصلِ البَيعِ. كما يجْعلُ الاستِيثاق بشَهادةِ عَدلينِ وإن لَم يُسمَّيا حينَ اشتِرط الشَّهادةِ.
فإن قيلَ: الفَرقُ بينَهما أنَّ الشَّهادةَ لا غرضَ في تعيِينها، وشَهادةُ عَدلَينِ يُسمّيانِ زيدًا وعَمرًا، كشَهادةِ عَدلَينِ يُسمّيان بكرًا وخالدًا، بخِلافِ الرَّهنِ؛ فإنَّ الرَّاهنَ قد يُوثر أن يَرهنَ جِنسًا يَكونُ لا يضمَنُه، أو يُؤثر الرَّاهنُ جِنسًا تَشقّ حراستُه وحفظُه، ويُؤثر المُرتهِنُ مالًا يَشقّ حراستُه وحِفظُه، كالحُليِّ والثِّيابِ. فإذا تَباعدَت هذه الأغْراضُ وجَب فَسادُ الشَّرطِ وإبطالُه، بخِلافِ الشَّهادةِ.
وأجابَ أصحابُنا عن هذا بأن المَقصودَ تَحصيلُ ما يُوَفّى الثَّمنَ الَّذي وقَع به الرَّهنُ، فإذا لَم يُسمَّيا جِنْس الرَّهنِ ولا عيَّناهُ أشعرَ بأنَّه لا غرضَ لَهما، ولا مَقصودَ عندَهما سِوى اعتِبارِ كَونِ الرَّهنِ يُوفّى بالدينِ بِلا حاجةٍ إلى أن يعايَن الرَّهنُ في حينِ الاشتِراطِ، كمَا قالَ المُخالفُ.
وأيضًا فإنَّا لَو سلَّمنا اختِلافَ الأَغراضِ في ذلك، لِكانَ في حُكمِ التبَع لِلمقصودِ الذي ذَكرنَاه، وإنَّما يُراعى في الشَّرعِ المَتبوع لا التَّابعَ. وبهذا نُدافِعهم عن قِياسهِم الرَّهنَ الذي لَم يُعيَّن على نفسِ المَبيعِ الذي لَا بدَّ أن يُعيَّن، لأنَّ المَقصودَ مِنَ المَبيعِ مِلكُ عَينٍ على =

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

= التَّأبيدِ يُنتفَعُ بها على الوجهِ الذي يُنتفعُ به أمثالُها وإذا كان هذا المَقصودَ لَم يصح ضَبطُه مع عدمِ التَّعيينِ. ألا ترى أن نفسَ المَبيعِ يُعفى فيه عن الجَهالةِ بالاتِّباعِ، كمَا أجازَ الشَّرعُ بَيعَ الدِّيارِ مِنْ غيرِ كشفٍ على أساسِها وباطنِ سقفِها وحِيطانِها، وما ذاك إلا تَكون ذلك في حُكم التَّبعِ، فكذلك يُعفى عن الرَّهنِ وإن لَم يكن معينًا كَونه تبعًا لِلحقِّ الذي وقَع به الرَّهنُ.
(٢) فإن قيل: يَلزمُكم على هذا أن تُجيزوا بَيعَ سِلعةٍ بثَمنٍ مَعلومٍ على أن المُشترِي قال: أرتهنُك بثمنِها شيئًا، أو أرهَنكَ ما في كُمّي أو ما في صُندوقِي.
فأما قولُه: أرهنُك شيئًا، فقَد التزَم ابنُ القصَّار، مِنْ أصحابِنا، أن ذلك لا يُمنعُ، ويقُضي بِرهنٍ فيه وفاءً.
وهذا الذي قالَه التِفاتٌ منه إلى أنه لَيس المَقصودُ بقولِه: «شيئًا» إحالةً على جَهالةٍ، بل المُرادُ به ما يرادُ بهذا الكَلامِ لَو أُطلقَ ولم يقيّدْ بقولِه: شَيئًا.
ومعلومٌ أن الركنَ لا بدَّ أن يَكونَ شَيئًا، فَلأجلِ هذا اطَّرح هذه الزِّيادَة. وأما قولُه: أرهنُك ما في كُمّي أو صُندوقي، فإنَّهما أشعَرا بذلك أن الرَّهنَ يتَعينُّ، والقَصدُ منهُما اعتِبارُ ما يُوفّي بالحقِّ، بل أحالَه على عَينٍ مَحصورةٍ لا يُدرَى جِنسُها ولا مَبلغُها، فقد يكونُ في كمِّه ما يَعظم ثمنُه، أو يكونُ في كمِّه ما لا قِيمةَ لَه، فيَصيرانِ ها هنا قاصِدين إلى المُخاطرةِ لمَّا حضَر الرَّهن، وأشارَ إلى عَينٍ مَوجودةٍ لا يُدرَى ما هي، بخِلافِ إذا قالَ: أبيعُك على أن تعطِيني رَهنًا؛ فإنَّ هذا الإطلاقَ لا يقتَضي تَعيينًا ولا إشارةً إليه، فلِهذا كان مَمنوعًا، والقُصُود مُعتبرةٌ في العُقودِ، ألا ترى أنه لَو تزوَّج امرأةً بعبدٍ، ولم يصفْه بالصِّفاتِ التي تجِبُ في البَياعاتِ لَصحَّ النِّكاحُ وقُضِي فيه بعبدٍ وسطٍ، وما ذاك إلا لِكونِ النِّكاحِ مَبناهُ على المُسامحَةِ والرَّغبةِ في الاتصالِ، والبَياعاتُ مَبناها على المُشاحَّةِ والحِرصِ على الغبنِ. فكذلك اشتراطُ رَهنِ عَينٍ مُعينٍ. ولو قال: أنكَحْكِ بعبدٍ في بيتي، لَم يوصف، لَم يَجز ذلك لِكونِ الأمرِ ها هنا أُشيرَ به إلى مُعيَّن لا تُعرفُ صَنعتُه ولا سَلامتُه مِنَ العُيوبِ، فدلَّ ذلك على صِحَّةِ ما قُلناهُ مِنْ اعتبارِ القُصودِ في العُقودِ.
وإذا وقَع اشتِراطُ الرَّهنِ أو الضَّمينِ مُعينًا فلا يَلزمُ البائعَ قبولُ غيرِهما، وإن سدَّ

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الرهن)
(باب رهن الأرض)

(باب رهن الأرض)

(مسألة)

قال الشافعي رضي الله عنه: " إِذَا رَهَنَ أَرْضًا وَلَمْ يَقُلْ بِبِنَائِهَا وَشَجَرِهَا فَالْأَرْضُ رَهْنٌ دُونَ بِنَائِهَا وَشَجَرِهَا " .

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ: إِذَا رَهَنَ أَرْضًا ذَاتَ نَبَاتٍ وَشَجَرٍ فَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِطَ دُخُولَ نَبَاتِهَا وَشَجَرِهَا فِي الْأَرْضِ، فَيَكُونَ جَمِيعُ ذَلِكَ رَهْنًا مَعَ الْأَرْضِ وِفَاقًا.

وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِطَ خُرُوجَ نَبَاتِهَا وَشَجَرِهَا مِنَ الرَّهْنِ فَيَكُونَ جَمِيعُ ذَلِكَ خَارِجًا مِنَ الرَّهْنِ، وَتَكُونَ الْأَرْضُ وَحْدَهَا رَهْنًا.

وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يُطْلَقَ الرَّهْنُ فِي الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ فِي الْبِنَاءِ وَالْغِرَاسِ شَرْطٌ، فَالَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الرَّهْنِ أن الأرض تكون رهنا دون نباتها، وَقَالَ فِي كِتَابِ الْبُيُوعِ: إِذَا بَاعَهُ الْأَرْضَ ذَاتَ الْبِنَاءِ وَالشَّجَرِ مُطْلَقًا، كَانَ الْبِنَاءُ وَالشَّجَرُ دَاخِلًا فِي الْبَيْعِ تَبَعًا لِلْأَرْضِ، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ:

أَحَدُهَا: أَنَّ الْحُكْمَ فِي الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ سَوَاءٌ، وَأَنَّ الْبِنَاءَ وَالشَّجَرَ خَارِجٌ مِنَ الْعَقْدِ وَغَيْرُ تَابِعٍ لِلْأَرْضِ فِي الْبَيْعِ وَالرَّهْنِ، وَحَمَلُوا مَا ذَكَرُوهُ فِي الْبُيُوعِ عَلَى بَيْعِ الْأَرْضِ بِحُقُوقِهَا، وَأَمَّا مَعَ الْإِطْلَاقِ فَلَا.

وَالْمَذْهَبُ الثَّانِي: أَنَّهُمْ خَرَّجُوا فِي الرَّهْنِ مِنَ الْبُيُوعِ قَوْلًا، وَفِي الْبُيُوعِ في الرَّهْنِ قَوْلًا، وَجَعَلُوا مَسْأَلَةَ الرَّهْنِ وَالْبُيُوعِ مَعًا على قولين:

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الرهن
فصل في حكم الرهن

أَيْضًا يَخْرُجُ الرَّهْنُ بِالْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛؛ لِأَنَّ الْمَكْفُولَ بِهِ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الِاسْتِيفَاءَ مِنْ الرَّهْنِ.

فَصْلٌ فِي حُكْمِ الرَّهْنِ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا حُكْمُ الرَّهْنِ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: الرَّهْنُ نَوْعَانِ: صَحِيحٌ، وَفَاسِدٌ.

(أَمَّا) الْأَوَّلُ فَلَهُ أَحْكَامٌ بَعْضُهَا يَتَعَلَّقُ بِحَالِ قِيَامِ الْمَرْهُونِ وَبَعْضُهَا يَتَعَلَّقُ بِحَالِ هَلَاكِهِ.

(أَمَّا) الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِحَالِ قِيَامِهِ فَعِنْدَنَا ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ مِلْكُ حَبْسِ الْمَرْهُونِ عَلَى سَبِيلِ الدَّوَامِ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ، أَوْ مِلْكِ الْعَيْنِ فِي حَقِّ الْحَبْسِ عَلَى سَبِيلِ الدَّوَامِ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ، وَكَوْنُ الْمُرْتَهِنِ أَحَقَّ بِحَبْسِ الْمَرْهُونِ عَلَى سَبِيلِ اللُّزُومِ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ، وَالْعِبَارَاتُ مُتَّفِقَةُ الْمَعَانِي فِي مُتَعَارَفِ الْفُقَهَاءِ.

(وَالثَّانِي) اخْتِصَاصُ الْمُرْتَهِنِ بِبَيْعِ الْمَرْهُونِ أَوْ اخْتِصَاصُهُ بِثَمَنِهِ، وَهَذَانِ الْحُكْمَانِ أَصْلِيَّانِ لِلرَّهْنِ عِنْدَنَا.

(وَالثَّالِثُ) وُجُوبُ تَسْلِيمِ الْمَرْهُونِ عِنْدَ الِافْتِكَاكِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمة الله عليه الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ لِلرَّهْنِ وَاحِدٌ وَهُوَ كَوْنُ الْمُرْتَهِنِ أَحَقَّ بِبَيْعِ الْمَرْهُونِ وَأَخَصَّ بِثَمَنِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ.

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الرهن
٧٩٢ - مسألة؛ قال: (وإذا جرح العبد المرهون، أو قتل، فالخصم فى ذلك سيده، وما قبض بسبب ذلك من

وقَائِمًا مَقَامَهُ، فإن عَفَا الرَّاهِنُ عن المالِ، فقال القاضى: يَسْقُطُ حَقُّ الرَّاهِنِ دون حَقِّ المُرْتَهِنِ، فَتُؤْخَذُ القِيمَةُ تكون رَهْنًا، فإذا زَالَ الرَّهْنُ رَجَعَ الأَرْشُ إلى الجانِى، كما لو أقَرَّ أن الرَّهْنَ مَغْصُوبٌ أو جَانٍ. وإن اسْتَوْفَى الدَّيْنَ من الأَرْشِ، احْتَمَلَ أن يَرْجِعَ الجانِى على العَافِى؛ لأنَّ مَالَهُ ذَهَبَ فى قَضَاءِ دَيْنِه، فَلَزِمَتْهُ غَرَامَتُه، كما لو غَصَبَهُ أو اسْتَعَارَهُ فرَهَنَهُ، واحْتَمَلَ أن لا يَرْجِعَ عليه؛ لأنَّه لم يُوجَدْ منه فى حَقِّ الجانِى ما يَقتَضِى وُجُوبَ الضَّمَانِ، وإنَّما اسْتُوفِىَ بِسَبَبٍ كان منه حالَ مِلْكِه، فأَشْبَهَ ما لو جَنَى إنْسَانٌ على عَبْدِه. ثمَّ وَهَبَهُ لغيرِه، فتَلِفَ بالجِنَايَةِ السَّابِقَةِ. وقال أبو الخَطَّابِ: يَصِحُّ العَفْوُ مُطْلَقًا، ويُؤْخَذُ من الرَّاهِنِ قِيمَتُه تكونُ رَهْنًا، لأنَّه أسْقَطَ دَيْنَه عَن غَرِيمه، فصَحَّ، كسائِرِ دُيُونِه. قال: ولا يُمْكِنُ كَوْنُه رَهْنًا مع عَدَمِ حَقِّ الرَّاهِنِ فيه، فلَزِمَتْهُ القِيمَةُ، لِتَفْوِيتِه حَقَّ المُرْتَهِنِ، فأشْبَه. ما لو تَلِفَ بَدَلُ الرَّهْنِ. وقال الشَّافِعِيُّ: لا يَصِحُّ العَفْوُ أَصْلًا؛ لأنَّ حَقَّ المُرْتَهِنِ مُتَعَلِّقٌ به، فلم يَصِحّ عَفْوُ الرَّاهِنِ عنه كالرَّهْنِ نَفْسِه، وكما لو وُهِبَ الرَّهْنُ أو غُصِبَ، فَعُفِىَ عن غَاصِبِه. وهذا أصَحُّ فى النَّظَرِ، وإن قال المُرْتَهِنُ: أسْقَطْتُ حَقِّى من ذلك. سَقَطَ؛ لأنَّه يَنْفَعُ الرَّاهِنَ ولا يَضُرُّهُ. وإن قال: أسْقَطْتُ الأَرْشَ. أو: أَبْرَأْتُ منه. لم يَسْقُطْ؛ لأنَّه مِلْكٌ لِلرَّاهِنِ، فلا يَسْقُطُ بإسْقَاطِ غيرِه. وهل يَسْقُطُ حَقُّه؟ فيه وَجْهَانِ؛ أحَدُهما، يَسْقُطُ. وهو قولُ القاضى؛ لأنَّ ذلك يَتَضَمَّنُ إسْقَاطَ حَقِّه، فإذا لم يَسْقُطْ حَقُّ غيرِه…

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 254 - 257

ارجع إلى شروط صحة رهن المستعار للرهن للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 44%
البدر بعد 8 يوم
سبحان الله وبحمده