اعتبار قيمة الرهن المضمون

الإسلام > المعاملات المالية > ما يبطل به عقد الرهن قبل القبض > اعتبار قيمة الرهن المضمون

آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50

📖 11 دقيقة قراءة

اعتبار قيمة الرهن المضمون - الأقوال والأدلة

اعتبارُ قيمةِ الرَّهنِ المَضمونِ:

قال الحَنفيَّةُ: إنَّ قيمةَ المَرهونِ إذا هَلَك تُعتبَرُ يَومَ القَبضِ؛ لأنَّه يَومَئِذٍ دَخَلَ في ضَمانِه، وفيه يَثبُتُ الاستِيفاءُ يَدًا، ثم يَتقرَّرُ بالهَلاكِ؛ لأنَّ القَبضَ السابِقَ مَضمونٌ عليه؛ لأنَّه قَبضُ استِيفاءٍ، إلا أنَّه يَتقرَّرُ عندَ الهَلاكِ.

وأمَّا إذا استَهلَكَه المُرتَهَنُ أو أجنبيٌّ تُعتبَرُ قيمَتُه يَومَ الاستِهلاكِ؛ لِوُرودِه على العَينِ المُودَعةِ، وتَكونُ القيمةُ رَهنًا عندَه.

وإنِ استَهلَكَه أجنبيٌّ فالمُرتَهَنُ هو الخَصمُ في تَضمينِه، ويأخُذُ القيمةَ فتَكونُ رَهنًا في يَدِه، والواجِبُ على هذا المُستَهلِكِ قيمَتُه يَومَ هَلَك، فإنْ كانتْ قيمَتُه يَومَ استَهلَكَه خَمسَمِئةٍ، ويَومَ الرَّهنِ ألْفًا، غُرِّمَ خَمسَمِئةٍ، وكانت رَهنًا، ويَسقُطُ مِنَ الدَّينِ خَمسُمِئةٍ ويَكونُ الحُكمُ في الخَمسِمِئةِ الزائِدةِ كأنَّها هَلَكتْ بآفةٍ سَماويَّةٍ، والمُعتبَرُ في ضَمانِ القيمةِ هو يَومُ القَبضِ لا يَومُ الهَلاكِ؛ لأنَّ القَبضَ السابِقَ مَضمونٌ عليه؛ لأنَّه قَبضُ استِيفاءٍ، إلا أنَّه يَتقرَّرُ عليه عندَ الهَلاكِ.

فإذا ضمِن الأجنبيُّ القيمةَ، وكان الدَّينُ مُؤجَّلًا، كانت القيمةُ رَهنًا مَكانَه، وإنْ كان حالًّا، وكان الضَّمانُ مِنْ جِنسِ حَقِّه اقتُضيَ منه فإنْ بَقيَ شَيءٌ كان للراهِنِ، وإنْ لَم يَكُنْ مِنْ جِنسِ حَقِّه طالَبَ بدَيْنِه، أو باعَ القيمةَ (١).

وقال المالِكيَّةُ: الرَّهنُ إذا ضاعَ أو تلِف عندَ المُرتَهَنِ فاختَلَفا في قيمَتِه

(١) «الجوهرة النيرة» (٣/ ٢١٥)، و «الاختيار» (٢/ ٦٥)، و «رد المحتار مع حاشية ابن عابدين» (٦/ ٥١٠)، و «الهداية» (٤/ ١٤٨)، و «المجلة» مادة (٧٤٢)، و «درر الحكام» (٢/ ١٢١)، و «مجمع الأنهر» (٤/ ٢٧٢)، و «مجمع الضمانات» (٢٨٢).

لِلشَّهادةِ على الدَّينِ أو لِيُغَرَّمَها المُرتَهَنُ، حيثُ يَتوَجَّهُ عليه الغُرمُ، فإنَّهما يَتواصَفانه، ثم يُدعى له المُقوِّمونَ، فإنِ اتَّفَقا على الصِّفةِ فإنَّ أهلَ الخِبرةِ يُقوِّمونها ويُقضى بقَولِهم، وهو مِنْ بابِ الشَّهادةِ، فلا بُدَّ مِنَ التَّعدُّدِ، لا مِنْ بابِ الإخبارِ.

فإنِ اختَلَفا -أي: الراهِنُ والمُرتَهَنُ- في الدَّينِ، أو في صِفةِ الرَّهنِ فالقَولُ قَولُ المُرتَهَنِ، ولو ادَّعى شَيئًا يَسيرًا؛ لأنَّه غارَمٌ، وقال أشهَبُ: إلا أنْ يَتبيَّنَ كَذِبُه لِقِلَّةِ ما ذُكِرَ جِدًّا.

فإنْ هَلَك أو ضاعَ عندَ المُرتَهَنِ وجَهِلَ الراهِنُ، والمُرتَهَنُ صِفَتَه وقيمَتَه بأنْ قال كلٌّ: «لا أعلَمُ قيمَتَه الآنَ، ولا صِفتَه»، فإنَّه لا شَيءَ لِواحِدٍ منهما قبلَ صاحِبِه؛ لأنَّ كلًّا لا يَدري هل يَفضُلُ له شَيءٌ عندَ صاحِبِه أو لا.

وإذا كان الرَّهنُ مَوجودًا واختَلَف الراهِنُ والمُرتَهَنُ في قَدْرِ الدَّينِ فإنَّ قيمَتَه تُعتبَرُ يَومَ الحُكمِ؛ لِتَكونَ شاهِدةً لأيِّهما، لا يَومَ الارتِهانِ؛ لأنَّ الشاهِدَ إنَّما تُعتبَرُ شَهادَتُه يَومَ الحُكمِ بها، فكذلك الرَّهنُ.

وفي اعتبارِ القيمةِ -إذا تلِف الرَّهنُ واختَلَفا في قَدْرِ الدَّينِ- ثَلاثةُ أقوالٍ، كلُّها مَرويَّةٌ عن ابنِ القاسِمِ:

الأوَّلُ: تُعتبَرُ قيمَتُه يَومَ التَّلَفِ؛ لأنَّ قيمةَ الرَّهنِ إنَّما تُعتبَرُ يَومَ الضَّياعِ؛ لأنَّ عَينَه كانتْ أوَّلًا شاهِدةً.

الثاني: تُعتبَرُ قيمَتُه يَومَ القَبضِ؛ لأنَّ القيمةَ كالشاهِدِ يَضَعُ خَطَّهُ ويَموتُ فيُرجَعُ لِخَطِّه فيُقضى بشَهادَتِه يَومَ وَضعِها.

التوسع في الدليل عند أئمة المذاهب

بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الرهن
فصل في شرائط كون المرهون مضمونا عند الهلاك

فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام : «لَا يَغْلَقُ الرَّهْنُ» أَيْ لَا يَهْلِكُ، إذْ الْغَلْقُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْهَلَاكِ، كَذَا قَالَ بَعْضُ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَعَلَى هَذَا كَانَ الْحَدِيثُ حُجَّةً عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ يَذْهَبُ بِالدَّيْنِ؛ فَلَا يَكُونُ هَالِكًا مَعْنًى، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَيْ لَا يَسْتَحِقُّهُ الْمُرْتَهِنُ وَلَا يَمْلِكُهُ عِنْدَ امْتِنَاعِ الرَّاهِنِ عَنْ قَضَاءِ الدَّيْنِ، وَهَذَا كَانَ حُكْمًا جَاهِلِيًّا، جَاءَ الْإِسْلَامُ فَأَبْطَلَهُ، وَقَوْلُهُ: عليه الصلاة والسلام عَلَيْهِ غُرْمُهُ، أَيْ نَفَقَتُهُ وَكَنَفُهُ، وَنَحْنُ بِهِ نَقُولُ: إنَّهُ وَثِيقَةٌ، قُلْنَا: مَعْنَى التَّوْثِيقِ فِي الرَّهْنِ هُوَ التَّوَصُّلُ إلَيْهِ فِي أَقْرَبِ الْأَوْقَاتِ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لِلْمُرْتَهِنِ وِلَايَةُ مُطَالَبَةِ الرَّاهِنِ بِقَضَاءِ الدَّيْنِ مِنْ مُطْلَقِ مَالِهِ، وَبَعْدَ الرَّهْنِ حَدَثَتْ لَهُ وِلَايَةُ الْمُطَالَبَةِ بِالْقَضَاءِ مِنْ مَالِهِ الْمُعَيَّنِ وَهُوَ الرَّهْنُ بِوَاسِطَةِ الْبَيْعِ فَازْدَادَ طَرِيقُ الْوُصُولِ إلَى حَقِّهِ؛ فَحَصَلَ مَعْنَى التَّوْثِيقِ.

فَصْلٌ فِي شَرَائِطُ كَوْن الْمَرْهُون مَضْمُونًا عِنْدَ الْهَلَاكِ

(فَصْلٌ) :

المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الرهن
٧٨٦ - مسألة؛ قال: (وإذا قبض الرهن من تشارطا أن الرهن يكون على يده، صار مقبوضا)

لا يكونُ مَقْبُوضًا بذلك؛ لأنَّ القَبْضَ مِن تَمَامِ العَقْدِ، فتَعَلَّقَ بأحَدِ المُتَعَاقِدَيْنِ، كالإِيجابِ والقَبُولِ. ولَنا، أنَّه قَبْضٌ فى عَقْدٍ، فجازَ فيه التَّوْكِيلُ، كسَائِرِ القُبُوضِ، وفَارَقَ القَبُولَ؛ لأنَّ الإِيجَابَ إذا كان لِشَخْصٍ كان القَبُولُ منه، لأنَّه يُخَاطَبُ به، ولو وَكَّلَ فى الإِيجَابِ والقَبُولِ قبلَ أن يُوجِبَ له، صَحَّ أيضا، وما ذَكَرُوه يَنْتَقِضُ بالقَبْضِ فى البَيْعِ، فيما يُعْتَبَرُ القَبْضُ فيه. إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يجوزُ أن يَجْعَلَا الرَّهْنَ على يَدَىْ مَن يجوزُ تَوْكِيلُه، وهو الجائِزُ التَّصَرُّفِ، مُسْلِمًا كان أو كَافِرًا، عَدْلًا أو فَاسِقًا، ذَكَرًا أو أُنْثَى، ولا يجوزُ أن يكونَ صَبِيًّا؛ لأنَّه غيرُ جائِزِ التَّصَرُّفِ مُطْلَقًا، فإن فَعَلَا كان قَبْضُه وعَدَمُ القَبْضِ واحِدًا ، ولا عَبْدًا بغيرِ إِذْنِ سَيِّدِه؛ لأنَّ مَنَافِعَ العَبْدِ لِسَيِّدِه، فلا يجوزُ تَضْيِيعُها فى الحِفْظِ بغير إِذْنِهِ ، فإن أَذِنَ له السَّيِّدُ، جَازَ. وأما المُكَاتَبُ، فإن كان بِجُعْلٍ، جازَ؛ لأنَّ له الكَسْبَ، وبَذْلَ مَنَافِعِه بغيرِ إِذْنِ السَّيِّدِ، وإن كان بغيرِ جُعْلٍ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه ليس له التَّبَرُّعُ بمَنَافِعِه.

المصدر والمرجع

المصدر: موسوعة الفقه على المذاهب الأربعة
المؤلف: ياسر بن أحمد بن بدر النجار
الصفحات: 300 - 301

ارجع إلى ما يبطل به عقد الرهن قبل القبض للاطلاع على جميع المسائل.

بسم الله الرحمن الرحيم الجمعة 5 ربيع الآخر
هلال متزايد اليوم 6.7 / 29.5
الإضاءة 42%
البدر بعد 8 يوم
لا إله إلا الله