قبض الرهن ولزومه

الإسلام > المعاملات المالية > شروط صحة رهن المستعار للرهن > قبض الرهن ولزومه

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 14 دقيقة قراءة

قبض الرهن ولزومه - الأقوال والأدلة

قَبضُ الرَّهنِ ولُزومُه:

اختَلَف الفُقهاءُ في الرَّهنِ، هل يَلزَمُ بمُجرَّدِ العَقدِ؟ أم لا يَلزَمُ إلا بالقَبضِ؟

فقال المالِكيَّةُ: يَلزَمُ الرَّهنُ ويَتمُّ بالعَقدِ؛ لأنَّه عَقدٌ لَازِمٌ، فوَجَبَ أنْ يَلزَمَ بالقَولِ نَفْسِه كالنِّكاحِ؛ ولأنَّه عَقدُ وَثيقةٍ، فوَجَب أنْ يَلزَمَ بمُجرَّدِ القَولِ كالضَّمانِ، ولأنَّ الثَّمَنَ يَختلِفُ باختِلافِه إذا شُرِطَ في عَقدِ البَيعِ، فوَجَب أنْ يُلزَمَ بالشَّرطِ نَفْسِه في البَيعِ كالأجَلِ؛ ولأنَّه عَقدٌ لَازِمٌ بعدَ القَبضِ وَجَب أنْ يَكونَ لَازمًا قبلَ القَبضِ كالبَيعِ؛ ولأنَّه عَقدٌ يَصحُّ مُؤجَّلًا وَجَب أنْ يَكونَ بمُجرَّدِ القَولِ لَازمًا كالإجارةِ.

ويُجبَرُ الراهِنُ على دَفعِ الرَّهنِ لِيَحوزَه المُرتَهَنُ؛ لقَولِ اللهِ تَعالَى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] وهذا عَقدٌ، ولقَولِه : ﴿بِالْعَهْدِ﴾ [الإسراء: ٣٤]، وهذا عَهدٌ، ولقَولِ النَّبيِّ : «المُؤمِنونَ عندَ شُروطِهم»، وهذا شَرطٌ، فالقَبضُ شَرطٌ في كَمالِ فائِدَتِه.

قال الدُّسوقيُّ رحمة الله عليه: لا خِلافَ في المَذهبِ أنَّ القَبضَ ليس مِنْ حَقيقةِ الرَّهنِ، وليس شَرطًا في صِحَّتِه ولا لُزومِه، بل يَنعقِدُ ويَصحُّ ويَلزَمُ بمُجرَّدِ القَولِ، ثم يَطلُبُ المُرتَهَنُ الإقباضَ (١).

(١) «حاشية الدسوقي على الشرح الكبير» (٤/ ٣٧٤)، ويُنظر: و «منح الجليل» (٥/ ٤١٩)، و «الإشراف» (٣/ ٨) رقم (٨٦٣)، و «تحرير المقالة» (٦/ ١٩٢)، و «الجامع لِمسائل المدونة» (١٢/ ٥١٤)، و «بداية المجتهد» (٢/ ٢٠٦)، و «تفسير القرطبي» (٣/ ٤١٠).

وقال جُمهورُ الفُقهاءِ الحَنفيَّةُ والشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ في المَذهبِ: يَصحُّ الرَّهنُ بمُجرَّدِ العَقدِ، ولكنْ لا يَلزَمُ الرَّهنُ إلا بالقَبضِ، ولا يَلزَمُ بمُجرَّدِ العَقدِ، فيَجوزُ لِلراهِنِ الرُّجوعُ في الرَّهنِ ما لَم يَقبِضْه المُرتَهَنُ، ولا يَجوزُ لِلمُرتَهَنِ قَبضُه إلا بإذْنِ الراهِنِ؛ لأنَّه لا يَلزَمُه تَقبيضُه، فاعتُبِرَ إذْنُه في قَبضِه كالواهِبِ، فإنْ تَعَدَّى المُرتَهَنُ فقَبَضه بغَيرِ إذْنٍ لَم يَثبُتْ حُكمُه، وكان بمَنزِلةِ مَنْ لَم يَقبِضْ، وإنْ أذِنَ الراهِنُ في القَبضِ ثم رَجَع عن الإذْنِ قَبلَه زالَ حُكمُ الإذْنِ.

وإنْ رَجَع عن الإذْنِ بعدَ قَبضِه لَم يُؤثِّرْ رُجوعُه؛ لأنَّ الرَّهنَ قد لَزِمَ؛ لاتِّصالِ القَبضِ به.

فإنْ قبَضه بإذْنِه لَزِمَ الرَّهنُ؛ لقَولِ اللهِ تَعالَى: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ [البقرة: ٢٨٣].

والدِّلالةُ فيها مِنْ ثَلاثةِ أَوْجُهٍ:

أحَدُها: أنَّه وَصفُ الرَّهنِ بالقَبضِ فوَجَب أنْ يَكونَ شَرطًا في صِحَّتِه كوَصفِ الرَّقبةِ بالإيمانِ والاعتِكافِ في المَسجِدِ والشَّهادةِ بالعَدالةِ، ثم كانتْ هذه الأوصافُ شُروطًا، فكذا القَبضُ.

والثاني: أنَّه ذَكَر غيرَ الرَّهنِ مِنَ العُقودِ، ولَم يَصِفْها بالقَبضِ، وذَكَرَ الرَّهنَ ووَصَفه بالقَبضِ، فلا يَخلو من أنْ يَكونَ وَصَفَ الرَّهنَ بالقَبضِ -إمَّا لاختِصاصِه به، أو لِيَكونَ تَنبيهًا على غَيرِه-، وأيَّهما كان فهو دَليلٌ على لُزومِه فيه.

والثالِثُ: أنَّ ذِكرَ القَبضِ يُوجِبُ فائِدةً شَرعيَّةً لا تُستَفادُ بحَذفِ ذِكرِه،

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الرهن
فصل في حكم الرهن

أَيْضًا يَخْرُجُ الرَّهْنُ بِالْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛؛ لِأَنَّ الْمَكْفُولَ بِهِ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الِاسْتِيفَاءَ مِنْ الرَّهْنِ.

فَصْلٌ فِي حُكْمِ الرَّهْنِ

(فَصْلٌ) :

وَأَمَّا حُكْمُ الرَّهْنِ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: الرَّهْنُ نَوْعَانِ: صَحِيحٌ، وَفَاسِدٌ.

(أَمَّا) الْأَوَّلُ فَلَهُ أَحْكَامٌ بَعْضُهَا يَتَعَلَّقُ بِحَالِ قِيَامِ الْمَرْهُونِ وَبَعْضُهَا يَتَعَلَّقُ بِحَالِ هَلَاكِهِ.

(أَمَّا) الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِحَالِ قِيَامِهِ فَعِنْدَنَا ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ مِلْكُ حَبْسِ الْمَرْهُونِ عَلَى سَبِيلِ الدَّوَامِ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ، أَوْ مِلْكِ الْعَيْنِ فِي حَقِّ الْحَبْسِ عَلَى سَبِيلِ الدَّوَامِ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ، وَكَوْنُ الْمُرْتَهِنِ أَحَقَّ بِحَبْسِ الْمَرْهُونِ عَلَى سَبِيلِ اللُّزُومِ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ، وَالْعِبَارَاتُ مُتَّفِقَةُ الْمَعَانِي فِي مُتَعَارَفِ الْفُقَهَاءِ.

(وَالثَّانِي) اخْتِصَاصُ الْمُرْتَهِنِ بِبَيْعِ الْمَرْهُونِ أَوْ اخْتِصَاصُهُ بِثَمَنِهِ، وَهَذَانِ الْحُكْمَانِ أَصْلِيَّانِ لِلرَّهْنِ عِنْدَنَا.

(وَالثَّالِثُ) وُجُوبُ تَسْلِيمِ الْمَرْهُونِ عِنْدَ الِافْتِكَاكِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمة الله عليه الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ لِلرَّهْنِ وَاحِدٌ وَهُوَ كَوْنُ الْمُرْتَهِنِ أَحَقَّ بِبَيْعِ الْمَرْهُونِ وَأَخَصَّ بِثَمَنِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ.

الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الرهن)
(فصل)

(وَفَارَقَتْكَ بِدَيْنٍ لَا فَكَاكَ لَهُ ... يَوْمَ الْوَدَاعِ فأنسى الدين قَدْ غَلِقَا)

وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَقْرَبُ النَّفَقَةُ.

وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَهَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دِرْعَهُ عِنْدَ أَبِي الشَّحْمِ الْيَهُودِيِّ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ هَلْ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَبْلَ فَكَاكِهِ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: افْتَكَّهُ قَبْلَ مَوْتِهِ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ: نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى وَهَذِهِ صِفَةٌ تَنْتَفِي عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -.

وَقَالَ آخَرُونَ وَهُوَ الصَّحِيحُ: أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ فَكَاكِهِ لِرِوَايَةِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى مَحْمُولًا عَلَى مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً.

(فَصْلٌ)

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الرهن
٧٩٣ - مسألة؛ قال: (وإذا اشترى منه سلعة، على أن يرهنه بها شيئا من ماله يعرفانه، أو على أن ي

كان مَشْرُوطًا فى عَقْدِ البَيْعِ. ويُجْبَرُ عليه المُشْتَرِى. وإن وجَدَهُ الحاكِمُ دَفَعَهُ إلى البائِع؛ لأنَّ عَقْدَ البَيْعِ وَقَعَ عليه، فأشْبَهَ الخِيَارَ. وقال القاضى: ما عدا المَكِيلَ والمَوْزُونَ يَلْزَمُ فيه الرَّهْنُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ. وقد مَضَى الكَلَامُ معهم فى أوَّلِ البابِ. ولأنَّه رَهْنٌ، فلم يَلْزَمْ قبلَ القَبْضِ، كما لو لم يكن مَشْرُوطًا فى البَيْعِ، أو كغيرِ المَكِيلِ والمَوْزُونِ، وإنَّما لَزِمَ الخِيَارُ والأجَلُ بالشَّرْطِ، لأنَّه مِن تَوَابِعِ البَيْعِ، لا يَنفَرِدُ بِنَفْسِه، والرَّهْنُ عَقْدٌ مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِه ليس من التَّوَابِعِ، ولأنَّ الخِيَارَ والأَجَلَ يَثْبُتُ بالقَوْلِ، ولا يَفْتَقِرُ إلى تَسْلِيمٍ، فاكْتُفِىَ فى ثُبُوتِه بمُجَرَّدِ القَوْلِ، بخِلَافِ الرَّهْنِ. وأَمَّا الضَّمِينُ، فلا خِلَافَ فى أنَّه لا يَلْزَمُه الضَّمَانُ، إذْ لا يَلْزَمُه شَغْلُ ذِمَّتِه وأَدَاءُ دَيْنِ غيرِه بِاشْتِرَاطِ غيره. ولو وَعَدَهُ بأنَّه يَضْمَنُ، ثمَّ لم يَفْعَلْ، لم يَلْزَمْ فى الحُكْمِ، كما لو وَعَدَهُ أَنَّه يَبِيعُه، ثمَّ أَبَى ذلك. ومتى لم يَفِ المُشْتَرِى لِلْبَائِعِ بِشَرْطِه، كان له الفَسْخُ، كما لو شَرَطَ له صِفَةً فى الثَّمَنِ، فلم يَفِ بها، ولأنَّه أحَدُ المُتَعَاقِدَيْنِ، فإذا لم يَفِ بما شَرَطَ فى العَقْدِ، ثَبَتَ الخِيَارُ لِصَاحِبِه، كالبائِعِ إذا شَرَطَ المَبِيعَ على صِفَةٍ، فبَانَ بِخِلَافِها.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 265 - 266

ارجع إلى شروط صحة رهن المستعار للرهن للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.8 / 29.5
الإضاءة 43%
البدر بعد 8 يوم
حسبنا الله ونعم الوكيل