الإسلام > المعاملات المالية > ما يبطل به عقد الرهن قبل القبض > يد المرتهن على الرهن
آخر تحديث 09 أغسطس 2026 - 21:50
📖 36 دقيقة قراءةباستِئنافِ عَقدٍ صَحيحٍ، كما لو رَهَنه المُشتَري في خيارِ البائِعِ كان رَهنًا باطِلًا، وإنْ تَمَّ مِلكُه عليه، فلو لَم يَعلَمِ المُشتَري بالعَيبِ حتى رَهَنه ثم عَلِمَ به صَحَّ رَهنُه، ولَم يَكُنْ له رَدُّه ما كان باقيًا، وفيما يَستحِقُّه بالعَيبِ وَجهانِ مَضَيا في البُيوعِ، أحَدُهما: يَستحِقُّ الأرشَ في الحالِ، والآخَرُ: يَنتَظِرُ ما يَكونُ مِنْ حالِه في الرَّهنِ، فإنْ بِيعَ فيه رجَع بالأرشِ، وإنْ فَكَّهُ مِنَ الرَّهنِ رَدَّه بالعَيبِ (١).
يَدُ المُرتَهَنِ على الرَّهنِ:
اختَلَف الفُقهاءُ في يَدِ المُرتَهَنِ هل هي يَدُ ضَمانٍ أم يَدُ أمانةٍ؟ أي: إذا هَلَك المَرهونُ في يَدِ المُرتَهَنِ بدونِ تَعَدٍّ منه ولا تَفريطٍ هل يَضمَنُه ويَسقُطُ مِنَ الدَّينِ المَرهونِ بمِقدارِ الهالِكِ أم لا يَضمَنُه؟
بَعدَ اتِّفاقِهم على أنَّ المَرهونَ إذا تلِف عندَ المُرتَهَنِ بجِنايَتِه أو تَفريطٍ في حِفظِه فإنَّه يَضمَنُه.
فذهَب الحَنفيَّةُ إلى أنَّ يَدَ المُرتَهَنِ يَدُ أمانةٍ بالنَّظَرِ إلى عَينِ المالِ المَرهونِ، لكنَّها مع ذلك تُعَدُّ يَدَ استِيفاءٍ بالنِّسبةِ لِما يُعادِلُ الدَّينَ مِنْ مالِيَّةِ الرَّهنِ، بمَعنى أنَّ ما يُساوي الدَّينَ مِنْ مالِيَّةِ الرَّهنِ تُعَدُّ يَدُ المُرتَهَنِ فيه يَدَ استِيفاءٍ، فإذا امتَنَع رَدُّ المَرهونِ بسَبَبٍ مِنَ الأسبابِ كان المُرتَهَنُ مُستوفِيًّا مِنْ دَينِه هذا المِقدارَ واحتُسِبَ مِنْ ضَمانِه نَتيجةً لذلك.
(١) «الحاوي الكبير» (٦/ ٨٠، ٨١)، و «الأم» (٣/ ١٥٣)، «الوسيط» (٤/ ٥٧)، و «المغني» (٤/ ٢٢٨)، و «كشاف القناع» (٣/ ٣٨٢).
وأمَّا ما زاد مِنْ قيمةِ المَرهونِ على الدَّينِ فهو أمانةٌ يَهلِكُ هَلاكَ الأماناتِ، فلا يُضمَنُ إلا بالتَّعدِّي أو التَّقصيرِ.
يَعني أنَّ الرَّهنَ يَهلِكُ بالأقَلِّ مِنْ قيمَتِه ومِنَ الدَّينِ، فإنْ كان مُساويًا لِلدَّينِ أو أكثَرَ سَقَطَ الدَّينُ، وإنْ كانتْ زيادةَ أمانةٍ تَهلِكُ على صاحِبِها -وهو الراهِنُ- وإنْ كانتْ أقَلَّ مِنَ الدَّينِ هَلَكتْ بقيمَتِها ورَجَع المُرتَهَنُ على الراهِنِ بما بَقيَ له مِنْ دَينِه، وإنْ لَم تُعرَفْ قيمةُ المَرهونِ.
بَيانُه: إذا رهَن ثَوبًا قيمَتُه عَشَرةٌ بعَشَرةٍ فهَلَك عندَ المُرتَهَنِ سَقَط دَينُه، وإنْ كانت قيمةُ الثَّوبِ خَمسةً يَرجِعُ المُرتَهَنُ على الراهِنِ بخَمسةٍ أُخرى، وإنْ كانتْ قيمَتُه خَمسةَ عَشَرَ فالفَضلُ أمانةٌ.
ومِثلُ المَرهونِ في ذلك المَبيعُ مَبيعًا بالوَفاءِ (١) في يَدِ المُشتَري، فهو مَضمونٌ
(١) بَيعُ الوَفاءِ هو أن يَقولَ البائعُ لِلمشتَري: بعتُ منكَ هذا العَينَ بما لَك عليَّ مِنَ الدَّينِ على أني مَتى قضيتُ الدَّينَ فهو لِي، أو يَقولُ البائعُ: بعتُك هذا بكَذا على أني مَتى دَفعت لَك الثَّمنَ تَدفعُ العَينَ إليَّ.
قالَ في «درر الحكام» (١/ ١٩): استِعمالُ كَلمةِ البيعِ فيه- أي بَيع الوَفاءِ- التي تَتضمَّنُ تَمليكَ المَبيعِ لِلمشتَري أثناءَ العقدِ لا يُفيدُ التَّمليكَ؛ لأنَّه لَم يكنْ مَقصودًا مِنَ الفَريقينِ بلِ المَقصودُ به هو تَأمينُ دَينِ المُشتَري المُترتبِ في ذمَّةِ البائعِ وَإبقاءُ المَبيعِ تحتَ يدِ المُشتَري لِحينِ وَفاءِ الدَّينِ ولذلكَ لَم يَخرجِ العقدُ عن كَونِه، عَقد رَهنٍ فَيجرِي به حُكمُ الرَّهنِ ولا يَجرِي حُكمُ البيعِ بِناءً على ما تقدَّم يحقُّ لِلبائعِ بيعًا وَفائيًّا أن يُعيدَ الثَّمنَ ويستَردّ المَبيعَ كما أنه يحقُّ لِلمُشتَري أن يُعيدَ المَبيعَ ويَسترجِعَ الثَّمنَ، ولو كانَ العَقدُ بَيعًا حَقيقيًّا لَما جازَ إعادةُ المَبيعِ واستِردادُ الثَّمنِ إلا باتِّفاقٍ مِنَ الفَريقَينِ على إقالةِ المَبيعِ مِثال: لَو اشتَرى شَخصٌ مِنْ بقَّالٍ رطلَ سُكرٍ وقالَ لَه: خذْ هذه السَّاعةَ أمانةً عندَك حتى أُحضرَ لَك الثَّمنَ فالسَّاعةُ لا تَكونُ أمانةً عندَ البقَّالِ بل يَكونُ حكمُها حكمَ الرَّهنِ، وللبقالِ أن يُبقيَها عندَه حتى يَستوفِيَ =
عليه ضَمانَ الرَّهنِ، أي أنَّه إذا هَلَك في يَدِه يَضمَنُ مِنْ قيمَتِه بمِقدارِ الثَّمَنِ المَدفوعِ، كما يَضمَنُ المُرتَهَنُ ما يُعادِلُ مِقدارَ الدَّينِ إذا هَلَك الشَّيءُ المَرهونُ.
واستَدَلَّ الحَنفيَّةُ لِمَذهبِهم بقَولِ اللهِ ﷾: ﴿فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]، فعَطَفَ بذِكرِ الأمانةِ على الرَّهنِ، فذلك يَدلُّ على أنَّ الرَّهنَ ليس بأمانةٍ، وإذا لَم يَكُنْ أمانةً كان مَضمونًا؛ إذْ لو كان الرَّهنُ أمانةً لَما عَطَفَ عليه الأمانةَ؛ لأنَّ الشَّيءَ لا يُعطَفُ على نَفْسِه، وإنَّما يُعطَفُ على غَيرِه.
وبما رُوِيَ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: «الرَّهنُ بما فيه» (١)، أي: يَهلِكُ بالدَّينِ الذي رُهِنَ فيه مِنَ الدُّيونِ.
= دينَه، فلَو كانَت أمانةً كما ذكَر المُشتَري لَحُقَّ لَه استِرجاعُها مِنَ البائِع بِصفتِها أمانةً يجبُ على الأمينِ إعادَتُها. ويُنظر: «البحر الرائق» (٦/ ٨)، و «حاشية ابن عابدين» (٥/ ٢٧٦)، و «التعريفات» لِلجرجاني (١/ ٦٩)، وغيرها.
(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه الدارقطني (٣/ ٣٢ - ٣٤) في البيوع والبيهقي في «الكبرى» (٦/ ٤٠)، وابن عدي في «الكامل» (١/ ٣٢١)، مِنْ طَريقِ إسْماعيلَ بنِ أبي أميَّةَ عن سَعيدِ بنِ راشدٍ عَنْ حُميد الطَّويلِ ورَواه عن حمَّاد بنِ سلَمةَ عن قَتادةَ كِلاهُما عن أنسٍ به.
قالَ الدَّارقطنِيُّ: إسْماعِيلُ هذا يضعُ الحديثَ، وهذا باطلٌ عن قَتادةَ وحمَّاد بنِ سلَمةَ واللهُ أعلمُ. وقالَ ابنُ عَديٍّ: وإسْماعيلُ هذا لا أَعرفُه إلا بهذا الحديثِ، وهو حديثٌ مُعضلٌ بهذا الإسنادِ.
ورواه البَيهقيُّ في «الكبرى» (٦/ ٤٠)، وفي «معرفة السنن والآثار» (٤/ ٤٤٣)، عن أبي هُريرةَ مَرفوعًا به. ثم قالَ: مُنقطعٌ وإسنادُه غيرُ قويٍّ.
ورواه أبو داود في «مراسيله» (١٨٩)، عن طَاووسٍ مُرسلًا. وفيه زمعةُ بن صَالحٍ وهو ضعيفٌ.
وبما رُويَ عن عَطاءٍ أنَّ رَجُلًا رهَن فَرَسًا فنَفَق -أي: مات- عندَ المُرتَهَنِ، فجاء إلى النَّبيِّ ﷺ فأخبَرَه بذلك، فقال له: «ذهَب حَقُّكَ» (١)، ففي هذَيْنِ الحَديثَيْنِ دِلالةٌ على أنَّ المُرتَهَنَ تَحمَّلَ تَبِعةَ الهَلاكِ
(١) رواه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٤/ ٥٢٤)، وأبو داود في «مراسيله» (١٨٨)، والبيهقي في «الكبرى» (٦/ ٤١)، عن عبدِ اللهِ بنِ المُباركِ عن مُصعبِ بنِ ثابتٍ قال: سَمعتُ عطاءً يحدِّثُ فذكَره.
قلتُ: هو مُرسلٌ وفيه مُصعبُ بنُ ثابتٍ وهو ابنُ عبدِ اللهِ بنِ الزُّبيرِ، وقد ضعَّفه أهلُ العِلمِ، فقالَ فيه الإمامُ أحمدُ: ضعيفُ الحديثِ. وقال ابنُ مَعينٍ: ضعيفٌ. وقال أبو حاتمٍ: كثيرُ الغَلطِ لَيسَ بالقويِّ. وقالَ النَّسائيُّ: لَيس بالقويِّ. وقال الدَّارقطنيُّ كذلك. وقالَ عبدُ الحقِّ الإشبيلِيُّ: هو مرسلٌ وضعيفٌ. انظرْ: «نصب الراية» (٤/ ٣٢١)، و «بيان الوهم والإيهام» (٣/ ٥٢٨) لابن القطَّانِ.
وقالَ البيهقيُّ: والأصلُ في هذا البابِ حديثٌ مرسلٌ، وفيه مِنَ الوهَنِ ما فيه .. فذكَره ثم قالَ: وقد كفَانا الشَّافعيُّ رحمة الله عليه بيانَ وهَنِ هذا الحديثِ، وذلك فيما أجازَ لِي أبو عبدِ اللهِ الحافظُ روايتَه عنه أنَّ أبا العبَّاسِ حدَّثهم، قال: أنبأ الربيعُ الشَّافعيَّ أنبأَ إبرَاهِيمُ عن مُصعبِ بن ثابتٍ عن عَطاءٍ قال: زعَم الحَسنُ كذا ثم حكَى هذا القولَ، قالَ إبرَاهِيمُ: كان عطاءٌ يتعجَّبُ مما روى الحَسنُ، قال الشَّافعيُّ: وأخبرنِيهُ غيرُ واحدٍ عن مُصعبٍ عن عطاءٍ عن الحَسنِ وأخبَرنِي مِنْ أثقُ به أن رَجلًا مِنْ أهلِ العِلمِ رواهُ عن مُصعبٍ عن عطاءٍ عن النبيِّ ﷺ وسكَت عن الحَسنِ فقلتُ لَه: أصحابُ مُصعبٍ يروُونَه عن عطاءٍ عن الحَسنِ، فقالَ: نَعم، كذلك حدَّثنا ولكنَّ عطاءً مرسلٌ أنفق مِنَ الحَسنِ مرسلٌ، قالَ الشَّافعيُّ: ومما يدلُّك على وهَنِ هذا عندَ عطاءٍ وإن كان رواهُ أن عطاءً يُفتي بخِلافِه ويَقولُ فيه بخِلافِ هذا كلِّه، يَقولُ فيما ظهَر هلاكُه أمانَة، وفيما خفِي هلاكُه يترَّادانِ الفَضل، وهذا أثبتُ الرِّواياتِ عنه. وقد رُوي عنه يترادَّانِ مُطلقةً وما شكَكْنا فيه، فلا نشكُّ أن عطاءً -إن شاءَ اللهُ- لا يروِي عن النَّبيِ ﷺ مُثبتًا عندَه ويَقولُ بخِلافِه مع أني لَم أعلَمْ أحدًا يروِي هذا عن عطاءٍ يرفعُه.
حيثُ سَقَطَ دَينُه في مُقابِلِ هَلاكِ المَرهونِ، وهو ما يَدلُّ على أنَّ يَدَ المُرتَهَنِ يَدُ ضَمانٍ بالنِّسبةِ إلى ما يُعادِلُ قَدْرَ الدَّينِ.
ووَجْهُ الدّلالةِ أنَّه لا يَجوزُ أنْ يُقالَ ذهَب حَقُّكَ في الحَبسِ؛ لأنَّ هذا مما لا يُشكِلُ، ولأنَّ ذِكرَ الحَقِّ مُنَكَّرًا في أوَّلِ الحَديثِ، ثم إعادَتَه مُعَرَّفًا يَكونُ المُرادُ بالمُعرَّفِ ما هو المُرادُ بالمُنكَّرِ، قال الله ﷾: ﴿كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ﴾ [المزمل: ١٥ - ١٦].
ولأنَّ السَّلَفَ مِنَ الصَّحابةِ والتابِعينَ اتَّفَقوا على ضَمانِ الرَّهنِ، إلا أنَّهم اختَلَفوا في كيفيةِ ضَمانِه (١).
وذهَب جُمهورُ الفُقهاءِ الشافِعيَّةُ والحَنابِلةُ وهو مَذهبُ المالِكيَّةِ في الجُملةِ إلى أنَّ يَدَ المُرتَهَنِ يَدُ أمانةٍ، فإذا هَلَك المَرهونُ لا يَضمَنُه إلا بالتَّعدِّي أو بالتَّقصيرِ في الحِفظِ.
واستَدَلُّوا بما رَوَى أبو هُرَيرةَ رضي الله عنه عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال: «لا يَغلَقُ الرَّهنُ ممَّن رَهَنه -أي: لا يُؤخَذُ منه قَسرًا-، له غُنْمُه وعليه غُرْمُه» (٢)،
(١) يُنظر: «بدائع الصنائع» (٦/ ١٥٤، ١٥٥)، و «المبسوط» (٢١/ ٦٥، ٦٦)، و «الجوهرة النيرة» (٣/ ١٨٣)، و «أحكام القرآن» (٢/ ٢٦٢)، و «مختصر اختلاف العُلماء» لِلطحاوي (٤/ ٣٠٩)، و «مختصر الوقاية» (٢/ ١٥٤)، و «رد المحتار» (٥/ ١٢)، و «جامع الفصولين» (٢/ ١٦٠).
(٢) رواه بن حبان في «صحيحه» (٥٩٣٤)، والدارقطني في «سننه» (٣/ ٣٢)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٦٨) مِنْ طريقِ ابنِ عُيينةَ عن زِيادِ بنِ سَعدٍ عن الزُّهريِّ عن سَعيدِ بنِ المُسيّبِ عن أبي هُريرةَ مَرفوعًا به.
قال الدراقطني: زيادُ بنُ سعدٍ مِنَ الحفَّاظِ الثِّقاتِ، وهذا إسنادٌ حسنٌ متَّصلٌ. =
ووَجهُ الاستِدلالِ به أنَّه ﷺ جعَل غُرمَه -وهو هَلاكُه- على الراهِنِ، وذلك مُقتَضى الأمانةِ.
فجَميعُ ما كان رَهنًا غيرُ مَضمونٍ على المُرتَهَنِ؛ لأنَّ رَسولَ اللهِ ﷺ قال: «الرَّهنُ مِنْ صاحِبِه الذي رهَنه»، فما كان منه مِنْ شَيءٍ فضَمانُه منه لا مِنْ غَيرِه، ثم زاد فأكَّدَ له فقال: «له غُنمُه وعليه غُرمُه»، وغُنمُه سَلامَتُه وزيادَتُه، وغُرمُه عَطَبُه ونَقصُه، فلا يَجوزُ فيه إلا أنْ يَكونَ ضَمانُه مِنْ مالِكِه لا مِنْ مُرتَهَنِه.
ثم إنَّ المَرهونَ يُعَدُّ وَثيقةً بالدَّينِ، فلا يَجوزُ أنْ يَسقُطَ الدَّينُ بهَلاكِه اعتبارًا بهَلاكِ الصَّكِّ؛ إذْ إنَّ ذلك يَتنافَى مع جَعلِه وَثيقةً، وكذلك المَرهونُ في يَدِ المُرتَهَنِ برِضا الراهِنِ فيُعَدُّ أمينًا، كالوَديعةِ بالنِّسبةِ لِلمُودِعِ.
وقالوا أيضًا: ولو أننا ضَمَّناه لامتَنَع الناس مِنْ فِعلِه؛ خَوفًا مِنَ الضَّمانِ، ولتَعطَّلتِ المُدايناتُ، وفيه ضَرَرٌ عَظيمٌ.
قال الإمامُ الشافِعيُّ رحمة الله عليه: ولو لَم يَكُنْ في الرَّهنِ خَبَرٌ يُتَّبَعُ ما جازَ في القياسِ إلا أنْ يَكونَ غيرُ مَضمونٍ؛ لأنَّ صاحِبَه دَفَعه غيرَ مَغلوبٍ عليه،
= وقال الحاكم: هذا حديثٌ صحيحٌ على شرطِ الشَّيخينِ ولم يُخرِّجاه لِخلافٍ فيه على أَصحابِ الزُّهريِّ، وقد تابعَه مالكٌ وابنُ أبي ذئبٍ وسُليمانُ بن داودَ الحرَّانيُّ ومحمدُ بن الوليدِ الزُّبيديُّ ومَعمرُ ابنُ راشدٍ على هذه الرِّوايةِ.
قلتُ: هذا الحديثُ فيه اختلافٌ كثيرٌ على أَصحابِ الزُّهريِّ؛ فقد رُوي مُرسلًا ومُتصلًا، وقد بيَّن هذه الرواياتِ كلَّها عن الزُّهريِّ ابنُ عبدِ البرِّ في «التمهيد» (٦/ ٤٢٥)، وما بعدَها، فراجِعْه فإنَّه خِلافٌ طويلٌ لا يتَّسعُ المقامُ لَه.
وسَلَّطَ المُرتَهَنَ على حَبْسِه، ولَم يَكُنْ له إخراجُه مِنْ يَدِه حتى يُوفِّيَه حَقَّه فيه، فلا وَجهَ لأنْ يَضمَنَ مِنْ قِبَلِ أنَّه إنَّما يُضمَنُ ما تَعَدَّى الحابِسُ بحَبسِه مِنْ غَصبٍ أو بَيعٍ عليه تَسليمُه فلا يُسلِمُه، أو عاريةٍ مَلَكَ الانتِفاعَ بها دونَ مالِكِها فيَضمَنُها، كما يَضمَنُ السَّلَفَ، والرَّهنُ ليس في شَيءٍ مِنْ هذه المَعاني، فإذا رَهَن الرَّجُلُ الرَّجُلَ شَيئًا فقَبَضه المُرتَهَنُ فهَلَك الرَّهنُ في يَدِ القابِضِ فلا ضَمانَ عليه، والحَقُّ ثابِتٌ كما كان قبلَ الرَّهنِ.
ولا يَضمَنُ المُرتَهَنُ ولا المَوضوعُ على يَدِه الرَّهنُ مِنَ الرَّهنِ شَيئًا إلا فيما يَضمنانِ فيه الوَديعةَ والأماناتِ مِنَ التَّعدِّي، فإنْ تَعَدَّيا فيه فهُما ضامنانِ، وما لَم يَتعَدَّيا فالرَّهنُ بمَنزِلةِ الأمانةِ، فإذا دَفَعَ الراهِنُ إلى المُرتَهَنِ الرَّهنَ ثم سألَه الراهِنُ أنْ يَرُدَّه إليه فامتَنَعَ المُرتَهَنُ فهَلَك الرَّهنُ في يَدَيْه لَم يَضمَنْ شَيئًا؛ لأنَّ ذلك كان له، وإذا قَضى الراهِنُ المُرتَهَنَ الحَقَّ أو أحالَه به على غَيرِه ورَضيَ المُرتَهَنُ بالحَوالةِ أو أبرأه المُرتَهَنُ منه بأيِّ وَجهٍ كان مِنَ البَراءةِ ثم سألَه الرَّهنَ فحَبَسَه عنه وهو يُمكِنُه أنْ يُؤدِّيَه إليه فهَلَك الرَّهنُ في يَدِ المُرتَهَنِ فالمُرتَهَنُ ضامِنٌ لِقيمةِ الرَّهنِ بالِغةً ما بَلَغتْ، إلا أنْ يَكونَ الرَّهنُ كَيلًا أو وَزنًا يُوجَدُ مِثلُه فيَضمَنَ مِثلَ ما هَلَكَ في يَدِه؛ لأنَّه مُتعَدٍّ بالحَبسِ (١).
وقال الشافِعيُّ أيضًا رحمة الله عليه: ولو شُرِطَ على المُرتَهَنِ أنَّه ضامِنٌ لِلرَّهنِ ودَفْعِه فالرَّهنُ فاسِدٌ وغَيرُ مَضمونٍ (٢).
(١) «الأم» (٣/ ١٦٧).
(٢) «مختصر المزني» ص (١٠٠)، و «الحاوي الكبير» (٦/ ٢٥٣).
قال الماوَرديُّ رحمة الله عليه: وذلك لقَولِه ﷺ: «كُلُّ شَرطٍ ليس في كِتابِ اللهِ فهو باطِلٌ ولو كان مِئةَ شَرطٍ، شَرطُ اللهِ أحَقُّ وعَقدُه أوثَقُ»، ولأنَّ لِلعُقودِ أُصولًا مُقدَّرةً، وأحكامَها مُعتَبَرةٌ لا تُغيِّرُها الشُّروطُ عن أحكامِها في شَرطِ سُقوطِ الضَّمانِ وإيجابِه، كالودائِعِ والشَّرِكةِ لمَّا كانتْ غيرَ مَضمونةٍ كالعُقودِ، لا تُعتبَرُ مَضمونةً بالشُّروطِ والقُروضِ والعَواري، لمَّا كانتْ مَضمونةً بالعَقدِ لَم يَسقُطِ الضَّمانُ بالشَّرطِ، كذلك الرَّهنُ، فإذا ثَبَتَ أنَّ اشتِراطَ ضَمانِ الرَّهنِ فاسِدٌ وَجَب اعتِبارُه، فإنْ كان مَشروطًا في عَقدِ الرَّهنِ صَحَّ الرَّهنُ وبطَل الشَّرطُ ولَم يَكُنْ بُطلانُه قادِحًا في صِحَّةِ الرَّهنِ، وإنْ كان مَشروطًا في عَقدِ الرَّهنِ فهذا مِنَ الشُّروطِ الناقِضةِ؛ لأنَّه شَرطٌ مِنْ جِهةِ الراهِنِ يَنفي بَعضَ أحكامِ الرَّهنِ، فكان الرَّهنُ باشتِراطِه فيه باطِلًا قَولًا واحِدًا، وهل يَبطُلُ البَيعُ المَشروطُ فيه أو لا؟ على قَولَيْنِ: أحَدُهما: يَبطُلُ، والآخَرُ: لا يَبطُلُ لكنْ يَكونُ البائِعُ بالخيارِ بينَ فَسخِ البَيعِ وإمضائِه بلا رَهنٍ (١).
إلا أنَّ المالِكيَّةَ فَرَّقوا في الضَّمانِ بينَ ما يُغابُ عليه وما لا يُغابُ عليه:
فإذا كان المَرهونُ مما يُغابُ عليه -أي: مما يُمكِنُ تَغييبُه وإخفاؤُه- كالحُلِيِّ والثِّيابِ والسِّلاحِ ونَحوِ ذلك، وكان بيَدِ المُرتَهَنِ لا بيَدِ أمينٍ آخَرَ، ولَم تَقُمْ بَيِّنةٌ على هَلاكِه أو احتِراقِه أو سَرِقَتِه بلا تَعَدٍّ ولا إهمالٍ ضمِنه، إلا أنْ يُقيمَ البَيِّنةَ على أنَّه تلِف أو هَلَكَ بغَيرِ سَبَبِه فلا ضَمانَ عليه حينَئذٍ؛ لأنَّ الضَّمانَ هنا ضَمانُ تُهمةٍ يَنتَفي بإقامةِ البَيِّنةِ.
(١) «مختصر المزني» ص (١٠٠)، و «الحاوي الكبير» (٦/ ٢٥٣).
أمَّا إذا كان المَرهونُ مما لا يُغابُ عليه -كالعَقارِ والدُّورِ والحَيوانِ-، أو كان الرَّهنُ بيَدِ أمينٍ، أو قامَتْ بَيِّنةٌ على تَلَفِه بلا تَعَدٍّ ولا إهمالٍ مِنَ المُرتَهَنِ فلا يَضمَنُه المُرتَهَنُ عندَ هَلاكِه إلا إذا قامَتِ البَيِّنةُ على كَذِبِه.
والدَّليلُ على التَّفرِقةِ بينَ ما يُغابُ عليه فيَضمَنُه المُرتَهَنُ وبَينَ غَيرِه مما لا يَضمَنُه أنَّ الرَّهنَ أخَذَ شَبَهًا مِنَ المَضمونِ وشَبَهًا مِنَ الأمانةِ، فلَم يَكُنْ له حُكمُ أحَدِهما على التَّجريدِ، ويُبيِّنُ ذلك أنَّ الأمانةَ المَحضةَ ما لا نَفعَ فيها لِقابِضِها، بل النَّفعُ كلُّه لِلمالِكِ -كالوَديعةِ-، وأنَّ المَضمونَ المَحضَ ما يَكونُ النَّفعُ فيه كلُّه لِقابِضِه -كالمُشتَري-، أو بتَعَدِّي جِنايةٍ، كالغَصبِ، ومَسألَتُنا عاريةٌ مِنْ كلِّ ذلك، فلَم يَكُنْ له حُكمُ أحَدِهما على التَّجريدٍ، فيَجِبُ الفَصلُ بَينَهما، وإذا وجَب ذلك لَم يَبقَ إلا ما قُلناه.
ويَضمَنُه المُرتَهَنُ بالشُّروطِ المَذكورةِ، ولو شرَط في عَقدِ الرَّهنِ أنَّه لا ضَمانَ عليه، ولا يُفيدُه شَيئًا -عندَ ابنِ القاسِمِ-؛ لأنَّ التُّهمةَ قائِمةٌ مع عَدَمِ البَيِّنةِ، خِلافًا لِأشهَبَ القائِلِ بعَدَمِ الضَّمانِ عندَ الشَّرطِ (١).
(١) يُنظر: «بداية المجتهد» (٢/ ٢٠٨)، و «تحبير المختصر» (٤/ ١٠٩، ١١٢)، و «القوانين الفقهية» (١/ ٢١٣)، و «الإشراف» (٣/ ٢٠، ٢١) رقم (٨٨١)، و «شرح مختصر خليل» (٥/ ٢٥٦)، و «بلغة السالك» (٣/ ١٢٥)، و «الأم» (٣/ ١٦٧)، و «الحاوي الكبير» (٦/ ٢٥٥، ٢٥٦)، و «القليوبي» (٢/ ٢٧٥)، و «مغني المحتاج» (٣/ ٦٢، ٦٣)، و «النجم الوهاج» (٤/ ٣٢٨، ٣٢٩)، و «المغني» (٤/ ٢٥٨، ٢٥٩)، و «الكافي» (٢/ ١٣٥)، و «شرح الزركشي» (٢/ ١١٨)، و «الإنصاف» (٥/ ١٥٥)، و «كشاف القناع» (٣/ ٣٤١)، و «الأوسط» (٥/ ٦٨١، ٦٨٤)، و «الإفصاح» (١/ ٤١٩، ٤٢٠).
بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع · علاء الدين الكاساني · كتاب الرهن
فصل في حكم الرهن
أَيْضًا يَخْرُجُ الرَّهْنُ بِالْكَفَالَةِ بِالنَّفْسِ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛؛ لِأَنَّ الْمَكْفُولَ بِهِ مِمَّا لَا يَحْتَمِلُ الِاسْتِيفَاءَ مِنْ الرَّهْنِ.
فَصْلٌ فِي حُكْمِ الرَّهْنِ
(فَصْلٌ) :
وَأَمَّا حُكْمُ الرَّهْنِ فَنَقُولُ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ: الرَّهْنُ نَوْعَانِ: صَحِيحٌ، وَفَاسِدٌ.
(أَمَّا) الْأَوَّلُ فَلَهُ أَحْكَامٌ بَعْضُهَا يَتَعَلَّقُ بِحَالِ قِيَامِ الْمَرْهُونِ وَبَعْضُهَا يَتَعَلَّقُ بِحَالِ هَلَاكِهِ.
(أَمَّا) الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِحَالِ قِيَامِهِ فَعِنْدَنَا ثَلَاثَةٌ: الْأَوَّلُ مِلْكُ حَبْسِ الْمَرْهُونِ عَلَى سَبِيلِ الدَّوَامِ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ، أَوْ مِلْكِ الْعَيْنِ فِي حَقِّ الْحَبْسِ عَلَى سَبِيلِ الدَّوَامِ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ، وَكَوْنُ الْمُرْتَهِنِ أَحَقَّ بِحَبْسِ الْمَرْهُونِ عَلَى سَبِيلِ اللُّزُومِ إلَى وَقْتِ الْفِكَاكِ، وَالْعِبَارَاتُ مُتَّفِقَةُ الْمَعَانِي فِي مُتَعَارَفِ الْفُقَهَاءِ.
(وَالثَّانِي) اخْتِصَاصُ الْمُرْتَهِنِ بِبَيْعِ الْمَرْهُونِ أَوْ اخْتِصَاصُهُ بِثَمَنِهِ، وَهَذَانِ الْحُكْمَانِ أَصْلِيَّانِ لِلرَّهْنِ عِنْدَنَا.
(وَالثَّالِثُ) وُجُوبُ تَسْلِيمِ الْمَرْهُونِ عِنْدَ الِافْتِكَاكِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رحمة الله عليه الْحُكْمُ الْأَصْلِيُّ لِلرَّهْنِ وَاحِدٌ وَهُوَ كَوْنُ الْمُرْتَهِنِ أَحَقَّ بِبَيْعِ الْمَرْهُونِ وَأَخَصَّ بِثَمَنِهِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْغُرَمَاءِ.
الحاوي الكبير في فقه مذهب الإمام الشافعي · الماوردي · (كتاب الرهن)
(فصل)
(وَفَارَقَتْكَ بِدَيْنٍ لَا فَكَاكَ لَهُ ... يَوْمَ الْوَدَاعِ فأنسى الدين قَدْ غَلِقَا)
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -: الرَّهْنُ يُرْكَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا وَلَبَنُ الدَّرِّ يُشْرَبُ بِنَفَقَتِهِ إِذَا كَانَ مَرْهُونًا وَعَلَى الَّذِي يَرْكَبُ وَيَقْرَبُ النَّفَقَةُ.
وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: رَهَنَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - دِرْعَهُ عِنْدَ أَبِي الشَّحْمِ الْيَهُودِيِّ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ هَلْ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - قَبْلَ فَكَاكِهِ؟ فَقَالَ قَوْمٌ: افْتَكَّهُ قَبْلَ مَوْتِهِ لأنه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - يَقُولُ: نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى وَهَذِهِ صِفَةٌ تَنْتَفِي عَنْهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ -.
وَقَالَ آخَرُونَ وَهُوَ الصَّحِيحُ: أَنَّهُ مَاتَ قَبْلَ فَكَاكِهِ لِرِوَايَةِ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الْيَهُودِ بِثَلَاثِينَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَوْلُهُ: نَفْسُ الْمُؤْمِنِ مُعَلَّقَةٌ بِدَيْنِهِ حَتَّى يُقْضَى مَحْمُولًا عَلَى مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَتْرُكْ وَفَاءً.
(فَصْلٌ)
المغني · ابن قدامة المقدسي · كتاب الرهن
٧٩٤ - مسألة؛ قال: (ولا ينتفع المرتهن من الرهن بشىء، إلا ما كان مركوبا أو محلوبا، فيركب ويح
وغيرِه، لِكَوْنِه ما انْتَفَعَ بالقَرْضِ، بل بالإِجارَةِ، وإن حابَاهُ فى ذلك فحُكْمُه حُكْمُ الانْتِفَاعِ بغيرِ عِوَضٍ، لا يجوزُ فى القَرْضِ، ويجوزُ فى غيرِه. ومتى اسْتَأْجَرَها المُرْتَهِنُ، أو اسْتَعَارَها، فظَاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّها تَخْرُجُ عن كَوْنِها رَهْنًا، فمتى انْقَضَتِ الإِجَارَةُ، أو العَارِيَّةُ، عَادَ الرَّهْنُ بحالِه. قال أحمدُ، فى رِوَايَةِ الحسنِ بن ثَوَابٍ عن أحْمَدَ . إذا كان الرَّهْنُ دَارًا، فقال المُرْتَهِنُ: اسْكُنْها بكِرَائِها، وهى وَثِيقَةٌ بِحَقِّى. يَنْتَقِلُ فيَصِيرُ دَيْنًا، ويَتَحَوَّل عن الرَّهْنِ. وكذلك إن أكْرَاها لِلرَّاهِنِ، قال أحمدُ، فى رِوَايَةِ ابن منصورٍ: إذا ارْتَهَنَ دَارًا، ثمَّ أكْرَاهَا لِصَاحِبِها، خَرَجَتْ من الرَّهْنِ، فإذا رَجَعَتْ إليه صَارَتْ رَهْنًا. والأَوْلَى أَنَّها لا تَخْرُجُ عن الرَّهْنِ، إذا اسْتَأْجَرَها المُرْتَهِنُ، أو اسْتَعَارَها؛ لأنَّ القَبْضَ مُسْتَدامٌ، ولا تَنَافِىَ بين العَقْدَيْنِ، وكَلامُ أحمدَ فى رِوَايَةِ الحَسَنِ بن ثَوَابٍ، مَحْمُولٌ على أَنَّه أذِنَ للرَّاهِنِ فى سُكْنَاها، كما في رِوايَةِ ابن منصورٍ؛ لأنَّها خَرَجَتْ عن يَدِ المُرْتَهِنِ، فزَالَ اللُّزُومُ لِزَوَالِ اليَدِ، بخِلَافِ ما إذا سَكَنَها المُرْتَهِنُ. ومتى اسْتَعَارَ المُرْتَهِنُ الرَّهْنَ صَارَ مَضْمُونًا عليه. وبهذا قال الشَّافِعِيُّ. وقال أبو حنيفةَ: لا ضَمَانَ عليه. ومَبْنَى ذلك على العَارِيَّةِ، فإنَّها عِنْدَنَا مَضْمُونَةٌ، وعِنْدَهُ غيرُ مَضْمُونَةٍ.
ارجع إلى ما يبطل به عقد الرهن قبل القبض للاطلاع على جميع المسائل.